ملامح من فنون القتل والتَّعذيب عند الشُّعوبالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-09-30 06:48:13

محمد ياسر منصور

موسكو

يُعتبر القتل والتعذيب ومُمارسة الوَحشيَّة والعُنف على أفراد المجتمعات من أَهوَل العقوبات وأفظَعها. فهو آفة خَطيرة تتفشَّى في أوصال العالَم، وتدعوه إلى مُعالجة آثارها. وقد كانت فترة العصور الوسطى في أوروبا من أشدّ الفترات الزمنية التي عَرَفتها البشرية تعطّشًا لِسَفك الدماء ومُمارسة أساليب غريبة في فُنون القتل والتعذيب تتَّسم بالرُّعب والوحشيَّة.

وكان القتلُ والتعذيب ينال من كلّ الناس، فقد تَعرَّض له المُلوك والمَلكات، والأُمراء والأميرات، والنُّبلاء والثوَّار، ورجال الدِّين من القَساوسة والكَهنة والرُّهبان...

كما كانت الحُروب فُرصة لِمُمارسة المَذابِح والتعذيب والتنكيل واغتصاب الضَّحايا من سكَّان المُدن أو القرى التي تتمّ مُهاجمتها. أمَّا غُرَف التعذيب في السُّجون فقد كانت مَسرحًا دراماتيكيًا لممارسة أبشع أنواع التعذيب التي عَرفَتها البشرية, حيث تظهر مختلف المُبتكَرات في أدوات التعذيب وأساليبه المختلفة. فقد استُخدمت بعض الأدوات والأساليب الغريبة الأطوار مثل المنشار الذي يعمل على قَطع جَسد الضحيِّة إلى نصفين، كما استُخدم الدولاب الذي يعمل على شَدّ الضحيِّة أثناء الدَّوران.

ويُعتبر حَرق الضحيِّة حَيَّة أو تَقطيع أوصالها أو صَلْبِها أو جَلدها أو رَجمها من الأساليب العاديِّة القديمة وليست مُبتكَرة وإنما هناك أساليب أخرى متطوِّرة مثل غَلي الضَحيِّة في إناء به ماء مَغلي، أو شَقّ بَطن الضحيِّة واستخراج أحشائها، أو شَدّ الضحيِّة بواسطة الخيول في اتجاهات مُتضادَّة أو سَحلِها. ومن أَبسَط الطرق للتعذيب هي التي يتم بها اقتلاع الأظافر أو الأسنان أو اقتلاع العيون أو الإغراق في الماء أو التعليق أو تكسير العظام. إلاَّ أنه من الأساليب الغريبة وَضع الضحيِّة بداخل جسم مَعدني على هيئة ثور ويتم شِواء الضحيِّة بداخله إلى أن يتصاعد الدُّخان في أنف الثَّور وهو بمثابة الفِرن لِلشِّواء، كذلك تمَّ استخدام الكرسي الهَرَمي بأن تُجلس عليه الضحيِّة إلى أن تخترق قمّة الكرسي الهَرمي جَسَد الضحيِّة.

ومِمَّا يُنقل عن العِبرانيين أنَّهم كانوا عَدا عن ضَرب العُنق الذي هو الواسطة البَديهيِّة في قَطع حَبل الحياة يستعملون الرَّجم والجَلد والحَرق والنَّشر أي التقطيع بالمنشار، وهذه الطريقة الأخيرة هي التي قُتِلَ بها النَّبي (يحيى) عليه السَّلام. وكان المصريون يزيدون على ذلك ضُروبًا أخرى أَفظعها ما كانوا يُعاقبون به من يقتل أحد أبويه فإنه كانوا يغرزون في كلِّ جِسمه قِطَعًا من القَصب فإذا صارَ كلّه عَلَقة من الدَّم وكادَ يلفظ آخر أنفاسه يرفعونه على حِزمٍ من الشَّوك ويحرقونه.

