الرحالة والدبلوماسي البريطاني «دي جوري».. في قصر البديعة!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-01-31 20:49:33

عرفه عبده علي

كاتب ومؤرخ - مصر

كلما ازددت شغفًا بأدب الرحلات, ازددت قناعة بأن مركز الانبهار الحقيقي لرحالة الغرب كان في جزيرة العرب .. حيث الحياة المطلقة بين الرمال المتعددة الألوان وفضاء ممتد بلا حدود! ..ومعظم هؤلاء الرحالة تركوا لنا مدونات عن عهد العاهل العظيم "عبدالعزيز" تناولوا فيها تفاصيل من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية: شكلت مصدرًا بالغ الأهمية في كتابة تاريخ المملكة .. وكانت رحلات الرحالة والدبلوماسيين البريطانيون أبرز اسهامات "العصر الفيكتوري" ..أخص منهم "دي جوري " الذي اعتمد أسلوب الوصف العلمي القائم علي المشاهدة ودقة الملاحظة ..

كـان الكابتن "جيرالد دي جوري" ضابطًا بريطانيًا عمل في السلك الدبلوماسي، وتنقـل في عدد من الدول العربية .. عمل في جدة والكويت والعراق وشغل منصب وكيل سياسي في الكويت خلال الفترة 1936 – 1939م، كما شغل منصب قائم بالأعمال لدى الوصي على العراق عام 1941م، زار الرياض عدة مرات في الأعوام 1934، 1935، 1939، 1940م وكانــت زيارته الأولى للرياض بصفته مبعوثًا لوزارة الخارجية البريطانية لمناقشة بعض القضايا السياسية مع الملك عبد العزيز .. أما زيارته الثانية للرياض التي تمت في عام 1935م فكانت بصفته مرافقًا للوزير المفوض البريطاني في جدة مستر "اندرو ريان" الذي قدم للرياض باسم الملك البريطاني "جورج الخامس" ليمنح الملك عبدالعزيز وسامًا بريطانيًا رفيعًا اعترافًا به كحاكم مستقل يرتبط ببريطانيا بعلاقة دبلوماسية كاملة .. وكتب "دي جوري" كثيراً عن رحلاته وعن المملكة العربية السعودية وتجاربه بها. 

كـان وصوله إلي الرياض في التاسع عشر من مارس عام 1934م توجه إلى إحدى الخيام بالقرب من أسوار الرياض إلى أن وصل الشيخ "يوسف ياسيـن" السكرتير الخاص لجلالة الملك، الذي اصطحبه إلى منزله قرب البوابة الشرقية .. ثم رافقه عقب العشاء لمقابلة الملك عبد العزيز، حدثه الشيخ ياسين عن خدمة الطيران التي ستبدأ قريبًا, ونشاط شركة النفط الأمريكية "أرامكو".. وأشار إلى أسلوب الحياة الأوروبية في بيت الشيخ ياسين!

ووصف الساحة المفتوحة الوحيدة أمام قصر البديعة "الذي يشبه القلاع، وقد كان هذا القصر القديم مقر القيادة العسكرية الشتوي للملك، يترك فيه عائلته فيما يخوض معاركه، ويتيه المرء في القصر أكثر مما يتيه في الشوارع المحيطة به" ..

وعند وصولهما إلي السطح، خلع الشيخ ياسين نعليه، ففعل دي جوري مثله، ووقف الحرس لتحيتهما، وعبر الردهة المضاءة بالقناديل .." شاهدت أبـن سعود يقف منتصبًا بقامته المديدة" .. وكان حريصًا على تدوين ملاحظاتة بشأن البرنامج اليومي للملك, فكتب:

"يعود الملك إلى قصره في البديعة بعد الغروب، وينصرف إلى أعماله، فيوقع الرسائل واحدة بعد الأخرى، ثم يعطيها إلى سكرتيره، كما يستقبل الزوار، ويصغى إلى عرض لأخبار العالم، ولا يصغى إلي الموسيقى إطلاقًا، وعند منتصف الليل بالتوقيت العربي يقرأ القرآن الكريم أو يستمع إلى قراءته، وبعد ذلك يقرأ بعض الأدعية وينام حتى الفجر حيث يقوم إلي تأدية الصلاة، وبعد ذلك يرتاح قليلاً، ثم يعمل حتى موعد صلاة الظهيرة, وبعد الظهر يعود إلى القصر الصيفي في وادي حنيفة المليء بالأشجار".

كمــا دون "دي جوري" انطباعاته عن رحلته الثانية إلى الرياض فـي عـام 1354 هـ / 1935م حيث أشاد بتحسن طريق الرحلة، بالرغم من بعض المخاطر، وشاهد صواري المحطة اللاسلكية وبساتين النخيل وأسوار الرياض في طريقهم إلى "القصر الصيفي" ..

ثم يمضـي بنا "دي جوري" في سرد انطباعاته حتى يـوم الاحتفـال بتقـديـم الـوسـام البريطانـي وهدايا الملك "جـورج الخامس" التي قدمها الوزير المفوض "اندرو رايان"  إلى الملك عبد العزيز .. وأضاف: "عند مغادرتنا برفقة مسئولي القصر والحراس الذين جاؤوا معنا من الساحـل شاهدنا عددًا من الناس قادمين من الواحات المجاورة في وقت متأخر على ابلهم وراجلين مسرعين عبر الطرق المؤدية إلى الرياض، وعند بوابة المدينة وفي المداخل الرئيسيـة للقصر وفي الأروقة وحجرات الانتظار تم ترتيب الحرس الملكي الذين اصطفوا كطريق لا نهاية له من الرجال"!

رحلات الصيد الملكية

حرص "دي جوري" على وصف الاستعدادات لرحلات الصيد الملكية فى فصل الربيع فكتب: "يخرج الملـك وحاشيته عند كل فصل ربيع للصحراء ليمكثــوا فيها عدة أسابيع لممارسة الصيد، وعندما يعطي الملك الأمر المنتظـر بتشوق منذ فتـرة يمتلـيء القصـر بجلبـة وفـرح .. والمسئـول عن الخيام عليه إعداد مـا يقارب مئتي خيمة .. وهناك أولاً السرادقات البيضاء الكبيرة التي ترتبط ببعضها بممـرات مسقوفـة، مليئة بالسجاد والوسائد، مزينـة بالحرير لاستخدام الملك، وهنالك العديد من السرادقات أصغر حجمًا مزينة بالحرير الدمشقي أو ملونة بنسيج هنـدي، كما أن هنالك الخيام ذات الجوانب المستديرة المزينة في أعلاها المخروطي بأطراف محارية الشكل أو هي بدورها لها زخارف حمـراء وزرقاء .. وأخيرًا هنالك خيام التابعين من البدو وهي سوداء مصنوعة من صوف الأغنام، وتقوم المطابخ الملكيــة بإعداد وتجهيز قدور الطبخ النحاسية الضخمة والعديد من أكياس الأرز والتوابل، ورئيس الصيادين الذين يصطادون بالصقور والمشتغلين بصناعة البنادق وصيانتها لهم أعمالهم التي في انتظارهم، ولمكتب الاتصالات أن يعد محطته اللاسلكية لتكون جاهزة، وأخيرًا يقوم الأمير الذي يقود القافلة الملكية بإصدار أمر التحرك إلى المكان الذي اختاره الملك".

وبشيئ من التفصيل سجل دى جورى انطباعاته عن الحفل الذى دعا إليه الملك فى اليوم التالي بميدان سباق الخيل، اختتم بمأدبة وداع ملكية كبرى!

 


عدد القراء: 405

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-