فلسفة اللّامبالاة فنُّ الاستفادة مِن المعاناةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 14:41:16

د. محمد كَزو

المغرب

دائمًا ما كانت مُخالفة المألوف عند النّاس، تجلب الأنظار ويُسلَّط عليها الضّوء، ودائمًا ما حصل الشّيء الغريب بمقياسنا في الحياة العاديّة على كثير اهتمامنا، بحيث نرغب في تمحيصه وتشريحه، والنّظر هل فعلًا يستحقّ هذا المجهود؟ أم مجرّد شيء عابر، أُريد به خلق حدث لا أقلّ ولا أكثر؟

من هنا، كان كتاب "فن اللّامبالاة لِعيش حياة تُخالف المألوف"(1)، جالبًا للأنظار بقدر كبير، من حيث عنوانه، وحتّى فصوله التّسعة الشّيّقة، ولمقاربة ما جاء فيه نطرح الأسئلة التّالية: ماذا أريدُ من هذه الحياة؟ ما هدفي الحقيقي منها؟ ما الألم الذي ترغب فيه في حياتك؟ ما الذي تظنّ أنّك مستعدّ للمعاناة والكفاح لأجله؟ كيف للّامبالاة أن تكون حلًّا؟ كيف تُحوِّل المعاناة إلى مصدر قوّة؟

سنغوص إذًا، في رحلة فكريّة خالصة، مُعتمدِين عناوين الفصول نفسها للكِتاب، كالآتي:

أوّلًا: لا تحاول      

قد تأتي النّصيحة مِن أتفه النّاس في نظر النّاس، ويتحقّق الحُلم مهما طال الزّمن، لذا يجب الإصرار على ما تحبّ فِعله مهما كانت الظّروف معاكِسة، والأهمّ الصّدق مع نفسك لِقول الأشياء رغم حقائقها الصّادمة، إذ الإحساس بالرّاحة اتّجاه النّفس واتّجاه الفشل وعدم اليأس، هو ما يصنع تحقيق الحُلم، فـ«كثيرًا ما يأتي النّجاح والتّطوّر الذّاتيّ مترافقين معًا. لكن هذا لا يعني بالضّرورة أنّهما شيء واحد»(2).

كان الباراديم(3) الحالي، وما يزال، التّركيز على التّوقّعات والآمال الإيجابيّة إلى حدّ مفرط جدًّا؛ كن ذكيًّا وكن أحسن من الآخرين وهكذا، وفي الحقيقة هذه الآمال هي ما تحتاجه ما تَفتقِر إليه، وبدقيق العبارة ما أنت فاشل فيه؛ والعكس صحيح تمامًا، فالأشياء التي تكون واثقًا منها لا تحتاج إثباتها، ولا تنظر إليها لأنّها تحصيل حاصل، إذ «ليست شدّة الاهتمام بالحصول على "ما هو أكثر" مفتاحًا لحياة جيّدة؛ بل المفتاح هو "الاهتمام الأقلّ" الاهتمام المقتصر على ما هو حقيقي، آني، هامّ»(4)، فلا تحاول تضييع وقتك لِتحقيق أشياء مستحيلة، لن تسطيع تحقيق الأماني كلّها لِقلّة الوقت أو الجهد أو غيرهما؛ فالحياة مليئة بأنواع عديدة من المعاناة، لذا وجب اختيار التي سنكافح لأجْلها، فلن نكون سعداء إذا ما بحثنا عن السّعادة، بل يأتي النّجاح إذا ما تقبّلنا الخسارة.

فإذا كنتَ قلقًا من مواجهة شيئًا ما في حياتك، ويزداد قلقك بعدم وجود حلّ لهذا القلق، فـ«أنت تصير الآن قلقًا بخصوص ما يتعلّق بقلقك»(5)، وتبقى داخل دائرة مغلقة، وهو الإجراء الذي «يجعل اللّامبالاة أمرًا حسنًا. هذا ما يجعل عدم الإفراط في الاهتمام هو ما سينقذ العالَم. وسوف تنقذه أنت من خلال قبولك أنّ العالَم مكان سيّء، وأنّ هذا شيء لا بأس به لأنّ العالَم كان هكذا على الدّوام، ولأنّه سيظلّ هكذا على الدّوام»(6).