وكان الفُرس يسحقون المُجرم بين حَجرين عظيمين أو يَسلِخُون جِلده وهو حَيّ وربما طَمروه في الرَّماد حتى يموت تحته اختناقًا. وكانت لهم طريقة أخرى في العِقاب يجعلون المُجرم في صندوق يُخرجون منه رأسه ويديه ورجليه ويتركونه كذلك مدة خمسة عشر يومًا يُطعمونه ويسقونه تأخيرًا لِأَجَله ويَطلون وَجهه بِالعَسل لِيَحوم عليه الذُّباب والنَّمل والزنابير.

أمَّا اليونان فلم يُروَ عنهم غَير الشَّنق وضَرب العنق والقتل بالسُّم. وكان الرومان يُعاقِبون بِضَرب العُنق والصَّلب أو الجَلد. وكان أشدّ ما يُروى عنهم من الفَظائع أنهم كانوا يُلقون بأعدائِهم إلى السِّباع أو يُمزِّقون أجسادِهم أو يحرقونهم أحياء.

وهناك ضُروب أخرى منها أن تُشَدّ أطراف المُجرم إلى أربعة أَفراس يُخالَف بين كل اثنين منها ثم تُطرَد فيتمزَّق قِطَعًا، وربما جَذبوا غصنين من شجرتين وشُدَّ إلى كلٍ منها واحدة من رجليه ثم أرسلوهما فينقسم جسمه إلى شطرين. ومنها غَمس المُجرم في حفرة مملوءة من الحَمأة حتى يغيب فيها فيموت اختناقًا، وهي من طرق الجرمانيِّين. ومن جُملة ما كان يُستعمل عند الرُّوس ما يُسمُّونه بالكنوت (أو القنوط) وهو سُوط يُجمع فيه عدة سيور ضخمة من جِلد البَقر تُجدَل عند أصلها وتُترك أطرافها سائبة وتُجعل في كل طرف أسلاك مفتولة من الحديد فحيثما وقعت على جسم المُجرم سالَ منه الدم فلا تتكرَّر عليه خمس أو سِتّ ضربات حتى يصير الجسم كلَّه كأنه جراحة واحدة وفي أقلّ من اثنتي عشرة ضَربة تزهق رُوحه.

ومِمَّا يُروى عن أهل سومطرة أنهم كانوا إلى أواسط القرن الماضي يُقطِّعون المُجرِم حَيَّا ويأكلون لَحمه. وكان يُقضى بِه على خَمسة مُستحقّي العقوبة وهم: الزَّانية، والسَّارِق، والأَسير، والمُتزوِّج من عَشيرته، والمُغتال. وعند إنفاذ الحُكم يجتمع رجال القبيلة ويُؤتى بالمَحكوم عليه مشدودًا على سارية ويداه ممدودتان ثم يختار كل واحد من الحضور قطعة من جسده فيقطعها ويأكلها على المكان، فإذا فَرغوا كلّهم، نَهضَ زعيم الحَفلة فَقطَع الرأس وأكلَ الدِّماغ. وأشهر الأمم بهذه الفظائع أهل الصين فإنَّ عِندهم أكثر أنواع العقوبات المَذكورة وأشدُّها قَسوةً وتَعذيبًا. وعندهم نوع غَريب منها وهو أن يَملأوا المَحكوم عليه خَلاًّ بواسطة قِمع يجعلونه في فَمه حتى إذا امتلأ بَطنه وانتَفخ وَقعوا عليه بِالعِصيّ حتى يتقطَّع جلده ويموت.

وهناك نوع آخر اخترعه أحد مُلوكهم تَلهيةً لنسائه إذا ضَجِرنَ، وذلك أن يُؤتى بِبَرميل أو نَحوه من الحديد ويُملأ جَمرًا مُشتعلاً ثم يُعلَّق المُجرم فوقه حتى يُشوى.             

