الاندفاع والتروي Impulsive and Reflectiveالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-05-31 21:19:51

د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

تنطلق تصرفات الإنسان عادةً من أفكاره، ولكل شخص منهجية خاصة في التفكير تتضح في سلوكياته وتعاملاته سواء مع نفسه أو مع الآخرين، ذلك ما يعرف بالأسلوب المعرفي. فالأسلوب المعرفي Cognitive Style أو أسلوب التفكير يعبر عن الطريقة التي يفكر بها الأفراد ويدركون ويتذكرون المعلومات والمواقف وغيرها. وتكمن أهمية الأسلوب المعرفي بأنه محدد للسلوك البشري ليس فقط كاستجابة أو انعكاس للطريقة التي يتصرف بها الإنسان في مواقف الحياة المختلفة، ولكن له أثر ودور في كيفية الاكتساب والتعلم. فالنمط الفكري الذي ينشأ عليه الإنسان يؤثر في طريقة تلقيه للمعلومات واستيعابه للمواقف المختلفة والتفكير فيها ومعالجتها ذهنيًا، وبالتالي التصرف وفقًا لذلك. بمعنى أن بعض الأفراد يميل إلى التعقيد عند التفكير في أمر ما، أو عند محاولة اتخاذ قرار يتعلق بموقف أو حل لمشكلة ما، بينما يميل آخرون إلى التبسيط عند حل المشكلات أو اتخاذ القرارات. كذلك يتصف بعض الأفراد بالتفكير المرن المتسامح فتجدهم يقبلون ويتقبلون الرأي الآخر وإن كان مخالفًا لما يرون، على النقيض من ذلك؛ المتعصبون، الذين لا يتنازلون عن آراءهم، ويتسمون بالتفكير الأحادي.

وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الأسلوب المعرفي بوصفه متصل فكري إنساني ثنائي القطب يجمع بين نقيضين، بحيث يمكن الحكم على الشخص من خلال معرفة طريقة تفكيره، أي أسلوبه المعرفي، ومن ثم التنبؤ بتصرفاته وردود أفعاله تجاه أي موضوع أو قضية. والأسلوب المعرفي يختلف عن القدرات العقلية والذكاء بمستوياته المختلفة، فاستحسان صفة إنسانية مثل التفكير المتزن لا يعني بالضرورة أن من يتصف بها ويطبقها كنمط فكري، يتمتع بذكاء أعلى من الشخص ذو التفكير المتهور أو المتسرع، والعكس صحيح في هذا المقام. فالأسلوب المعرفي يمكن اعتباره ضمن الآليات النفسية الداعمة للعملية العقلية، بحيث يؤثر النمط المعرفي- الفكري للشخص في طريقة توظيفه لإمكاناته وقدراته العقلية، فمثلاً، لو تساوا شخصان في معدل ذكاءهما وما يمتلكان من قدرات ومهارات، فإن الشخص الذي يتسم تفكيره بالمرونة وسعة الأفق سيوظف ذكاءه على نحو أمثل في التخطيط والتطوير سواء على المستوى الشخصي وتحقيق أهدافه الذاتية، أو على المستوى المجتمعي وإفادة الآخرين والاستفادة منهم. على عكس الشخص أحادي التفكير والذي ربما يتشبث بآراء وحلول جامدة، بمعنى أن جموده الفكري سيحد من انطلاق قدراته ومهاراته نحو أفق أوسع وأشمل.

ويعتبر نمط التفكير الخاص بالاندفاع في مقابل التروي أحد الأساليب المعرفية التي يتصف بها الأفراد عندما يواجهون مواقف الحياة المختلفة. حيث يؤثر هذا الأسلوب وعلى نحو دقيق في طريقة الإنسان في التعامل مع معطيات الموقف، وكيفية تحليل هذه المعطيات وتوظيفها في حل المشكلات، فالفرد المندفع يعمل وبشكل سريع للوصول إلى الحل، دون الاهتمام بالنتائج والتبعات، بينما الفرد الذي يتسم بالتروي سيعمد إلى النتائج الصحيحة بغض النظر عن الوقت. فالتروي هو التفكير مليًا للإحاطة بجميع جوانب الموضوع أو الموقف، وتقليب الحلول المقترحة، ووزن النتائج المحتملة، وكثيرة هي النصائح والإرشادات بالتروي قبل اتخاذ القرار. ذلك أن الفرد الذي لديه إيقاع الاندفاع السريع يميل إلى إصدار أول استجابة تطرأ على ذهنه عند حل المشكلات، ولذلك قد تكون خاطئة أو غير دقيقة، بينما الفرد ذو الإيقاع المتروي يقوم بمعالجة وتقويم مختلف البدائل والتحقق من الاستجابة قبل صدورها.

