المستشرقون والسُّنة النبويةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-02-11 17:54:45

د. علي بن محمد العطيف

أستاذ الحديث والدراسات العليا بجامعة الملك خالد

من المعلوم أن دراسات المستشرقين الحديثة تعد من جملة دراستهم، وإن جاءت متأخرة عنها نسبيًّا، لكنها كغيرها لم تخل من الدس والتشويه والتشكيك في السنة النبوية المطهرة، بل الحمل عليها أشد وأقوى مقارنة بالدراسات الأخرى لأنها اتخذت من طابع البحث العلمي، والموضوعية ستارًا لها.

وبما للسُّنة من أهمية عظيمة في حياة المسلمين، دخل أعدائهم من رجال الكنيسة الحاقدين واليهود المتآمرين ميدانًا جديدًا لمحاربة الإسلام وأهله، وهو ميدان الاستشراق الذي اتخذ في الفترة الأخيرة – كما يزعم الغرب عصر التنوير – طابع البحث العلمي ستارًا له.

فاتجه المستشرقون في دراساتهم إلى المراجع العربية يدرسونها دراسة متخصصة وإلى مصادر التشريع من قرآن وسنة وفقه يفحصونها، ثم أخذوا ينفثون سمومهم هنا وهناك.

ولما كان من الصعب عليهم أن يناولوا من القرآن الكريم، وجهوا سهام مطاعنهم إلى السنة، محاولين تشويهها بمختلف الاتهامات والافتراءات.

ولكن بالرغم مما تعرضت له السنة من مطاعن على أيدي بعض الفرق المنحرفة قديمًا، وعلى أيدي المستشرقين حديثًا، فإن آمال هؤلاء وأولئك قد خابت وجهودهم قد ضاعت بفضل الله تعالى الذي قيض لسنة نبيه في كل عصر ومِصر رجالاً ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وكل ذلك على أسس علمية ثابتة ونزيهة، وقواعد وضوابط لم يشهد البشرية لها نظير.

فظل الحديث نقيًا صافيًا كما تركه صاحبه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة – بإذن الله تعالى -.

مفهوم الاستشراق:

كلمة الاستشراق لفظة مولدة من لفظ (استشرق) المأخوذ من مادة "شرق" أي مستشرق.

استعملها المحدثون ترجمه لكلمة (Orientalism) التي تدل على معنى (مستشرقون)، أما المحققون فيستعملون بدلاً منها (علماء المشرقيات) ولكن كلمه (مستشرقون) أكثر شيوعًا خاصة في الآونة الأخيرة(1).  

وكان أول ظهور لكلمة "مستشرق" في اللغة الإنجليزية سنة 1779م كما دخلت في معجم الأكاديمية الفرنسية سنة 1837م(2).

تعريف الاستشراق:

الاستشراق اتجاه فكري يعنى بدراسة حضارة الأمم الشرقية بصفة عامة وحضارة الإسلام والعرب بصفة خاصة.

وقد كان مقتصرًا في بداية ظهوره على دراسة الإسلام واللغة العربية، ثم اتسع ليشمل دراسة الشرق كله، لغاته، أديانه، تقاليده، آدابه(3).

وقال بعضهم: دراسة الغربيين عن الشرق من ناحية عقائده أو تاريخه أو آدابه... إلى غير ذلك (4).

من هم المستشرقون؟

المستشرقون هم علماء الغرب الذين اعتنوا بدراسة الإسلام واللغة العربية، ولغات الشرق وأديانه وآدابه(5).

نشأة الاستشراق:

إنه من الصعوبة بمكان تحديد نشأة الاستشراق تحديدًا دقيقًا، ولذا اختلف المحققون في مبدأ نشأته.

فقد حدده بعض المؤرخين بدخول القوات العسكرية الاستعمارية قبيل القرن التاسع عشر.

وبعض المشتغلين باللغة العربية وآدابها يرون أنه بدأ من القرن السابع عشر، متمثلاً في ترجمة بعض الكتب العربية وطباعتها.

ويرى بعض الباحثين المتخصصين أنه أقدم من ذلك بكثير فقد يرجع تاريخه في بعض البلدان الأوروبية إلى القرن الثالث عشر.

ويكاد المؤرخون يجمعون على أنه انتشر في أوروبا بصفة جديدة بعد فترة عهد الإصلاح الديني (6).