وحالات القَتل والتعذيب البَشِعَة التي تحصل في العديد من أرجاء العالم تستدعي الحَديث عن المُعذِّب والمُعذَّب.. عن الجَلاَّد والضَحيَّة.. ثم التطرُّق إلى الانعكاسات النَّفسيِّة على المُعذَّبين. فَالجلاَّد، إذا نَظرنا إليه من ناحية السُّلوك الشَّاذ، نَجِد أنَّه كائِن بَشري غير متوازن.. بل مَريض نَفسَاني.. يتلذَّذ بتعذيب الآخرين، ويُشبِع رَغباته بإحداث الألم عِندَهم، إمَّا عضويَّاً أو نفسيَّاً أو مَعنويًّا، وقد يصل الأَمر إلى حَدّ إسالة الدِّماء والقَتل.

أمَّا الضَحيَّة فإنَّ وَضعها يبدو أكثر إيلامًا، وخُصوصًا إذا كانت رَجُلاً بَريئًا.. فَهيَ ترى أن كرامَتها قد أُهينت، وأنَّ شَوكتها قد تحطَّمت بعد أن تعرَّضت لِلإذلال، لذا فإن هذه المسألة تتفاعل في نَفسها، لِتدخل عالَم الكَبت، طالما أنها لا تستطيع التصريح بها، خَوفًا من إذلالٍ أكبر.

وهذه الرَّغبات أو النَّزوات أو الذكريات الأليمة التي يَكبُتها الفَرد، تُصبح في حَظيرة اللاَّشعور مُستقرَّة بدون حُدود زَمانيِّة أو مَكانيِّة، وتبقى متحرِّكة فيه لا تموت، تعمل في الخَفاء وتُلِحّ جاهدةً في الظُّهور. وقد يبدو أثرها في السُّلوك الظاهري بصورة صريحة كبعض فَلتات اللسان أو زلاَّت القَلم، أو صورة الأحلام الرمزية، أو بصورة شاذِّة كأعراض الأمراض النفسيِّة واضطرابات الشخصيِّة والانحرافات الخُلقيِّة والمَشاكل السلوكيِّة.

وإذا كانت النفس البشرية سرًّا كبيرًا، يجب أن يسير بطريقة لا تُصيبه بِالخَلَل، فإن التعذيب يأتي لِيُحطِّم هذا التوازن، ويخلق عدة نتائج لا تُصيب الضَحيَّة فَقط بالضَّرر، بل تمتدّ سلبياتها لِتَطال المجتمع، لأن رَدّة الفِعل المُعاكِسة للتعذيب تنقسم إلى قسمين: العُدوان والانزواء، فَفي بعض حالات التعذيب تَتحوَّل الضَحيَّة إلى ذِئب شَرِس، يَفتُك بالآخرين رَغبَةً بالانتقام.. وفي حالات أخرى يبتعِد المُعذَّب عن الأجواء المُحيطة به، ويتَّخذ منها مَوقِفًا سَلبيًّا، مَخافَة أن يُعذَّب من جَديد، لأنه يرى في كل إنسان يمرّ بِالقرب منه جَلاَّدًا جديدًا.

 

المراجع المعتمدة:

1 - علم نفس الإرهاب، محمود خوالدة، دار الشرق (2005).

2 - علم النفس الاجتماعي، د. محمود السيد أبو النيل، دار النهضة العربية، بيروت (1985).

3 - علم النفس المرضي، د. رياض العاسمي، الإدارة السياسية، دمشق (2001).

4 - المجرم تكوينًا وتقويمًا، رمسيس بهنام، منشأة المعارف، الاسكندرية (1983).

5 - مظاهر التعذيب وأصنافه في العصور الوسطى الأوروبية، د. عبدالله مشاري النفيسي، مجلة الكويت، العدد (343)، مايو (2012).


عدد القراء: 334

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-