فلا تحاول تغيير الواقع، الذي لن يتغيّر أبدًا، بِقَدْر محاولتك الاندماج فيه، والانصهار حتّى تُحقّق لنفسك معنى في حياتك، يمنحك طاقة كبيرة لِمواجهة الصّعاب والمعاناة، إنّه النّوع الأقرب للمثاليّة، سيما إذا عرفنا أنّ «الألم خيط من خيوط نسيج الحياة نفسه، وليس اقتلاعه من ذلك النّسيج أمرًا مستحيلًا فحسب، بل هو يدمِّر النّسيج نفسه: تؤدّي محاولة اقتلاعه إلى تفكيك كلّ ما هو مرتبط به. وليست محاولة تفادي الألم إلّا مبالاة بالألم أكثر ممّا يجب. وعلى النّقيض مِن هذا، إذا كنت قادرًا على شيء مِن اللّامبالاة اتّجاه الألم، فإنّك تصير شخصًا لا يمكن أن يُقْهَر»(7).

بناء على ما تقدّم، فالاهتمام بالأشياء كلّها يؤدّي إلى خسارتها كلّها، إذ «هنالك شيء اسمه فنّ اللّامبالاة الذّكي»(8)، وهو النّضج الذي يصل إليه الإنسان، حالةَ أدرك اهتمامه فقطّ بما يستحقّ الاهتمام.

ثانيًا: السّعادة مشكلة

يقول "نيتشه": «كم تتوقّف السّعادة على القليل من الأشياء»(9)، فالسّعادة المُطْلقة جهل تامّ بقسوة الحياة، فَمَعَ أوّل اختبار يُصدم المرء، وقد تتغيّر حياته رأسًا على عقب؛ فالحياة نوع من أنواع المعاناة لجميع البشر بكافة أطيافهم، ومراكزهم الاجتماعيّة، وفئاتهم العمريّة، كلّ حسب مكانته، وإن اختلفت المنطلقات وكميّة المعاناة، لكن النّهاية تكون نفسها غالبًا، إذ «الفكرة المركزيّة في هذه الفلسفة هي أنّ الألم والخسارة أمران لا مهرب منهما، وأنّ علينا أن نقلع عن محاولة مقاومتهما»(10)، وعادة ما تكون أمجد حقائق الحياة أكثرها إرهاقًا عند سماعها.

بينما، يُعتبر القلق وعدم الاكتفاء مكوِّنان حقيقيان ضمن الطّبيعة البشريّة، وهما جزآن واجبان لسعادة مستقرّة؛ فالمعاناة جزء لا يتجزّأ من السّعادة، فالأولى سبب التّطوّر للحصول على الثّانية؛ بمعنى آخر، ما المعاناة التي تريد عيشها والصّبر على تحمّلها؟، فلا وجود لحياة خاليّة من الألم، حياة دائمة السّعادة والحبّ بين البشر، في حين، ما يمكن السّعي إليه هو حياة فيها مُعْضلات فاخرة، لِيُحسّ الإنسان بسعادة بعد حلّه تلك المشاكل، فـ«الخلطة السّحريّة كامنة في حلّ تلك المشاكل، لا في عدم وجود مشاكل في حياتك»(11).

ثالثًا: لستَ شخصًا خاصًّا متميِّزًا

تصير الأنانيّة قاتلة، إذ التّحدّث عن النّفس وإعطائها مكانة لا تستحقّها، طريق متعرّج سرعان ما ينكشف عيبه وتظهر حقيقته؛ الأنانيّة التي تعيش على طموحات الآخرين، والسّيطرة عليهم بشكل أو بآخر لن تدوم، والأسوأ إيمان تلك الأنانيّة بهذا اللّغو الفارغ.