ولعل من أبرز سمات منهج المستشرقين في دراسة الإسلام:

1 - تحليل الإسلام ودراسته بعقلية أوروبية، فهم حكموا على الإسلام معتمدين على القيم والمقاييس الغربية المستمدة من الفهم القاصر والمحدود والمغلوط الذي يجهل حقيقة الإسلام.

2 - تبييت فكرة مسبقة ثم اللجوء إلى النصوص واصطيادها لإثبات تلك الفكرة واستبعاد ما يخالفها، وذلك منهج وليد الهوى.

3 - اعتمادهم على الضعيف والشاذ من الأخبار وغض الطرف عما هو صحيح وثابت منها (7).

4 - تحريف النصوص، ونقلها نقلاً مشوهًا، وعرضها عرضًا مبتورًا، وإساءة فهم ما لا يجدون سبيلاً لتحريفه(8).

5 - غربتهم عن العربية والإسلام، مما أدى إلى عدم الدقة والفكر المستوعب في البحث الموضوعي (9).

6 - تحكمهم في المصادر التي ينقلون منها، فهم ينقلون مثلاً من كتب الأدب ما يحكمون به التاريخ الحديث، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله "الدميري" في كتاب "الحيوان" ويكذبون ما يرويه "مالك" في "الموطأ" كل ذلك انسياقًا مع الهوى، وانحرافًا عن الحق ( 10).

7 - إبراز الجوانب الضعيفة والمعقدة والمتضاربة كالخلاف بين الفرق، وإحياء الشبه، وفي الجانب المقابل إخفاء الجوانب الإيجابية والصحيحة وتجاهلها(11).

8 - الاستنتاجات الخاطئة والوهمية، وجعلها أحكامًا ثابتة، يؤكدها أحدهم المرة تلو المرة، ويجتمعون عليها حتى تكاد تكون يقينًا عندهم(12) .

9 - النظرة العقلية المادية البحتة التي تعجز عن التعامل مع الحقائق الروحية(13).

وهذه مطاعنهم مشفوعة بالرد عليها ودحضها:

1 - السنة جماع للعادات والتقاليد الوارثة.

يعتقد المستشرقون أن السنة هي جماع العادات والتقاليد الوارثة في المجتمع العربي الجاهلي فنقلت إلى الإسلام، فأصابها تعديل جوهري عند انتقالها، ثم أنشأ المسلمون من المأثور من المذهب والأقوال والأفعال والعادات لأقدم جيل من أجيال المسلمين جديدة. (14)

ويرى كولسون: أن السنة في القرن الهجري تعنى مجموع الآراء الفقهية المتفق عليها بين علماء مدرسة فقهية معينة..، ثم وصل الأمر في النهاية إلى نسبة تلك الآراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه (15).

والجواب على ذلك:

مما لاشك فيه أن تهافت مثل هذه الشبهة ظاهر، وهي دعوى ساذجة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فليس صحيحًا أن السّنة إذا أطلقت من غير تقييد فهي لا تعني إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي ترادف الحديث عند المحدثين.

فأين أقوال ومزاعم هؤلاء المستشرقين المارقين، من أقوال علماء الإسلام الراسخين الثابتين.

وهذه الشبهة إنما نجمت في أذهان المستشرقين من زعمهم أن الحديث النبوي جاء نتيجة للوضع ولم يرد من قبل النبي صلى الله عليه وسلم الذي يطعنون في نبوته، وسيأتي الرد على هذه الشبهة – وهي أن الحديث النبوي نتيجة للوضع – في الشبهة التالية (الحديث نتيجة للتطور الديني خلال القرون الأولى ).

2 - الحديث نتيجة للتطور الديني خلال القرون الأولى:

قال جولد زيهر: "إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول، والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول – عهد الطفولة – ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج (16)".

ومثلوا لحديث جاء نتيجة للتطور الديني، لحديث عمر رضي الله عنه: "إنما الأعمال بالنيات"(17).

قال زيهر: "وقد ارتفع شأن هذا الحديث إلى أن صار فكرة تسيطر على كل الأعمال الدينية.."

