أدب ما بعد الحرب


دائمًا ما يُرمز لأدب "ما بعد الحرب" بـ "أدب الأطلال " و"أدب الدمار". ولا تعني كلمة "الأطلال" فقط تلك المدن الرمادية المحترقة، لكنها تعبر أيضًا عن القيم والمثاليات المنهارة، وحقيقة الحرب والتجربة بين الموت والبقاء داخل تلك الأطلال.

ومن بين الدول التي عاشت ويلات الحروب خرج علينا كتاب ومبدعون يكتبون وجهة نظرهم، ينتصرون للإنسانية، وليس للحدود الإقليمية الفاصلة بين الدول، ولكن الملاحظة الغريبة في الأمر أن كل هؤلاء الكتاب ينتمون إلى دول عاشت الحروب، سواء كانت منتصرة أو مهزومة، تملكهم الإحباط واليأس بين سطور كتاباتهم، رافضين الحياة وسط هذا الدمار.

ويتناول أدب ما بعد الحرب تجارب الأمة تحت الحكم النازي وفي الحرب. فقد ركز كارل تسوكماير في مسرحيته جنرال الشيطان على الماضي النازي عندما حلل الصراع بين الضمير والطاعة لدولة فاسدة أخلاقيًّا.

ويُعد كل من فريدريتش دورينمات وماكس فرتش السويسريين من أبرز المسرحيين الذين كتبوا بالألمانية. وبالإضافة إلى هذين، هناك روولف هوخهوت وبيتر فايس في مجال المسرحية.

أما في الرواية الألمانية الغربية بعد الحرب فإن أبرز الأسماء هي هاينرش بول، وغونتر غراس، وزجفريد لينتس، ومارتن فالسر. ويتناول الفن القصصي في مجمله الدمار الروحي والدَّمار المادي الذين تسببت النازية فيهما. وتُعدُّ رواية (طبلة الصفيح) التي كتبها جونتر جراس أقوى مثال لهذا الموضوع. وقد أسهم العديد من كتاب ما بعد الحرب مثل بول وغراس في قيادة الأدب الألماني اليوم. وتغطي حقبة حياة بطلة رواية بول صورة جماعية مع السيدة حقبة ما قبل الحرب. وقد أبدى كتاب ألمانيا الشرقية في العصر الحديث وقبل اتحاد الألمانيتين، اهتمامًا متزايدًا بعلاقة الفرد بالدولة. وألمع كُتَّاب ألمانيا الشرقية سابقًا هو أولريش بلندسدورف. في  عام 1990، اتحدت الألمانيتان الشرقية والغربية، وبدأ أدباء ألمانيا الشرقية السابقة في التعبير عن التجربة التي مارسوها عندما كانت الشيوعية تسيطر على المجتمع والحكومة معًا. فقد حاول ولفنجانج هيبيجوأريخ لويست ومونيكا مارون وكريستا ولف مصالحة الماضي في رواياتهم ومقالاتهم وسيرهم الذاتية. أما أدباء ألمانيا الغربية ومنهم غنتر غراس ومارتن ولسر فقد أسهموا بفاعلية في الكتابة عن المشكلات التي صاحبت تقسيم ألمانيا ثم اتحادها والحقبة التي تلت الاتحاد.

وبعد الحرب العالمية الثانية كانت ألمانيا خاوية من أي إنتاج أدبي يستوقف القارئ الجاد، لذا كان لا مفر من إعادة الروابط مع العالم خارج ألمانية النازية التي انتهت عام 1945 . وقد برزت أسماء أدباء لم يكونوا مشهورين في حياتهم مثل روبرت موزيل (1880 - 1942) وهرمان بروخ (1886 - 1951). تقوم شهرة موزيل على رواية لم تنته مع أنها بلغت  صفحة بعنوان (الرجل الذي لا خصال له) Der Mann ohne Eigenschaften واستغرقت كتابتها ثلاث عشرة سنة، وهي تصف الحياة في فيينا إبان الحرب العالمية الأولى. وربما كان أهم الأدباء الألمان الذين اشتهروا بعد انهيار ألمانية النازية غونتر غراس المولود عام 1927، والذي نشر عام  1963 رواية (سنوات البؤس) Hundejaher التي تصوّر فظائع ألمانية النازية.

