الاستثارات النفسية الفائقة Psycho-overexcitabilityالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-30 18:48:00

أ. د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

تمثل الاستثارات النفسية الفائقة في جوهرها مجموعة من المشاعر النفسية الفطرية التي ترافق الطفل في مراحل مبكرة من نموه. وتبرز تمتع الطفل بقدرات واستعدادات مرتفعة نحو الاستجابة للمثيرات المختلفة وتساهم بوصوله لمستوى أعلى من النمو المتقدم لشخصيته، وتوجد تلك الاستثارات الفائقة بدرجة أكبر لدى الأفراد الموهوبين، ويتم التعبير عنها في صور متعددة منها، زيادة مشاعر الحساسية، والوعي، وشدة الانفعال، على نحو يمثل وجود فروق واختلاف واقعي في نمط حياة وجودة ما يتميز به هؤلاء الأفراد من تجارب وخبرات. وقد أوضح دابروسكي (1967م- 1977م) Dabrowski مفهوم الاستثارة الفائقة في ردة الفعل التي تتجاوز حدود الاستثارة نفسها، وتدوم أكثر من المعدل أو المتوقع، ذلك للتعبير عن الخبرات الانفعالية للجهاز العصبي. وكان دابروسكي قد توصل إلى هذا الاستنتاج من خلال طرحه لنظريته في التفكيك الإيجابي (Positive disintegration)، حيث يشير إلى أن القدرة الفائقة في الاستجابة للمثيرات الداخلية والخارجية، من خلال الرغبة الجامحة في التعلم، والخيال المفعم بالحيوية والطاقة الجسدية والحسية، والحساسية الزائدة وحدة الانفعالات، كلها تمثل إشارات للاستثارة النفسية الفائقة.

ويؤكد بايشوسكي (1997م)  Piechowski أن الاستثارات الفائقة تعتبر أعلى أشكال التعديل الذي يمثل سلسلة متواصلة من مستويات التكيف بدرجات متفاوتة تتركز في خمسة أبعاد، هي؛ البعد العاطفي، والبعد الفكري، والبعد الحسي، والبعد النفس-حركي، وكذلك البعد التخيلي، بحيث أن هذه الأبعاد تدعم بعض السمات الشخصية والخصائص العقلية، ومنها الموهبة، حيث تزيد من قوتها. ويرى جالاغر (1986م) Gallagher  أن الاستثارات الفائقة تمثل الطرق التي يمكن للفرد أن يواجه بها البيئة من حوله، سواء كانت البيئة المادية أو البيئة الاجتماعية، حيث تسمح الاستثارات النفسية الفائقة للأفراد بمعالجة كميات أكبر من المعتاد من المحفزات البيئية. ويشير "دابروسكي" أن ارتفاع الإمكانات النمائية الفطرية لدى الأفراد تتكون من ثلاث خصائص مميزة هي؛ الموهبة الاستثنائية، والذكاء، والإمكانات العاطفية المتمثلة في تحسين الذات.

إذاً، تتجلى الاستثارة النفسية الفائقة في أشكال خمسة من الاستثارة، هي؛ نفسية حركية، وحسية، وعاطفية وخيالية، وفكرية، حيث تمثل الاستثارة النفسية الحركية، زيادة استثارة الجهاز العصبي العضلي، ويتضح ذلك في القدرة على أن يكون الطفل نشيطًا وحيوياً، ومحبًا للحركة، ولديه فائض من الطاقة، وحاجة فعلية للعمل البدني. وتمثل الاستثارة الحسية تجربة مكثفة لأي نوع من المتعة الحسية أو الاستياء النابع من إحدى الحواس الخمس، أي البصر والشم واللمس والتذوق والسمع. ويتجلى في زيادة تقدير المتعة الجمالية مثل الآداب واللغة والفنون، والبهجة من الأذواق والروائح والأصوات والمشاهد، وعلى العكس من ذلك، يشعر المرء بألم شديد واشمئزاز عند التعرض لأحاسيس يُنظر إليها على أنها غير سارة. وبالنسبة للاستثارة الفكرية أو العقلية، فينظر إليها باعتبارها تمثل الرغبة الشديدة في الفهم والبحث والمحاولة الدؤوبة لاكتشاف الحقيقة، واكتساب المعرفة وتحليل المعلومات وتصنيفها. ويُنظر عادة إلى أولئك الذين يتمتعون بدرجة عالية من التميز الفكري على أنهم موهوبون فكرياً، ولديهم عقول نشطة، فضوليون بشدة وقراء نهمون ومتابعون حريصون، وكثيرًا ما يحبون التفكير فقط من أجل التفكير. ويتمثل الشكل الخيالي من الاستثارة النفسية الفائقة على صورة مسرحية مكثفة للخيال، غنية بالصور والاختراع، والخيال، واستخدام الصور والاستعارة والأحلام، والرؤى التفصيلية. حيث وُجد أنه في كثير من الأحيان لا يفرق الطفل عندما يستغرق في مستوى عالٍ من التميز الخيالي بين الحقيقة والخيال، مما يجعله يتعايش مع عالمه الخيالي الخاص مع رفقاء خياليين، يؤدي دوره معهم وكأنه في أداء مسرحي. وتمثل المشاعر الشديدة، والانفعالات المكثفة والمعقدة الشكل العاطفي من الاستثارة النفسية الفائقة، حيث يبدو ذلك في التعرف على مشاعر الآخرين، إلى درجة التجربة الفعلية والتعبير العاطفي القوي. وتشمل المؤشرات الأخرى للبعد العاطفي، الاستجابة الجسدية للمنبهات العاطفية، مثل آلام المعدة عند القلق العصبي والوسواس من الموت والاكتئاب. ويتمتع الأشخاص المفرطون في الإثارة عاطفيًا، بقدرة قوية على إقامة علاقات عميقة، ويظهرون ارتباطات عاطفية قوية بالناس والأماكن والأشياء، إنهم متعاطفون وعاطفيون وحساسون للغاية.