من هذا القبيل، فتقدير الذّات المفرِط قمّة الأنانية، "فالأنا" تَستمتِع بمديح النّفس، وإقناعها بما تسمعه ويُقال لها، فيصير مثل هؤلاء الأشخاص «معتادين على أن تكون لديهم مشاعر طيّبة اتّجاه أنفسهم إلى حدّ يسمح لهم بخداع أنفسهم وجعلها تصدّق أنّهم ينجزون أشياء عظيمة، حتّى عندما لا ينجزون شيئًا»(12)، إلى حدّ يمكن القول: أنّها نرجسيّة مَرَضِيّة، بحيث إذا حدث لهذا النّوع شيء ممتاز، فإنّه مترتّب عن إنجاز مذهل حقّقوه، وإذا صار لهم شيء رديء فالسّبب، بحسبهم، شخص يغار منهم يحاول الاستخفاف من شأنهم؛ فتقدير الذّات الحقيقيّ يأتي من تقييم الأعمال السِّلبيّة دون الاختباء وراء نجاحات وهميّة.

وعليه، لا توجد مشاكل بدون حلّ، وإذا فكَّرَ الشّخص، واستساغَ الفكرة شَعُرَ بالتّعاسة والعجز قطعًا، ولمواجهة المشاكل لا يجب أن تكون استثنائيًّا حتّى تفعل، بل العكس تمامًا، فالذين لم ينساقوا وراء التّفرّد كانوا مِن أنجح النّاس، لا لشيء سوى أنّهم كانوا يفكّرون في إنماء أنفسهم وتطويرها، وهو فكر ضدّ الشّعور السّابق ذكره للأنانيّة والعَظَمَة الزّائدة.

رابعًا: قيمة المعاناة

ليس كلّ شيء مِن صُنع الحياة، بل صنع أيدينا أيضًا، فالمعاناة لابدّ منها، والألم لا مهرب منه، فَلِأَيِّ درجة يمكننا التّحمّل؟ افعل أيّ شيء تؤمن به، ولو كانت أغلب القرائن تدلّ على صعوبة إنجازه، ستكون سعيدًا حتمًا إذا أمضيتَ حياتك في فعل ما تريد وتختار، حتّى وإن اخترتَ معاناة، فستكون لها قيمة لأنّها من رغبتك وانتقائك، وتعني لك شيئًا.

في حين أنّ إدراك الذّات، وإدراك ما ستعاني لأجله مهمّ جدًّا في الحياة، وإن سيجعلك تقاسي آلامًا فظيعة، إلّا أنّك في النّهاية ستعرف قيمة معاناتك عندما تُحقِّقُ شيئًا ممّا تصبو له؛ إذ يشبِّه الكاتب إدراك الذّات بصورة قريبة لـ"نيتشه"، في تحطيم قشور الجسم لِيتكشَّف اللّب، ولكن كَبَصَلة تُزيل قشورها، عند كلّ مرّة تذرف دموعًا تزيد حدّتها كلّما واصلتَ النّزع، فيقول: «إن الاستجواب الصّادق للنّفس أمر صعب. وهو يستلزم أن تطرح على نفسك أسئلة لا تريحك الإجابة عليها. وبحسب تجربتي، فإنّ احتمال أن تكون تلك الإجابات حقيقيّة صادقة، يزداد كلّما كانت الأسئلة غير مريحة لأصحابها»(13).

بَيْد أنّ تغيير النّظرة للمشكلات التي تواجه الإنسان نفسه، يستوجب تغيير ما يُعتبَر ذا قيمة وبه يُقاس النّجاح أو الفشل؛ فأداة القياس أو معيار القياس هو الشّيء الأهمّ، إذ «تُحَدِّدُ قيَمنا المقاييس التي نقيس بها أنفسنا، والتي نقيس بها الآخرين أيضًا»(14).

بينما توجد قِيَم تخلق مشكلات: كمشكلة قِيمة المُتعة، مثلًا في الإدمان والأكل، بحيث المتعة تكون سهلة الوصول وسريعة الاندثار، إذ السّعادة نتاج المتعة، ولا تخلق المتعة السّعادة؛ وكمشكلة قِيمة النّجاح المادّي التي تُحدّد قيمة الإنسان باعتبار ما يَمْلِك، وليس في كيفيّة الحصول على الأموال والمحافظة عليها؛ ثمّ مشكلة قِيمة اعتبار نفسك دائمًا على صواب، والذي يفكّر بهذه الطّريقة تكثر أخطاؤه لانغلاقه على نفسه، ولا يستفيد من تجارب الحياة الجديدة؛ وأخيرًا مشكلة قِيمة الحرص على الإيجابيّة في الأشياء كلّها مهما كانت، فهذا تصرّف سلبيّ يكبح جماح الإنسان للتّطور، وتبديل مجموعة أشياء عديمة النّفع في حياته.