في عام 1947 تألفت فيما كان يُسمى ألمانية الغربية «جماعة 47» ضمت مشاهير الأدباء الألمان، منهم من عاد من المنافي الاختيارية، ومنهم من ترك ألمانية الشرقية مثل غونترغراس، يسيطر عليهم جميعًا رعب الحرب العالمية الثانية والشعور بثقل الخطيئة، التي جرّتها على البشرية ألمانية النازية. وقد كان التعبير عن ذلك يتخذ مسارب شديدة الخصوصية والعرقية أحياناً لكنه يتخذ توجّهات تتشوّف إلى عوالم أرحب في أحوال غيرها.

وكان من الظواهر الملموسة في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إقبال القراء الشديد على استيعاب التيارات الأدبية التي شاعت في العالم الخارجي، ولم تصل إلى الألمان إبّان الحكم النازي، مثل الواقعية الجديدة  في روايات الأمريكي إرنست همنغواي ووجودية الفرنسي سارتر، كما اشتد الإقبال على مؤلفات الألمان الذين اختاروا حياة المنافي، أو أُرغموا عليها منذ عام 1933، مثل هاينريش وتوماس مان والفريد دوبلين وبرتولد بريخت وآنّا زيغرز، وقد شاع بين الكتّاب الشبان رغبة شديدة لـ «البداية من الصفر»، وإجراء «تنظيف شامل» في الساحة الأدبية. وظهرت عنوانات تعبّر عن أيام الرعب، مثل «وراء الباب» Draussen vor der Tur و«تقرير ناج من الموت» Bericht enies Uberlebenden وتشير إلى ميل الأدباء في هذه الحقبة إلى تسخير الأدب لخدمة قضايا المجتمع. لكن ذلك الميل ما لبث أن تضاءل في عقد الستينيات، ربما بسبب خيبة الأمل بمجتمع «البحبوحة» Affluent Society الذي أقامته مشاريع الدعم الاقتصادي، كما يلمس في روايات فولفغانغ كوبن وهاينريش بُل ومارتن فالزر مما جعل كثيرًا من الأدباء يشككون في قدرة الأدب على تغيير المجتمع، فظهرت نبرة  تصف الأدب بأنه مسألة خاصة. لكن هذا الاتجاه انقلب في آخر عقد الستينيات فغدا الأدب معنيًّا بالسياسة بالدرجة الأولى، وخاصة بعد حركات الطلبة عام  التي عمَّت فرنسا وعددًا من الأقطار الأوربية. وبعد أن كان الكثير من الأدباء يعلن نفوره من السياسة راحوا ينغمسون فيها إلى حد المشاركة في الحملات الانتخابية، ويسخِّرون أدبهم في هذا السبيل، وهنا اتخذت الرواية طابعًا تسجيليًّا يذكِّر المرء بروايات ظهرت بعد الحرب مباشرة تؤرخ لسنوات الرعب النازي، وتستخدم سجلات السجون والمحاكم أساسًا تقيم عليه الأدب الروائي في تلك الحقبة.

الرواية العربية بعد الحرب العالمية الثانية:

الرواية والحرب, علاقة وثيقة برغم أنها غامضة, فمنذ أن وقعت الحروب كان هناك الرواة والمؤرخون والقاصون, لكن مع ذلك قليلة هي الدراسات النقدية التي حاولت أن تؤرخ وتحلل تأثيرات الحروب على الرواية العربية المعاصرة, وفي الحديث عن هذا التأثير يمكن التطرق إلى بعدين مهمين هما:

 الأول: الرواية التي يكتبها عسكريون محترفون سواء بصفتها نوعًا من المذكرات أو قصة فيها الخيال الممتزج مع الوقائع, وربما هناك أدباء مروا على المجال العسكري لمدة من حياتهم فتركت تأثيرها على أعمالهم, ونذكر هنا جمال الغيطاني الذي كان محررًا عسكريًّا لصحيفة أخبار اليوم القاهرية في أثناء حرب الاستنزاف (1967 - 1973) ويوسف القعيد من مصر، بينما كان هناك الأدباء الفلسطينيون الذين عايشوا المعارك ومنهم رشاد أبو شاور في قصته المعروفة (بيروت - بيروت) وعاصر وقائع الغزو الإسرائيلي للبنان. كما غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وآخرون.‏

