«يفغيني زامياتين»... لن يحدث لكم شيءالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-28 19:20:26

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي - أغادير – المغرب

 

ترجمة وتقديم: نبيل موميد

بقلم: سيلفان فور - (كاتب خطب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" وخطاباته)

 

تقديم:

بعد نجاح الثورة البُلشفية وإقامة الاتحاد السوفياتي، كان الأدباء الروس يظنون أن حلمهم في مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية قد أصبح واقعًا معيشًا، غير أن انحرافات عدة طالت نظام الحكم جعله يتحول بشكل مأساوي إلى ديكتاتورية بوليسية قمعية، وأصبح المبدعون بين شقي الرحى، غير قادرين على تحمل أن حلمهم قد سرق منهم، وفي نفس الآن مُكَمَّمَة أفواههم، ومُرَاقَبة أقلامهم حتى لا تكتب إلا ما يُوائم توجهات الدولة ويلهج بالمديح لها. في هذا السياق، ورغم كل المخاطر، كتب عدد من المبدعين الروس روايات تتحدى الواقع وتدينه، ومنهم "بوريس باسترناك"، و"يوري تينيانوف"، و"يفغيني زامياتين"... وغيرهم كثير.

في هذا الإطار، يحاول هذا المقال أن يرصد بعض مظاهر هذا النقد الذي وجهه الروائيون الروس إلى النظام الشيوعي السوفياتي، وذلك من خلال التوقف عند رواية نحن لـ"زامياتين" (1884-1937)، التي حاول فيها من داخل جنس الرواية الديستوبية – وهو ما يعرف أيضًا بأدب المدينة الفاسدة(1) - أن يبرز بطريقة سخروية كيف يحاول الطغاة أن يُشكِّلوا العالم بطريقتهم الخاصة، ووفقًا لأذواقهم، والويل والثبور لمن يعارض أو حتى يفكر في ذلك. وكأنهم يعيدون بطريقة جديدة إحياء أسطورة "بروكوست – Procuste" اليونانية المرعبة، مُصَادِرِين حتى الحق في التخييل والحلم والحب...

وتكمن أهمية هذا المقال في أنه يربط بين الرواية المذكورة وتصادي أحداثها مع ما يعيشه العالم في أيامنا هذه من تداعيات جائحةٍ أبانت أن العالم، رغم كل ما حققه من تقدم علمي ورفاه تكنولوجي، ليس منيعًا أمام المستقبل واللامتوقع.

نص الترجمة:

في سنة 1920، سطَّر الكاتب الروسي "يفغيني زامياتين – Evgueni Zamiatine" برعب كبير صورة لعالَم مشكَّل من منحنيات وإحصائيات؛ عالَم متحجِّر في نوع من الكمال المُذِلَ المُميت.

يقول السارد في رواية (نحن) التي كتبها "زامياتين" بين سنتين 1920-1921: "لم نتمكن بعد من إيجاد حلول فعالة لمشكلة السعادة". تعد قضيةُ السعادةِ القلبَ النابض لهذه الرواية التي تجري أحداثها في القرن الثاني والثلاثين؛ في عالم يحكمه نظام "الدولة الوحيدة"، المحاطة بحزام أخضر يفصلها عن عالم آخر تحكمه البربرية وأنواع الهمجية.

لا مِراء في أن هذا العالم هو صورة للمجتمع السوفياتي الذي كان "زامياتين" قد دعمه ودافع عنه في وقت مبكر، قبل أن يفر من جحيم ويلاته. ولا يظن البعض أن الأمر يتعلق بمجرد رواية من روايات استشراف المستقبل، أو روايات أدب المدينة الفاسدة (الديستوبيا - Dystopie)، رغم أنها قدمت المادة الخام الأساس لروايات تعتبر مؤسِّسة في هذا الباب؛ وأقصد بذلك روايتي 1984 لـ"أورويل - Orwell"، وأفضل العوالم لـ"هوكسلي – Huxley".