خامسًا: أنتَ في حالة اختيار دائم

لا شكّ أنّ الاختيار، حتّى بين المشاكل التي تحصل للإنسان، له أهمّيّة قصوى، بحيث، يستطيع كلّ واحد مواجهة المشكلات التي يكون سببًا فيها بمحض إرادته مواجهة إيجابيّة إلى أبعد المدى، في حين يعجز تحمّل المعاناة نفسها إذا كانت المشاكل مفروضة عليه فرضًا، إذ «هنالك لحظة إدراك بسيطة ينبعث منها كلّ ما يحقّقه المرء من تقدّم وتطوّر ذاتيّ. إنّها لحظة ندرك فيها أنّنا، نحن الأفراد، مسؤولون عن كلّ شيء في حياتنا بصرف النّظر عن الظّروف الخارجيّة المحيطة بنا»(15).

بشكل عامّ، لا يتحكّم الإنسان في القَدَر والأحداث، ولكنّه يستطيع التّحكّم في طريقة تعامله مع ما يقع، وكيفيّة استجابته له مهما كانت الوقائع تظهر تافهة؛ بما يقتاده إلى فَهْم أنّه في موقف اختيار دائم ومستمّر، وفي السّياق نفسه لا يجب اختيار ما تراه سلبيًّا بالنّسبة لك وتَبْني عليه حُكمًا، فقد يكون أكثر إيجابيّة للآخر والعكس صحيح، وبالتّالي وَجبَ تحديد المنطلقات بمنهجيّة للوصول إلى نتائج، وإلّا كان الفشل هو النّتيجة دائمًا مهما حاول الإنسان وفعل، فـ«قد تقع اللّائمة على أشخاص كثيرين في أنّك غير سعيد، لكن ما من أحد مسؤول عن عدم سعادتك إلّا أنت. هذا لأنّك أنت الذي يستطيع دائمًا أن يختار كيف ينظر إلى الأمور، وكيف يستجيب لها وكيف يُقيِّمها. إنّ عليك دائما أن تختار المقياس الذي تقيس به تجاربك»(16)، بينما الشّخص الذي يستجيب بلاعقلانيّة لما يقع له يُلحق الأذى، بعد ذلك، بِقُدرته على الفعل في الحياة.

سادسًا: أنتَ مخطئ في كلّ شيء وأنا كذلك

جدير بالذّكْرِ، أنّ وجود المُكَذِّبات في الحياة دليل نموّ وتطوّر ونتيجة كون الشّخص صائبًا في رأيه، حتّى يأتي مَن أقوى نظريّة يتجاوزه، ثمّ يجد مُكَذِّبًا هو الآخر وهكذا، فـ«قيَمنا هي فرضيّاتنا: هذا السّلوك جيّد، وهو هامّ. أمّا ذلك السّلوك فهو ليس كذلك. وأمّا أفعالنا فهي تجارب كما في العِلم؛ كما أنّ أنماط المشاعر والانفعالات والأفكار النّاتجة فهي البيانات التي نحصل عليها»(17).

ليس هذا فقطّ، فالعقل البشريّ يمكنه اختراع بعض اللّغو، ثمّ يُصَدِّقُه ويعتبره حقيقة، وهذا موجود فعلًا في الحياة، وله سلبيّات أكثر ممّا نظنّ، «وقد اتّضح أنّنا ماهرون حقًّا في هذا الأمر، ماهرون كلّنا»(18)، فالإنسان يتمسّك غالبًا بالمعنى الذي أوجده لنفسه في تفسير أو تقييم أو تحليل شيء ما، وينحاز له، ولا يرغب أبدًا في التّخلي عنه؛ بالتّالي فكثير من معتقداتنا خاطئة، وذكرياتنا غير مُؤْتَمَنَة، ما يستلزم الشّكّ في أنفسنا وفرضيّاتنا، وإعادة تقييمها على نحو صائب. 

بحيث يظلّ الشّخص نفسه آخِرَ مَن يرى تصرّفاته ويَحْكُم عليها، وتبقى هذه الميزة ممنوحة للمحيطين به أكثر منه، لذا وجب على الإنسان خلخلة ثقته العمياء في أحكامه المسبقة الصّحيحة، بحسبه، دائمًا على شخصيّته، وكأنّها غير قابلة للمسّ.