الجواب على ذلك:

لقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل على يديه بنيان الإسلام، وتم أمره، ومن أقوى الأدلة  على ذلك قوله تعالى في آخر ما أنزل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (18)

وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حاثًا لهم على التمسك بسنته والحفاظ عليها: "إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدها: كتاب الله وسنتي"(19)، وقال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)(20).

فشرع الله اكتمل والرسول صلى الله عليه وسلم على قيد الحياة، ودين الله تم ونبي الله بين ظهراني أصحابه.

ولا فرق بين عبادة المسلم في شمال إفريقيا وجنوب الصين، فلو كان الإسلام نتيجة للتطور ما وجدت هذه الموافقة في العبادات مع ما بينها من المسافات الشاسعة(21).

والإسلام بقواعده وأصوله صالح لكل زمان ومكان فلا حاجة تستدعي من المسلمين أن يختلقوا من الأحاديث ما يكون حلاً لمشاكل حياتهم الجديدة (22).

وأما حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وادعاء زهير بأنه ظهر أخيرًا نتيجة لتطور الإسلام.

يجاب على ذلك:

أولاً: هذا حديث صحيح أخرجه(23) أصحاب الكتب الستة من حديث عمر رضي الله عنه.

ثانيًا: جولد زيهر لم يطعن في هذا الحديث من فراغ، فقد كان يعلم قدره ومكانته في الإسلام، فإذا سهل له أن يقدح فيه فغيره أولى بالقدح.

3 - أغلب الحديث أنشأ بعد القرن الثاني:

قال زيهر: "ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى (24).

ووجه هذه الشبهة: هو أن ما بين أيدي المسلمين الآن من ثروة حديثية تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هي في الحقيقة منحولة إما أنه صلى الله عليه وسلم انتحلها ووضعها، أو وضعها أصحابه بعد قرنين من الزمان.

قال زيهر: "وقد اعترف أنس بن مالك، الذي صاحب الرسول عن قرب عشر سنوات، عند ما سئل عما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم – هل حدثه به فعلاً فقال: "ليس كل ما حدثنا به سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكننا لا نكذب بعضنا "(25). 

والجواب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول:

في الحقيقة لا يستطيع أحد أن ينكر وقوع الوضع في الحديث، لأن إنكاره إنكار أمر محسوس ثابت بالأدلة، فهناك من الأحاديث مالا يمكن أن تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل وجوده كان أول دافع جعل أئمة الحديث يبذلون الجهد في تنقية الحديث الصحيح وذب الكذب والموضوع عنه بشتى السبل ومختلف الطرق (26).

والحديث ليس نتيجة للوضع، وإنما الوضع أمر طارئ على الحديث، ولذا تحدث العلماء عن نشأته ومبدئه، ونصوا على ذلك.

ومع تباين أقوالهم في تحديد الفترة الزمنية لنشأته. إلا أن بعضهم حدده بمبدأ فتنة عثمان رضي الله عنه، وآخرون بمقتله، والاختلاف بين علي و معاوية رضي الله عنهما(27).

اعتمادًا على قول محمد بن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"(28).

وذكر بعضهم لذلك تاريخًا وهو العام الحادي والأربعون من الهجرة(29). ورجح بعضهم أنه في الثلث الأخير من القرن الأول(30). 

فمع هذا التباين إلا أن الوضع أمر حادث وطارئ.

وهناك أسباب ودوافع أدت إلى ظهور الوضع في الحديث(31).

ولكن الله عز وجل سخّر لذلك رجالاً أخلصوا لله ونصبوا أنفسهم حماة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فبذلوا غاية الجهد، وأفنوا أعمارهم في نقد الأحاديث وتمييز مقبولها من مردودها، ووضعوا القواعد في ذلك.

ولقد وصل إلينا بحمد الله مقدار وفير من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف جوانب الدين. وليست الكثرة كما يزعمون نتيجة للوضع، بل الكثرة ثابتة بطرق الإثبات الموثوقة من قبل أئمة الحديث وعلمائه(32).

الوجه الثاني:

ردود بعض المستشرقين على بعضهم البعض:

قال ( ليوبولد فايس ):"إن الأحاديث الموضوعة (المكذوبة) لم تخف قط على المحدثين كما يزعم بعض النقاد الأوروبيين عن سذاجة، بل إننا نرى عكس ذلك الزعم... فوجود الأحاديث الموضوعة إذن لا يمكن أن يكون دليلاً على ضعف نظام الحديث في مجموعة، كما أنه لا ينتظر من قصص ألف ليلة وليلة أن تبرهن على شيء يتعلق بالإثبات أو بالطعن في صحة الأخبار التاريخية المروية على عصر تلك القصص"(33). 

