قراءة في رواية (حرب الكلب الثانية)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 20:12:03

فاطمة أبو سعدة

باحثة دكتوراه بجامعة أم القرى – جدة

الكتاب: "حرب الكلب الثانية"

المؤلف: إبراهيم نصر الله

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 343 صفحة

 

الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله في روايته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2018م، والتي يمكن تصنيفها ضمن أدب المدينة الفاسدة أو ديستوبيا، يقفز بنا بواقعية مجنونة نحو المستقبل في بلاد العالم الثالث؛ ليخلق عالمًا فانتازيًّا تحكمه قلعة ذات صبغة ديكتاتورية استبدادية، يتفشى فيه الظلم والطمع والقتل، وتعم الفوضى، ويموت الضمير الأخلاقي.

الزمان غير الزمان، زمن غريب تختلط فيه الفصول لتصبح فصلاً واحدًا طويلاً، ويتقلص النهار، ويُمحى الماضي من الذاكرة الإنسانية، ويعيش المجتمع طفرة معلوماتية، وتقدم تقني كارثي يسيطر على حياتهم وأفكارهم، فعمليات التجميل والاستنساخ يمكن أن تتم بكبسة زر، أو بغمضة عين، كما يستخدم (السكانر) في تصوير الأوراق.

"حرب الكلب الثانية" عنوان يبدو غريبًا وساخرًا كما الرواية، ويدفع القارئ للبحث عن سر التسمية، وعما إذا كان ثمة حرب كلب أولى قد وقعت في زمنٍ أو مكانٍ ما، ولكي يسهل عليه مهمة البحث، يلمح في سطور الرواية لعدد من أغرب الحروب البشرية على مر التاريخ والتي تشترك جميعها في كون أسبابها تافهة، وكان من بين تلك الحروب القديمة حرب الكلب التي وقعت بين اليونان وبلغاريا، والتي أشعل فتيلها ثمن كلب، ملخص القصة أن يبتاع رجل كلبًا، فيدفع لصاحب الكلب نصف ثمنه ويعِد بدفع الباقي في الشهر التالي، فلم يفِ بوعده، وحين ذهب صاحب الكلب مغاضبًا للمطالبة بالنصف الباقي من المشتري، تنكّر له الكلب فقفز عليه من فوق السور وأرداه قتيلاً، حمل أهل القتيل قتيلهم وذهبوا فقتلوا الشاري، واتسعت الحرب، متجاوزة الحي فالمدينة وطالت المدن المجاورة، ولم يَنْجُ منها إلا الكلب، هذه حرب الكلب الأولى -إن جاز التعبير- التي استلهم منها الكاتب عنوان روايته، وهو يؤكد بأنها ليست الحرب الأخيرة، فهناك حرب كلب ثالثة ورابعة.. وكل معاركنا يمكن أن نطلق عليها حرب الكلب؛ لأن أكثر أسبابها واهية، ونتائجها لا تتغير، ولا تُخلّف وراءها إلا الدمار والموت. وكما يقول أحد الروائيين القدماء: "التاريخ لا يعيد نفسه؛ بل إن البشر يكرّرون الأخطاء!"

الغريب في القصة أن الكلب الذي يضُرب به المثل في الوفاء هو من  يتنكر لصاحبه، وهنا لفتة من الكاتب لفساد الزمان وسوء الأخلاق وتغير الأصدقاء، فحتى المرء مع نفسه لم يعد صادقًا، وبات يتنكّر لذاتيّته، وينسلخ عن فرديّته، وتحول إلى نُسخ مكررة تشبه الآخرين.

ويقول في هذا الصدد: "أصعب شيء في العالم أن يجد المرء نفسه مع نفسه وجهًا لوجه، ومنذ أن قال سقراط: اعرف نفسك، أدخل الإنسان في أكبر اختبار على سطح هذا الكوكب بل أكبر تحدٍّ؛ لأنه كان يعرف أن ذلك لن يحدث، وإذا بالأيام تدور لنجد أنفسنا وجهًا لوجه مع أنفسنا دون أن نعرف شيئًا عنها؛ بل إنها باتت غامضة أكثر!".

بطل الرواية راشد رجل معارض، وسجين قديم، حذر وحديديّ، يتمتع بذكاء حادّ، وبرغم ذكائه يبتلع الطعم ويقع فريسة لجريمة إلكترونية بعد أن دسّ صديقه المقرّب في يده شريحة تحتوي على فيلم وثائقي عن مقدمات الحروب، وطلب منه مشاهدته بدقة وتدوين ملاحظاته عنه، وإتلاف الشريحة فور الانتهاء منه. وفي أثناء مشاهدته تنطلق قذيفة من الفيلم فتطير أبواب شقة راشد ونوافذها ويجد نفسه مشلولاُ ملقى على الأرض في حالة من التشوش الشديد، ولم يستعد وعيه إلا في أوّل جلسة تعذيب في السجن، حيث تمّ الإطباق عليه متلبسًا من قبل أعضاء القلعة بينما هو يشاهد هذا الفيلم الخطير. تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد تلك الحادثة.