تتخذ الرواية شكل يوميات مهندس/عالِم مكلَّف بصناعة سفينة فضاء اختاروا لها من الأسماء "الأنتجرال – L’Intégral" (أي الكاملة أو المتكاملة)، والتي ستتيح للدولة الوحيدة أن توحِّد الكون وتجعله يدين بمبادئها وقيمها. وبذلك تكون رواية (نحن) قد استعادت مرة أخرى الطموح الإنساني إلى عالم في منأى عن المخاطر واللامتوقَّع، وكأن دولة "زامياتين" الوحيدة هي بمثابة نسخة أخرى – معدَّلة – من جمهورية "أفلاطون - Platon". ويبدو أن التحكم المطلق في الجميع هو السبيل الأوحد المتاح لتحقق السعادة. وبالنظر إلى الهوس بجعل الحياة نموذجًا للكمال النابذ للاختلاف، أصبحت كل حركة – مهما كانت بسيطة – خاضعة لقواعد رياضية صارمة.

وحتى بعد مرور قرن على رواية "زامياتين" الكابوسية هذه، التي حاول فيها أن يصور مجتمعًا توتاليتاريًا وبوليسيا استقى أهم معالمه من روسيا الشيوعية، فإننا نسجل بكثير من الأسى وجود مجتمعات معاصرة لم تستفد من دروس التاريخ؛ بحيث إنها لا تزال تعيش في ذاك الوهم الذي يجعلها تظن أن بإمكانها أن تصل إلى بر الأمان بالعلم، والحساب، ووضع السلطة بين يدي الذين يدَّعون المعرفة.

ألم يكن هذا الهوس بالكمال هو الذي يسكن عالمنا عندما ضربت الجائحة بقوة لم تستطع معها الخوارزميات أو السلطات السياسية أن تتوقع حدوثها، أو حتى أن تتعامل معها في بداية ظهورها لتجنيب العالم تداعيات كارثية؟ وما يثير الاستغراب أن بعض التوصيات التي خلصت إليها النقاشات العمومية حول عالم "ما بعد الجائحة" تتصادى وَوصفَ "زامياتين" لعالمٍ طاهرٍ نقي تسوده، رغمًا عنَّا، سعادة تتأسس على المبدأ الذي نصوغه كالتالي: "من الجلي أن المثالي لن يتحقق إلا عندما لا يحصل أي شيء البتة". وربما لن يختلف اثنان في أن الأمل الذي يجعل هذا النزوح نحو الأمن المطلق (الديكتاتوري) يهتز ويتفسخ، هو تلك الحماسة المتوقدة التي تشع من النفوس الحرة، حتى تحت أكثر الأنظمة الشمولية صرامة؛ حماسة قوامها التخييل الذي يفسح المجال للحب والحلم والحرية.

من اللازم، في رواية (نحن)، أن نبحث عن طريقة لشفاء الإنسان من "مرض التخييل" باعتباره "آخر عقبة في درب السعادة"، التي ستحوِّل الأرض إلى جنة؛ وذلك بالنظر إلى أنه "داخل الجنة ["حسب زامياتين"] لا نعرف رغبات، أو شفقة...". لقد أدخلنا الإنسان غرفة العمليات واستأصلنا خياله.

ومع هذا تبقى فئة، حفنة من الأفراد، لا تتبع مِثال السعادة الإجبارية هذا [التي تفرضها الأنظمة]، وتفر هاربة مخترقة الأسوار نحو عالم مُغايِر. لا تمتلك هذه الفئة "المارقة من السعادة المفروضة" أي توجه أو تصور مثالي للعالم الكامل الذي سيحل محل العالم الرسمي، ولكنها تؤمن بقبول النقائص والضعف، والرغبات والأسرار، والأخطاء والوعي غير السديد.

تؤكد هذه الرواية، إذن، أن أجمل ما في الإنسانية هو جوانب ضعفها وفنائها، وليس بالتأكيد تعطشها إلى التحكم والخلود. هل سنتذكر هذا الأمر، يوما ما، عندما نعود إلى حياتنا الطبيعة بعد انقضاء غيمة الجائحة؟ 

 

مصدر النص المُتَرجَم:

Sylvain Fort, Evgueni Zamiatine… Il ne vous arrivera rien, Le Nouveau magazine Littéraire, n° 30, juin 2020, p: 43.

1 - لمزيد من التوسع في هذه النقطة، انظر مقالنا المترجم:

أدب المدينة الفاسدة سيمفونيات العالم الجديد، ترجمة وتقديم: نبيل موميد، مجلة الدوحة، العدد 148، فبراير 2020، ص: 36-37.


عدد القراء: 359

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-