4 - الطعن في الرواة:

إن من أعظم ما يصبوا إليه دعاة الاستشراق زعزعة القاعدة القوية التي نقلت إلينا هذا الكم العظيم من الحديث النبوي وهم: الصحابة الكرام وقد حاول المستشرقون التشكيك في مصداقية رواة الأحاديث وعلى رأسهم الصحابة، وإذا تم لهم الطعن في الصحابة بكل سهولة، فغيرهم من باب أولى.

قال زيهر: "وقد اعترف أنس بن مالك، الذي صاحب الرسول عن قرب عشر سنوات، عند ما سئل عما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، هل حدثه به فعلاً، فقال: "ليس كل ما حدثنا به سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكننا لا نكذب بعضنا بعضًا "(34).

وقال: "ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعية للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى"(35). 

وقد حاول المستشرقون الطعن في المكثرين من الرواة فمن طبقة الصحابة أبي هريرة رضي الله عنه، ومن طبقة التابعين الإمام الزهري رحمه الله.

والجواب على ذلك:

1 - أبو هريرة رضي الله عنه:

يحاول المستشرقون بشتى الوسائل الطعن في الدين وأهله، وعلى رأسهم الصحابة الكرام – خاصة المكثرين منهم – أمثال أبي هريرة (36) رضي الله عنه:

قال جوينبل (37): "إن الثقة ببعض كبار الصحابة لم تكن الأمور المسلمة عند الجميع في أول الأمر، ولهذا نجد أن الثقة بأبي هريرة كانت محل جدل عنيف بين كثير من الناس"(38).

ونحو هذا الكلام يسطره زيهر في أكثر كتاباته(39).

وجواب ذلك: لقد وصف الإمام الذهبي أبا هريرة رضي الله عنه في مستهل سيرته بعبارات جامعة، فقال:

"الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات"(40).

وقد وهبه الله تعالى ميزات وصفات عدة جعلته يتبوأ منصب الصدارة، ويجوز قصب السبق من بين حملة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلك:

(1) حرصه على الحديث في حصول العلم:

فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وحسبك من شهادة، كما روى ذلك البخاري بسنده إلى أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه)(41). 

(2) كثرة حديثه:

من ينظر في دواوين السنة النبوية يشهد لأبي هريرة بكثرة الرواية، وقد شهد لنفسه بذلك فيما رواه عنه البخاري إذ يقول: "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب"(42).

ومع هذا فقد كان حديثه الموجود بين كتب الحديث أكثر من حديث عبدالله بن عمرو وذلك لأسباب نص عليها العلماء(43).

وقد بلغ عدد أحاديثه في مسند بقي بن مخلد (5374) حديثًا المتفق عليه منها (326)حديثًا(44).

فهو أكثر الصحابة حديثًا.(45)

(3) حفظه وسبب ذلك:

لقد كشف لنا اللثام عن سبب قوة تلك الذاكرة فيما رواه عنه البخاري ومسلم، إذ يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد، ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه، وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أَراضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى مصدره فإنه لم ينس شيئًا سمعه" فبسطت بردة علي، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري ، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا أبدًا (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (46)(47).

وقد شهد له الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وجهابذة العلم بقوة الحفظ وحضور الذاكرة.

روى الحاكم بسنده إلى أبي أنس مالك بن أبي عامر، قال: "كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد: والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنه تَقَوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل؟ يعني أبا هريرة. فقال طلحة:

والله ما يشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم. إنا كنا قومًا لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان أبو هريرة مسكينًا لا مال له ولا أهل ولا ولد، إنما كانت يده مع النبي صلى الله عليه وسلم يدور معه حيث ما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا أنه تقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل "(48).

وقال ابن عمر – وهو يعد من المكثرين -: "يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه "(49).

وقال أيضًا: " كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين"(50).

وقال الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره"(51).