وقد أُجريت العديد من الدراسات والأبحاث حول الاندفاع والتروي في مجتمعات وثقافات مختلفة، وتكاد تكون نتائج هذه الدراسات متشابهة لجهة أن الأفراد الذين يتسمون بالتروي يستخدمون وضع المعالجة الذهنية التحليلية Analytic Processing Mode، بينما يستخدم الأفراد الذين يتصفون بالاندفاع وضع المعالجة الذهنية الشمولية Holistic Processing Mode . كذلك وُجد أن من يتصف بالتروي والتفكير التأملي يكون أكثر كفاءة في الإنجاز من حيث الوصول إلى حلول دقيقة ذات قابلية للتطبيق، مقارنة بالحلول التي تم الوصول إليها على عجل. ذلك أن الأفراد المتروين يكونون أكثر قلقًا من الاندفاعيين في اختيار البديل الخاطئ، لأن ذلك يرتبط لديهم بعدم الكفاية، ولأنهم يؤكدون جانب الدقة في الاختيار من دون أن يعيروا أهمية للوقت الذي يستغرقه القرار، أما الأفراد الاندفاعيين فإن القلق ينشأ لديهم من خلال توقعاتهم التي تتعلق بأن البطء في تقديم الاستجابة يعني عدم كفايتهم، لذلك فهم يركزون على جانب السرعة في الاختيار، ويجازفون بمعدلات أعلى من الأخطاء مقارنة بالمتروين. كما وجد عدد من الباحثين أن نمط التروي- الاندفاع يرتبط بنمط فكري آخر، وهو أسلوب التفكير الاستقلالي في مقابل التفكير الاعتمادي. حيث أشارت نتائج أبحاثهم إلى أن أصحاب الفكر المتروي يكونون أكثر استقلالية في تحليل الموقف وابتكار الحلول والبدائل المناسبة، بينما يكون أصحاب الفكر الاندفاعي أكثر اعتمادية في تقديم قوالب فكرية جاهزة قد لا تكون مناسبة في أن يبنى عليها قرار أو حل.

كما أن من يتصف بالاتزان والتروي يكون أكثر ميلاً لامتلاك مهارات التفكير النقدي Critical thinking وأحد أوجه التفكير النقدي المتبعة سواء في المألوف العلمي المنهجي، أو في الدراسات الاستراتيجية وآليات صنع القرار، هو أن يتم تحديد المشكلة أو الموضوع محل الدراسة والإلمام بجميع جوانبه، وبعد التحديد يتم تحليل المشكلة أو الموقف، ثم صياغة الفروض وهي عبارة عن الحلول المحتملة واختبارها وتجريبها، وبالتالي ترجيح الحل الأنسب وبناء القرار على أساسه. فالتفكير العلمي يعتبر سمة للأفراد الأكثر وعيًا، وخاصية من خصائص المجتمعات المتحضرة، وكلما كان الإنسان متزناً في تفكيره غير متسرع، كلما كان أقرب إلى التفكير بمنهجية علمية.

إذاً، التروي سمة مطلوبة، يفترض أن يتحلى بها الإنسان لمواجهة ما يموج به عالم اليوم من أحداث كالحروب والأزمات السياسية والاقتصادية والأوبئة، وما يصاحب هذه الأحداث عادةً من زخم معلوماتي وأخبار تحتاج إلى التفكير فيها مليًا وتحليلها، وعدم الانسياق وراء أية معلومة أو خبر. لذلك يجب تعويد النفس على التروي، وتطوير الذات بالعمل على اكتساب مهارات التفكير التأملي المتوازن. ويوصي الخبراء في هذا المجال بضرورة تعليم وتدريب النشء مهارات التفكير النقدي، لأهميتها في مساعدتهم على التغلب على ما قد يواجهون من مواقف ومشكلات في حياتهم.