وبناءً على ذلك، فان الشخص الذي يُظهر أي شكل من أشكال الاستثارة النفسية الفائقة، يرى الواقع بطريقة مختلفة، ويركز أكثر على تفاصيل البيئة المحيطة، سواء كانت مادية أو معنوية. ولذلك، باتت الاستثارات النفسية الفائقة محل اهتمام الكثير من الباحثين في مجال التربية وعلم النفس، وبعض العلوم الأخرى، ذلك للوقوف على دور هذه الاستثارات في العديد من الجوانب العقلية- المعرفية وكذا العاطفية الانفعالية. فقد وُجد أن للاستثارات النفسية الفائقة دور وأثر في التنبؤ بالموهبة والابداع، حيث وجد بريارد (1994م) Breard أن الاستثارات النفسية الفائقة لها دور تنبؤي بمدى تمتع الفرد بالموهبة والابداع. وقد أجرى دراسة لإثبات ذلك من خلال تطبيق مقياس الاستثارات النفسية الفائقة على مجموعة من الطلاب والطالبات في المرحلة الابتدائية، تم تصنيفهم من خلال محكات الكشف التقليدية عن الذكاء والموهبة، إلى ثلاث مجموعات، مجموعة الموهوبين، ومجموعة فوق المتوسط من حيث الذكاء، ومجموعة العاديين. وأسفرت أهم النتائج أنه من خلال الاستثارات الفائقة أمكن التنبؤ بتصنيف تلك المجموعات الثلاث، وأن نسبة من أفراد المجموعة لم يتم تصنيفهم في مجموعة الموهوبين، وهذا يعزز احتمالية إسقاطهم وفق محكات الكشف التقليدية، مما يدل على أهمية أخذ مفهوم الاستثارة النفسية الفائقة بعين الاعتبار عند الكشف عن الموهوبين، وألا يكتفى فقط بالمقاييس التقليدية للذكاء والقدرات العقلية. ووجد عدم الاقتصار على الوسائل التقليدية لقياس الذكاء والموهبة والابداع، تأييدًا علميًا، من ذلك ما قام به كارمان (2005م) Carman في دراسة أجراها للكشف عن العلاقة بين الطرق التقليدية في التعرف إلى الموهوبين والمتمثلة في درجات الذكاء والتحصيل الدراسي، وبين الطرق الحديثة والمتمثلة في أنماط الاستثارات النفسية الفائقة والبروفايل الحسي كطرق غير تقليدية في التعرف على الموهوبين. وأجريت الدراسة على مجموعة من الطلاب من جامعة كنساس في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلصت أهم نتائجها إلى وجود علاقة ارتباطية بين كل من أنماط الاستثارات النفسية الفائقة والبروفايل الحسي، ووجود ارتباط دال إحصائياً بين درجات أفراد العينة على مقياس أنماط الاستثارات النفسية الفائقة (العقلية والتخيلية) وبين درجاتهم على اختبار الذكاء.

إن الأطفال الموهوبين والمتفوقين عقليًا يتميزون بخصائص سلوكية تميزهم عن أقرانهم في مرحلة مبكرة من حياتهم، وتلعب التنشئة الاجتماعية دوراً مهماً في استمرار تنمية وتعزيز تلك الخصائص، وفي حال عدم توافر الرعاية السليمة سيؤدي ذلك إلى بالطفل إلى إخفاء كثير من تلك الخصائص، أو يؤدي إلى جعلها قوى سلبية معيقة للتعلم (جروان، 2016). ولن تتأتى الرعاية المناسبة للموهوبين، إلا بقيامها على أسس علمية تنطلق من خلال الكشف عن الخصائص السلوكية باستخدام وسائل القياس المقننة.