ناهيك عمّا لِقُدرة التّفكير في أشياء مختلفة عنّا تمامًا، وقدرة الحُكم عليها، وتقييمها دون التّأثّر بأيّ منها، يعتبر شيئًا إيجابيًّا لدى العقل الإنسانيّ، «ولعلّ هذه هي المهارة المركزيّة اللّازمة مِن أجل قيام المرء بتغيير حياته على نحو له معنى»(19).

سابعًا: الفشل طريق التّقدّم

يبقى مفهوم الفشل مفهومًا نسبيًّا، فما يكون فَشَلًا عند البعض يكون نجاحًا عند البعض الآخر، لذا لا يجب الحُكم على أنفسنا انطلاقًا من مقارنة مع آخرين، لهم أسبابهم ومشاكلهم تختلف كليًّا أو جزئيًّا عنّا، وإذا أصرّ الإنسان على هذه المقارنة، فسوف يظلّ «قلقًا لأنّ الفشل يتحدّد بنسبة مائة بالمائة من خلال الأشخاص الآخرين، وليس من خلال أفعالي أنا، لأنّني لا أستطيع التّحكّم بهم ولا بأفعالهم، وبالتّالي تكون قيمتي الذّاتيّة تحت رحمة أحكام الآخرين وقراراتهم»(20).

ومن هنا، يصبح لزامًا على الفرد اختيار مقياس يستطيع التّحكّم بمكوّناته، بحيث تكون قيمته الذّاتيّة كإنسان مبنيّة على سلوكه وأفعاله شخصيًّا. فتصير عمليّة تحديد الأهداف التي يسعى ذاك الإنسان تحقيقها أكثر انتقائيّة، مِن كونها شراء بيت على ضفّة نهر أو سيّارة فارهة قلّ نظيرها، إلى تحقيق أهداف طويلة المدى أكثر اتّزانًا وعقلانيّة.

غالبًا ما يظلّ الألم جزء من هاته الرّحلة، وهو متلازم مع الفشل، إلّا أنّ الأهمّ كونهما الأساس الذي يمكن التّوكُّؤُ عليه والاستناد، لتحقيق دفعة هائلة للأمام، «وذلك أنّ أهمّ منجزات كثير منّا، وأشدّها إثارة لاعتزازنا، تحقّقت في مواجهة أشدّ الصّعوبات. غالبًا ما يجعلنا ألمنا أكثر قوّة، وأكثر مرونة، وأكثر رسوخًا»(21)، فتصير أهمّ الإيجابيّات في حياتنا نتائج لأسوأ لحظات فيها، ويصير الفعل المبنيّ على الرّغبة في التّقدّم، لا يُخيف من الفشل أبدًا، فقط افعل شيئًا لمقاومته.

ثامنًا: أهمّية قول "لا"

يمكن القول أنّ الحرّيّة المُطْلقة لا تحتوي على شيء ذي معنى، لذا كان ضروريًّا رفض بعض الخيارات هو السّبيل لتحقيق معنى مُعَيّن، واكتشاف المرء أهمّية حياته؛ إذ اللّطف الزّائد والزّائف لا فائدة منه، ويشبه النّفاق إلى حدّ ما، فــ«صارت المظاهر، والقدرة على التّرويج أكثر طرق التّعبير فائدة، وصارت المعرفة السّطحيّة بعدد كبير من النّاس، أكثر فائدة من معرفة عدد محدود من النّاس معرفة وثيقة»(22)، فأصبحت الابتسامة والرّفق والتّهذيب مع أشخاص لا ترغب في التّصرّف معهم هكذا فعلًا واجبًا، وأصبح الكذب لتتّفق مع شخص أو مع آخر مفروضًا، رغم أنّك لا تتفاهم معه في الواقع؛ وكأنّنا أمام نوع ممتاز مِن الخداع الملفوف بنوع فاخر من الكذب المستساغ.