ولما للتروي وعدم الاندفاع كأسلوب معرفي، من أثر في دعم وترسيخ مهارات التفكير الناقد، أشار كثير من الباحثين في الميدان التربوي إلى أهمية تعليم الطلاب وتدريبهم على التفكير التأملي، لما يظهره الطلاب التأمليين من نضج إدراكي وتفضيلاً للمعالجة التحليلية، مقارنة بالطلاب المتسرعين الذين يفتقرون إلى النضج الإدراكي ويظهرون تفضيلاً للمعالجة الذهنية الشمولية. وإذا كانت سمة الشباب كمرحلة عمرية هي الاندفاع والتسرع، فعلى الأسر ومؤسسات التعليم العناية بتعويدهم على التروي وعدم الاندفاع سواء في مجال التعلم والتحصيل العلمي، أو في حياتهم عمومًا حتى يصبح الاتزان الفكري والتأمل سمة ملازمة للشخص في كل مراحل عمره.  

 

المراجع:

- أبو حطب، فؤاد؛ وصادق، آمال (1984م). علم النفس التربوي (ط2)، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

- الجمعان، سناء؛ وجابر، إنصاف (2015). قياس الأسلوب المعرفي الاندفاع – التروي لدى طلبة مرحلة الدراسة الإعدادية، مجلة أبحاث البصرة للعلوم الإنسانية، جامعة البصرة، (40)، 237 – 264.

- حسين، آمال اسماعيل (2018). علاقة القلق الأمني بالأسلوب المعرفي (الاندفاع – التروي) لدى طلبة الجامعة.  مـجلة العلوم الإنسانية .53، (4)، 1-28.

- عياش، ليث محمد (2009م). الأسلوب المعرفي وعلاقته بالأبداع (ط1). عمان: دار الصفاء للنشر والتوزيع.

- العتوم، عدنان يوسف (2010م). علم النفس المعرفي النظرية والتطبيق (ط2). عمان، الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع.

- الفرماوي، حمدي (1994م). الأساليب المعرفية (بين النظرية والبحث). كلية التربية، جامعة المنوفية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

- الصراف، قاسم (1986). الأسلوب التأملي – الاندفاعي وعلاقته بحل المشكلات لدى طلاب وطالبات كلية التربية بجامعة الكويت. مجلة كلية التربية، الكويت، العدد 10، المجلد 3.

- Borkowski, J. G., Peck, V. A., Reid, M. K., & Kurtz, B. E. (1983). Impulsivity and strategy transfer: Metamemory as mediator. Child Development, 54, 459-473.

- Guilford, J. P. (1984). Cognitive Styles, What are they? Educattional Psychological Measurement, Vol. (40).

- Kagan. J.(1981). Reflection – Impulsivity: The generality and dynamics of conceptual tempo. Journal of Abnormal Psychology. Vol. 71, ،no (1) ،pp.17-24.

- Kagan. J., Moss. H. & Sigel, I. (1971). Intentional processing in the child significance of analytical and reflective attitude. Psychology Monographs. Vol. 78 (1), pp.1-37.

- Rosencwajg, P. & Corroyer, D. (2005). Cognitive Processes in the Reflective–Impulsive Cognitive Style. The Journal of Genetic Psychology, 166 (4), 451–463.


عدد القراء: 1311

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة د.محمد ابراهيم العبد الكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2020-06-02 19:57:12

    شكرًا لكم سعادة الدكتور عبدالرحمن النملة، على هذه المقارنة المُنصِفة الناطقة بعمق المضامين، وذلك السياق التأملي الذي فنَّدتم عبره صواب السلوك أثره وتأثيره .. جعلك الله موفقًا مباركًا ونفع بعلمك، يا مُعلِّم الإيجابية ومحيط الخبرات الحياتية ????????

  • بواسطة S_ALZAHRANI من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2020-06-02 17:54:47

    كعادة يا دكتور مأدُبة زاخرة بالنور، علاوة على ذلك هناك كثير من التساؤلات بدت واضحة من بين ما تفضلتم به من بين الأسطر . الأغلب يفتقد للتروي المرتبط بالحكمة . رغم نبوة موسى إلا أنه وكز أحدًا فقضى عليه، هل لأن الذي من شيعته بالغ في موقفه؟! أم لأن موسى عليه السلام ضاقت به المسافات بين ما أُمر به من الله فكان القلق يؤرقه .. نحن و إن التمسنا الإستقلالية في طرق الحياة لن يبدو التروي و الإنضباط في الرأي للطرف الآخر ، سوى ضعف و استسلام. هذا القالب من الوصف يقتنيه من هم على أوج الإصرار على مواقفهم رغم خطأهم . ربما الصرعات تجعل من الإنسان مختلف ففي كل تجربة درس تهدي له ضالته .

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-