الثاني: الرواية التي يكتبها أدباء عاديون لكنها تناولت مناخ الحرب وتأثيراته على أوضاع البلاد العربية, ولا يكاد يكون كاتب عربي من المحيط إلى الخليج إلا وتأثر بالحروب التي عانت منها الأمة بدءًا من الاحتلال الأوروبي، ووصولاً إلى الحروب ضد إسرائيل, وحتى الأدباء الفرانكفونيين أمثال الطاهر بن جلون ومحمد ديب وجورج شحادة وأغلبهم من المغرب العربي, وبرغم وجودهم في أوروبا إلا أن أعمالهم الأدبية تأثرت بما جرى في المنطقة العربية باعتبار أن أبطال هذه الروايات (ثلاثية محمد ديب مثلاً) هم عرب, وهو ما نجده في (موسم الهجرة إلى الشمال) للكاتب السوداني الطيب صالح, حيث التداخل الموضوعي بين ما هو محلي وما هو أجنبي.

كانت هُناك العديد من الأعمال التي تناولت الحرب، سواء عن مُشاركة شخصية للكاتب أو عن طريق رؤيته للأحداث، مثل "في الصيف السابع والستين" للروائي إبراهيم عبدالمجيد، والتي تناولت المجتمع المصري وما أدى به إلى هزيمة يونيو 1967، وظروفها والتحولات التي طرأت على المصريين، ومجيد طوبيا الذي كتب "أبناء الصمت" عن حال الجنود المصريين على الضفة الغربية لقناة السويس، التي تحولت لفيلم تم تصنيفه من أهم مئة فيلم في التاريخ، وكذلك كتابات جمال الغيطاني عندما كان مراسلًا حربيًّا، وسجّل في روايتيه القصيرتين "الغريب" و"الرفاعى" بطولات من حرب أكتوبر؛ أيضًا كتبت الروائية السورية غادة سمان مذكراتها التي وصفت فيها وقائع ومجريات الحرب الأهلية اللبنانية التي عايشتها تحت اسم "كوابيس بيروت".

الشعر:

أصبح الشعر في أدب "ما بعد الحرب" من الألوان الأدبية المهمة، وذلك للسبب التالي حيث أظهر النثر كثيرين من الكتاب من خلال اللغة الوطنية كاذبين وغير جديرين بالتصديق. لذلك رأى كثير من المؤلفين أن الشعر هو أفضل إمكانية للتعبير عن مشاعرهم وتجربتهم .

النثر:

أهم شكل نثري ظهر في "أدب ما بعد الحرب" كان "القصة القصيرة". حيث استثمرت بشكل نافع من كثير من المؤلفين وبخاصة من بورشرت و شنورا. وكمثال يحتذى به كانت القصة الأمريكية القصيرة وأيضًا المؤلفين ويليام فولكنير، أرنست همنغواي وأديجر ألن بو. وتضم أشهر القصص القصيرة لبورشرت كل من "ساعة المطبخ"، "في ذلك الثلاثاء" و"الكرز".

الدراما (المسرح):

كان هناك صورة مختلفة على مسارح أدب ما بعد الحرب "في المناطق السوفيتية والغربية المحتلة. وبينما لقيت أعمال كتاب الدراما المهاجرين شعبية كبيرة في الشرق، أعيد في الغرب تقديم دراما ليسنج "ناتان الحكيم" ومسرحية "إيفيجينى" لجوتة.

ومنذ ذلك تولّدت المسرحيات في زمن ما بعد الحرب، وكان هناك القليل منها التي اكتسبت جمهور كبير مثل "مسرحية بورشرت" خارجًا أمام الباب  ومسرحية "جنرال الشيطان".أما بريشت الذي رفض الذهاب إلى ألمانيا الغربية، انتقل عام  إلى شرق برلين حيث أسس مع هيلين فايجل "الفرقة البرينلية". في العام نفسه تم عرض مسرحية بريشت "شجاعة أم".


عدد القراء: 7229

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-