غير أنّ الرّفض في هكذا مواقف يجعل الحياة أفضل، بمعنى أن نتعلّم الرّفض لتصير حياتنا ذات معنى وقِيمة، حياة ذات غاية، والتّنازل عن هذا المبدأ لحظة من اللّحظات دليل انعدام الهوّيّة، والعيش من غير قِيم، فـ «الرّفض مهارة من مهارات الحياة. إنّها مهارة هامّة، بل حاسمة الأهمّيّة»(23)، إذ يجب تقبّل الرّفض ويجب امتلاك القدرة على قوله وفعله؛ وتكون النّتيجة الصّحيحة، أن يتحمّل كلّ طرف مشكلاته بنفسه حتّى يكون رضى كلّ منهما تجاه الآخر إيجابيًّا وقويًّا.

تاسعًا: وبعد ذلك تموت

إنّ تجنّب ما يؤلم ويزعج، دليل على تجنّب عيش الحياة، لكن الرّواقيين(24) يصرّون دائمًا على تذكّر الموت رغم آلامه، لا لشيء سوى للاحتفاء بالحياة أكثر وإدراك قيمتها. فالاتّعاظ بالموت ضروريّ لكونه يخيف الإنسان، ويتجنّب الحديث أو التّفكير فيه، حتّى وإن اعترى أقرب النّاس منه؛ بالمقابل يكون «الموت بطريقة غريبة، هو الضّوء الذي يُقاس به ظلّ معنى الحياة كلّه. ولولا وجود الموت، لبدا لنا كلّ شيء معدوم الأهمّيّة ولَصارت القيَم والمقاييس كلّها صفرًا»(25)، ومع أنّ الموت قاس، لكنّه يبقى واقعًا محتومًا.

فكان جيّدًا مواجهة الفكرة مرارًا وتكرارًا، لأنّها ستُزيل الأشياء التّافهة مِن حياتنا، وتضعنا أمام الحقيقة المُطْلَقة: ماذا ستكون ذِكراك بعد موتك؟ وبماذا ستُسهم في مسار الإنسانيّة الطّويل بعد فنائك؟

 

الإحالات والهوامش:

(1) فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف، مارك مانسون، ترجمة الحارث النبهان، منشورات الرمل، ط1/2018م.

(2) نفسه، ص:11.

(3) مفهوم الباراديم ابتكره العالِم الأمريكيّ طوماس كون (1922-1996م)، يدلّ على النّموذج الموجِّه، أي الإطار النّظريّ والأساس الذي يسمح بطرح المشكلات، وطُرق حلّها عند مُتَّحَد عِلميّ ما. فلا يمكِن للعالِم التّفكير خارج الإطار المتّفق عليه سلفاً، حتّى يظهر نموذجاً آخر يحلّ محلّ القديم، وهكذا.

(4) فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف، مارك مانسون، ص:13.

(5) نفسه، والصفحة.

(6) نفسه، ص:16.

(7) نفسه، ص:20-21.

(8) نفسه، ص:23.

(9) أفول الأصنام، فريدريك نيتشه، ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشّرق، ط1/1996م، ص:14.

(10) فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف، مارك مانسون، ص:39.

(11) نفسه، ص:45.

(12) نفسه، ص:64-65.

(13) نفسه، ص:99.

(14) نفسه، ص:105.

(15) نفسه، ص:124-125.

(16) نفسه، ص:130.

(17) نفسه، ص:152.

(18) نفسه، ص:157.

(19) نفسه، ص:182.

(20) نفسه، ص:193.

(21) نفسه، ص:196.

(22) نفسه، ص:216.

(23) نفسه، ص:219.

(24) جاءت الفلسفة الرّواقية، مع مؤسّسها زينو القبرصي ق4ق.م، مناقضة لفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، فقد أقام هؤلاء فلسفتهم على أساس البحث النّظري، أما الرواقيون فلم يأبهوا بالآراء النظرية(...)، إلا بمقدار ما تكون سبيلاً إلى الجانب العملي من الحياة، فليست الفلسفة عندهم أن يتقصى الإنسان بنظره الأرض والسماء ثم يقف عند هذا الحد لا يعدوه، إنما هي فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية. ينظر: قصة الفلسفة اليونانية، زكي نجيب محمود وأحمد أمين، مؤسسة هنداوي، ط2/2018م، ص:181.

(25) فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف، مارك مانسون، ص:248.


عدد القراء: 1153

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-