ولكن طعن المستشرقين في أبي هريرة إنما يستهدفون به النيل من الإسلام وتقويضه، وقد علموا كثرة مروياته، فجرحوه وأثاروا الشبه من حوله لكي يرفعوا الثقة عن جميع ما روى، وعن غيره من الصحابة، وهنالك يفقد الإسلام حصيلة عظيمة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد تولى علماء الإسلام في القديم والحديث الدفاع عنه، وتفنيد مزاعم من طعن فيه.

2 - الإمام الزهري رحمه الله:

قال زيهر: "وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الزهري بدهائهم في سبيل وضع الحديث".

وقال أيضًا: "إن عبدالملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزهري وهو ذائع الصيت في الأمة الإسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى"(52).

ومنها حديث: "الصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة فيما سواه"(53).

وأمثال هذين الحديثين، والدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك، وكان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط"(54). 

الجواب على ذلك:

لقد أثنى الله سبحانه على التابعين بإحسان الذين سلكوا مسلك الصحابة رضي الله عنهم وساروا على نهجهم، وتمثلوا بأخلاقهم، وبذلوا نفوسهم في الدفاع عن هذا الدين، فقد ترضى سبحانه عليهم كما ترضى على صحابه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (55).

ومدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون بعد قرنه وقرن صحابته فقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"(56).

قال الحافظ السخاوي:

"إن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيًا –لاسيما الكذب بعيدٌ جدًّا، فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على عصر التابعين وشهد له بعد الصحابة بالخيرية"(57).

وأما فضل الإمام الزهري –خاصة -، فقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "الزهري أحسن الناس حديثًا، وأجود الناس إسنادًا"(58).

ولخص كل ما قيل فيه الحافظ ابن حجر حيث قال: "الفقيه الحافظ، متفقٌ على جلالته وإتقانه"(59).

ورمي هذا المستشرق اليهودي الإمام الزهري بالوضع لم يشركه فيه أحد، ولم يؤثر عن أحد منهم تشكيك في أمانته وثقته ودينه، بل كان من الثقة والتثبت والتقوى والروع بمكان عظيم"(60).

ومثله يستحيل أن يستغله الأمويون في وضع الحديث كما يدعي زيهر فما كان يخاف في الحق لومه لائم.

وهذه حادثة تبين جرأته في الحق وعدم سكوته على الباطل مهما كان قائله:

قال الشافعي: حدثنا عمي قال: "دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبدالملك فقال: يا سليمان: من الذي تولى كبره منهم؟ قال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره منهم؟ فقال له: عبدالله بن أُبي، فقال له: كذبت هو علي بن أبي طالب. فقال له: أنا أكذب!! لا أبالك، فو الله لو نادى مناد من السماء، أن الله أحل الكذب، ما كذبت، حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعبيدالله بن عبدالله وعلقمة بن قاص كلهم عن عائشة أن الذي تولى كبره منهم عبدالله بن أبي.

فلم يزل القوم يغرون به، فقال له هشام: ارحل فو الله ما كان ينبغي لنا أن نحمل على مثلك(61).

فانظر يا رعاك الله لهذا الموقف القوي الثابت، والذي لا يحمل عليه إلا الخوف من الله والعلم به، وهذا الذي دفع الزهري لهذا الموقف المهيب.

أبعد هذا يمكن أن يقال إن الأمويين استغلوا هذا الإمام في وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وبنو أمية الذين أولع المستشرقون بالطعن فيهم والافتراء عليهم لم يكونوا كما يزعمون، وإن كان في بعضهم هنات إلا أن عصرهم من العصور التي مدحها النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة في قوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ..."(62)الحديث.

 

المراجع:

1 -  الاستشراق نشأته وتطوره وأهدافه، إسحاق موسى الحسيني ص1.

 2 - فلسفة الاستشراق، د. أحمد سما يلوفتش ص 30. والاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، محمود زقزوق، ص18. وآراء المستشرقين، د. عمر بن إبراهيم رضوان 1/ص23.

3 - الاستشراق والمستشرقين، وجهة نظر، عدنا محمد وزان، ص15. والاستشراق نشأته وتطوره وأهدافه، إسحاق موسى، ص1. وموقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، 1/419، الأمين الصادق الأمين.

 4 - فلسفة الاستشراق، د. أحمد سما يلوفش /ص30. الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري /ص18.