من النصائح المقدمة لآباء الموهوبين في هذا السياق، أن يدركوا أن طفلهم يمر بتجارب فكرية وعاطفية وخيالية، وحركية وحسية عالية للغالية، وعليه لابد من توفير البيئة الداعمة لذلك، وتشجيع الطفل على التعلم الذاتي Self-learning. كذلك على الآباء والمربين زرع الثقة في نفس الطفل، حتى لا يشعر بالعيب من اظهار مواهبه غير المألوفة، فالموهبة في العادة تخالف المألوف من الأفكار والأفعال. أيضًا من المهم تعريض الأطفال لعالم الفن، والمتاحف والكتب والقصص، وإن استغراق الطفل في الخيال يشير إلى تمتعه بالتفكير العميق. ثم على الآباء أن يتعاملوا على نحو إيجابي مع الضغوط التي قد يمرون بها جراء ملاحظتهم أبناءهم يعانون في المدرسة أو في المواقف الاجتماعية، والايجابية هنا تعني أن هناك انحناءات حتمية في الحياة، وأن ما قد يعانيه الطفل من صراع داخلي يعتبر أمرًا لا مناص عنه في سلسلة نموه.

 

أهم المراجع:

- جروان، فتحي (2016). الموهبة والتفوق. (ط7). عمّان،: دار الفكر.

- العازمي، مشعل. (2015). الاستثارات الفائقة وبعض أبعاد الشخصية لدى كل من الطلاب الموهوبين وأقرانهم العاديين بالمرحلة الثانوية بدولة الكويت. المؤتمر الدولي الثاني للموهوبين والمتفوقين خلال الفترة من 15-16/2015، كلية التربية، جامعة الإمارات العربية المتحدة.

-Breard, N. S. (1994). Exploring a different way to identify gifted African American students. (Unpublished doctoral dissertation), University of Georgia, Athens.

-Carman, C. A. (2005). Relationships among traditional and modern constructs used in identifying giftedness. Doctoral dissertation, The University of Kansas, USA). (Pro Quest dissertations and theses database).

-Dabrowski, K. (1964). Positive Disintegration. Boston, Mass.: Little Brown.

-Dabrowski, K. (1967). Personality-shaping through positive disintegration. Boston: Little Brown & Co.

-Dabrowski, K. (1972). Psychoneurosis is not an illness: Neuroses and psychoneuroses from the perspective of positive disintegration. London: Gryf.

-Daniels, S., & Meckstroth, E. (2009). Nurturing the sensitivity, intensity, and development potential of young gifted children. In: S. Daniels & M. M. Piechowski (Eds.), Living with intensity: Understanding the sensitivity, excitability and emotional development of gifted children, adolescents and adults. (pp.33-56). Scottsdale, AZ: Great Potential Press.

-Gallagher, S. (1986). A comparison of the concept of overexcitabilities with measures of creativity and school achievement in sixth – grade students. Roeper Review, (14), 3, 115 -119.

-Piechowski, M. M. (1992). Giftedness for all seasons: Inner peace in a time of war. In: N. Colangelo, S. G. Assouline, and D. L. Ambroson (Eds.), Talent development: Proceeding from the 1991 Henry B. and Jocelyn Wallace National Research Symposium on Talent Development. (pp.180-203).

-Piechowski, M. M (1997). Emotional giftedness: The measure of intrapersonal intelligence. In: N. Colangelo and G. Davis (Eds). Handbook of gifted education, 2nd ed. (pp.366-381).


عدد القراء: 1810

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة د.محمد العبدالكريم من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2021-01-31 22:10:55

    نعم نحتاج كثيرًا إلى الوقوف مع أبنائنا، في مسارات تفاعلهم مع المحيط الاجتماعي وتعاملهم مع الحياة بجميع جوانبها، وأن نكون معهم لا عنهم في صياغة سياق تفكيرهم وسلوكهم، نُراعي تفرُّدهم ونتصالح مع واقعهم، بالإرشاد الأبوي وأمانة المسؤولية، المؤدية بإذن الله إلى اعتمادهم على أنفسهم وفق قيمٍ ثمينة وأخلاقٍ إنسانية رفيعة .. شكرًا لثمين طرحكم سعادة د.عبدالرحمن النملة، وأنتم دائمًا مصدر القيمة الفكرية والمعلومات العلمية التي تُخاطِب احتياجاتنا، بارك الله في كلمات مضمونكم وسطوركم العميقة؛ فواقعية تحليلكم وتوجيهاتكم مسار تفوق في مشاركة أبنائنا بإذن الله ،،

  • بواسطة S_AlZAHRANI من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2021-01-31 22:03:53

    أتمنى بأن يكون هناك فواصل في الكتب المدرسية، لجميع المراحل؛ يملؤها فيض ما تملكه من العلم. نحن بحاجة لتوسيع المدارك؛ للإشارة، والتنوير، ولو بشكل مبسط. بارك الله بعلمك يادكتور عبدالرحمن.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-