لماذا نحبُّ الصُّور القديمة؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-02-11 22:27:30

د. فيصل أبو الطُّفَيْل

باحث من المغرب

نيكولا تينايون

ترجمة: د. فيصل أبو الطُّفَيْل

 

تغمرنا الصور المصفرّة بالمتعة والتسلية، وقد توقظ فينا الحنين إلى زمن مضى، ولكن تأثيرها لا يقف عند هذا الحدّ. فقد وجد عدد من الفلاسفة حججًا أخرى تدعم هذا التأثير.

من أجل بلوغ المقدّس

والتر بنيامين (WALTER BENJAMIN)

(عاش بين القرنين 19 و20).

يلاحظ بنيامين في كتابه: "تاريخ مقتضب للتصوير الفوتوغرافي" (1931) أن كل شيء في الصور القديمة كان مهيأ من أجل البقاء"، (...) وحتى الطيّات التي توجد في الملابس تدوم وقتًا أطول. لننظر ببساطة إلى معطف شيلين (La redingote de Schelling)، حين تلبسه. بوسع هذا المعطف أن يبلغ الخلود بكل تأكيد". كانت الصور الأقدم عهدًا فريدة من نوعها، كانت تمتلك هالة بصرية. وكنا نقدّمها في إطار بيضاويّ الشكل كأننا نمجّد الطباعة الأصلية. وإذا كنا نحبّ الصور القديمة- تلك التي التُقِطتْ قبل سنة 1880؛ في الوقت الذي أصبح فيه التصوير الفوتوغرافي خاضعًا لظروف التصنيع- فذلك لأننا نستشعر بأن التقدّم التكنولوجي قد تسبّب في تدهور الصورة، وذلك باستبداله التفرّد والثبات بإمكانية النسخ والزوال.

من أجل إبراز حريتنا

جون بول سارتر (JEAN-PAUL SARTRE)

(القرن 20).

يبيّن سارتر في كتابه المعنون بـ: "الخيالي" (1940)، أننا عندما نشاهد صورة قديمة، فإننا نعيش تجربة متناقضة ومحرِّرَة، يمتزج فيها الحضور بالغياب. فصورة صديقي بيير (Pierre) التي التُقِطَتْ في السنة الفارطة بباريس تجعله حاضرًا لا محالة، لكنها أيضًا تعزله إذ تجعله ثابتًا، لأن "عالم الصور عالم لا يحدث فيه أي شيء". ومع ذلك فإن مادة الصورة- وهي شبه كائن (لأنها تجسّد واقعيًّا ما لا وجود له)- تسمح لحريتي بأن تكشف عن نفسها لنفسها: مِثْلَ أيِّ صورة ذهنية، تكشف لي الصورة العالمَ الراهن في شكل الغياب، إذ كلّما نظرت إليها اختفى ما يحيط بي: أي أنني أنعتق من سجن الحاضر.

حتّى نعيشَ بعد موتنا

جاك ديريدا (JACQUES DERRIDA)

(عاش بين القرنين 20 و21).

يوضّح دريدا في كتابه الموسوم بــ: "مسكن"، أثينا (1996)، أن التصوير الفوتوغرافي لا يخزّن فقط ما مضى، ولكنه يخزّن كذلك ما سيأتي. ما دامت هناك نظرة قادرة على تأويل الصورة الفوتوغرافية، فإن هذه الأخيرة ستقاوم الزمن. هذه الصورة التي التُقِطتْ لي عند قضاء إجازتي في العطلة بمدينة نيس-عندما كنت في الثامنة من عمري- تمثّل شاهدًا عمّا كنْتُه، وما سيعيش من بعدي دون شك. وهكذا، تؤخر كل صورة اختفاء المرجع، طالما أنه من الممكن أن تُشاهَدَ من قِبَلِ أيّ شخص آخر في مستقبل لا يسعنا التحكم به.

ألا يكون افتتاننا بالصور القديمة نوعًا من الاعتراف بما نَدِينُ به للموت؟ وسعيًا منّا لتمديد أعمارنا إلى ما بعد انقضائها فعليًّا؟

لكي نشعر بما لا يراه الآخرون

رولان بارت (ROLAND BARTHES)

(القرن 20).

لقد حزِنَ بارت كثيرًا لوفاة أمه، وحاول- بتأمّل صورها- أن يُعيد لها الحياة. وقد كادت محاولته أن تخيبَ لولا أن عثر بالصدفة على الصورة التي عُرِفَتْ باسم: حديقة الشتاء، وهي الصورة التي منحته شعورًا قويًّا. ويخلص بارت-انطلاقًا من تجربته التي أوردها في كتابه: "الغرفة المضيئة" (1980)- إلى أن بعض الصور يملك قدرة غامضة: فبالإضافة إلى أنها تضيف لمسة من المثالية اللازمنية التي تنقص الشخص موضوع الصورة، فإن هذه الصور تجعل ذلك الشخص شخصًا متفرّدًا. ولعلّ ما يثير إعجابنا في صورة قديمة ينبع مما غاب عن المصوّر الفوتوغرافي، وهو ما يسميه بارت: البونكتوم (Le punctum) (باللاتينية "ثقب"، "بقعة صغيرة"): وهو تفصيلٌ يُثيرُ مشاعر جيّاشة. إن بونكتوم الصورة هو "المصادفة، التي تخِزُني (لكنها أيضًا توجعني وتؤلمني)".

إضاءة:

* نيكولا تينايون (Nicolas Tenaillon): أستاذ مبرّز يدرّس بالأقسام التحضيرية، فرنسا، مادة التخصص: الفلسفة.

مصدر الترجمة:

Philosophie magazine, n° 113, octobre 2017, p. 84.

وبالإضافة إلى النسخة الورقية، يمكن الاطلاع على النص الأصلي بالفرنسية على الرابط الآتي:

http://www.philomag.com/les-idees/divergences/pourquoi-aimons-nous-les-vieilles-photos-24954

 (المترجم).


عدد القراء: 482

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-