بعد أن يخرج راشد من السجن يقرر أن يتخلى عن ماضيه، وأن يجد لنفسه مكانًا في العالم، فتزوّج من امرأة جميلة تدعى سلام، وهي شقيقة أحد ضباط القلعة، لينضم بذلك إلى جلاديه ويصبح فردًا منهم، المفارقة أن راشد ليس له أدنى حظ من اسمه، فهو يعاني أفكارًا جنونية مضطربة وحالة مرضية أسماها الكاتب (مضاعفات الأمل) في إشارة إلى أنه يعاني من اضطراب نفسي أقرب ما يكون للشيزوفرينيا أو الفُصام.

يتأثر راشد بدوره بمحيطه ذي الإمكانات اللامحدودة، ويدفعه حبه الشديد لزوجته التي يرى فيها أعلى تجليات الجمال للطمع بامتلاك نسخة ثانية منها؛ كي ترافقه واحدة في البيت، وأخرى في العمل، واختار سكرتيرته ليجري عليها هذا التحول الخطير.

يسافر راشد مصطحبًا معه سكرتيرته وصورة جميلة لزوجته، ويسافر إلى طبيب مختص بعمليات التجميل تلك، وفي غرفة عمليات تشبه مركبة فضائية تستلقي السكرتيرة على سرير وتغلق عينيها، تدخل في نفق معدني لعبور الزمن كالذي نراه في الأفلام، تفتح عينيها، فإذا بها خارج النفق، نسخة طبق الأصل من سلام! يشكر راشد الطبيب على النتائج المبهرة وعلى الإنجاز الطبي العظيم: يُحضر الإنسان معه صورة لأي شخص يريد أن يكون مثله، يدخل من فتحة ويخرج من الأخرى ليغدو إنسانًا آخر كالذي بالصورة تمامًا.

 ولأسباب غير معقولة كاختلاف الزمان والغزو التكنولوجي الذي محا الملامح الإنسانية، تبدأ حمى الشّبه والتشبه تجتاح العالم، وتصبح ظاهرة مأساوية في البلاد، وتندلع مظاهرة الجمال بين الشخوص وأشباهها، ليدفع الناس ثمنها غاليًا، حيث يفقد الشخص هويته ويضيع بين أشباهه، ويظهر الأشباه في كل مكان، ويمكن لأي شخص أن يمشي فيلتقي بشبيه له كما لو كان يرى صورته أمامه، أو في المرآة، فيكاد أن يجنّ، ولا يعرف إن كان الذي يقف مقابله هو نفسه أم شبيهه!

في سياق الرواية راشد يتتبّع أشباهه ويقتلهم، وسلام لا تنعم بأي سلام نفسي، فحياتها قلق وشك منذ التقت بشبيهتها، كما خسرت كثيرًا من علاقاتها بحجة التجاهل وعدم الاحترام!

والسكرتيرة التي راحت تبكي فرحًا لمّا رأت نفسها في المرآة بعد عملية التجميل المزعومة، لم تدم بهجتها طويلاً، والسبب كما يحكي الكاتب: "على الرغم من أن ذلك كان يُسعد السكرتيرة في البداية، إلا أنها باتت تنزعج، وبخاصّة بعد أن رأت الأصل؛ لأنها لم تعد تعرف هل كل هذا الانبهار بها أم بسلام".

 والأعجب أن التشابه ليس خارجيًّا؛ بل يمتد للداخل في الذكريات والأفكار والعادات، والبصمات والأصوات، ويطال الفاكهة والحيوانات، ويصبح التشابه بداية لصراعات بشرية وحروب دامية وجرائم من قبيل قتل الأصول لأشباههم أو العكس. ويدخل العالم في معارك لا نهاية لها، لتعلن القلعة حالة الطوارئ ووقف الحرب بقتلها لجميع السكان.

بعد كل ما جرى يجعلنا الكاتب نتساءل، ماذا يريد الإنسان؟ ولو نال ما يريد فهل كان ذلك ليسعده، وإلى أيّ مدى؟! ويتمادى بالقارئ ليجعله يقف على مآل البشرية، ويريه شكل الحياة التي تنتظره فيما لو عاش أسيرًا للأمل، لاهثًا وراء رغائبه وأهوائه، ويحذّره من ماضيه ليتعلم من أخطائه لا ليكررها!

وفي النهاية تدوي صرخة راشد: "أظن أن علينا يا سلام أن نتحدّ الآن، فالحرب التي أحس بأنها على وشك أن تطرق أبوابنا ليست سوى حرب الكلب الثانية؛ ولكن الأشباه هم من سيشعلونها؛ وهذا هو أشد الأمور غرابة بالنسبة لي؛ لأن البشر لا يريدون المختلف ولا يريدون الشبيه، وعلى أحدهم أن يقول لنا بوضوح ما يريده الإنسان!".


عدد القراء: 491

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-