5 -  الإسلام والمستشرقون ص 374. والاستشراق والمستشرقون، وجهة نظر ص15.

 6 -  الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين ص10- 12. والإسلام والمستشرقين ص276 – 458.

 7 -  الإسلام والمستشرقين/ص248.

 8 - السنة ومكانتها في التشريع ص188، الاستشراق وجهة نظر/130.

 9 -  الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين/ص16.

 10 - السنة ومكانتها في التشريع /ص188-189.

 11 -  الإسلام والمستشرقون /ص241-242.

12  - المرجع السابق/ص247.

13  - المرجع السابق/ص460. والفكر الإسلامي الحديث/ص418.

 14 - أخرجه الحاكم في المستدرك (1/93)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3/39).

 15 - مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية (ص 269- 270).

 16 - نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص127، السنة قبل التدوين ص249.

 17 - أخرجه البخاري في صحيحه، (1/2) برقم (1). ومسلم في صحيحه برقم (1907).

 18 - سورة المائدة/3.

 19 - تقدم تخريجه قريبًا.

 20 - أخرجه أبو داود (3/322) برقم  (366)، وهو صحيح.

 21 - السنة ومكانتها في التشريع/ ص195، 196.

 22 - ينظر السنة قبل التدوين ص251 -  ص252، والسنة حجيتها ومكانتها في الإسلام ص232- 233.

23  - تقدم تخريجه قريبًا عند البخاري ومسلم. وأخرجه أبو داود، برقم (1201) – (2/ 262). والترمذي، برقم (1647)، (4/154). والنسائي، (1/51)، وابن ماجة، برقم (4227).

 24 - العقيدة والشريعة/ص49.

 25 - المرجع السابق/ص55.

 26 - ينظر: الباعث الحثيث/ص76. الوضع في الحديث (1/175- 176).

 27 - الوضع في الحديث 1/181.

 28 - صحيح مسلم، المقدمة (1/15).

 29 - الحديث والمحدثون ص 480

30  - الوضع في الحديث (1/202).

31  -  المرجعين السابقين.

 32 -  دفاع عن السنة ص75. والحديث والمحدثون ص303.

33  - الإسلام على مفترق الطرق (ص96).

34  - العقيدة والشريعة ص55.

 35 - المرجع السابق ص49.

36  -  السنة ومكانتها ص193.

37  - جو ينبل: هو تيودور وليم جوينبل مستشرق هولندي، كان قسًا بروتستانتيًا اهتم بدراسة تاريخ الشرق وآدابه، واللغة العربية حتى أصبح أستاذًا لها في عدة جامعات، توفي سنة 1861م. من آثاره :"تعليم اللغات الشرقية والتاريخ"، وترجمة "مراصد الاطلاع" لعبد المؤمن بن عبد الحق، للاتينية.

 38 - دائرة المعارف الإسلامية (7/336).

 39 - المرجع السابق (1/418-419).

40  - سير أعلام النبلاء (2/518).

 41 - صحيح البخاري، (1/33).

42  - صحيح البخاري، كتاب العلم(1/36).

 43 - فتح الباري (1/207).

44  - سير أعلام النبلاء (2/632).

45 - السنة ومكانتها (ص354).

46 - البقرة (159-160).

47 - أخرجه البخاري (1/37-38). ومسلم برقم (2492)، (4/1940).

48 - أخرجه الحاكم في المستدرك (3/511-512 )، قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

 49 - أخرجه الترمذي برقم (3836) وقال: هذا حديث حسن.

 50 - طبقات ابن سعد (4/340).

 51 - تاريخ دمشق (19/117)، السير (2/599).

52 - أخرجه البخاري (2/56)، ومسلم برقم (827).

 53 - رواه الطحاوي في مشكل الآثار (1/249)، وابن ماجة برقم (1413)،(1/453) وقال في الزوائد: إسناده ضعيف. وضعف إسناده الألباني (الإرواء 4/343).

54 - السنة ومكانتها (ص191).

 55 - سورة التوبة /100

56 - تقدم تخريجه.

57 - فتح المغيث (1/141).

58 - السير (5/332).

 59 - التقريب (2/207).

 60 - السنة ومكانتها (ص213).

61 - سير أعلام النبلاء (5/339).

 62 - تقدم تخريجه.

 


عدد القراء: 936

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-