سعيد الكفراوي.. حالة متفردة في السرد الروائيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:19:34

د. محمد خليل محمود

جمهورية مصر العربية-القاهرة

برحيل الكاتب والقاص "سعيد الكفراوي، في الرابع عشر من نوفمبر الماضي، فقدت الساحة الثقافية في مصر، والعالم العربي شخصية رائدة.. رائدة في عطائها، ورائدة في حكمتها.. ورائدة في أعمالها الروائية والأدبية والفكرية بصفة عامة. كان يعشق البساطة، وهو أديب ومفكر كبير، وهو من أنصار التجديد اللغوي وخلق أسلوب جديد هو الأسلوب العملي في الأدب والحياة.

شكل الريف والقرية أهم تجليات أعماله، فكل ما كان يسعى إليه هو محاولة تأمل التجربة الإنسانية والإبداعية، وكيف تتم تحويلها إلى قصص، والتعرف على تلك المنطقة الغامضة من الخيال القروي المصري بكل تجلياته في الحكي والمأثورات، وإقامة علاقة فنية مع أهل القرى وأساطيرهم وحكاياتهم . وتم ترجمة الكثير من أعماله القصصية إلى الانجليزية والفرنسية والتركية والسويدية والدنمركية.

رحلته مع الكتابة:

وُلد "سعيد الكفراوي" في 1939م بقرية كفر حجازي التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية.

وقد خطط سعيد الكفراوي خطط لحياته منذ فجر شبابه، فقد كان اهتمامه منذ أيام طفولته موجها للأدب.. ولم يفكر في شيء إلا أن يكون أديبًا، وحتى وحينما تولى الوظائف، عاش فيها أديبًا، فقد كتب حوالي اثنتي عشرة مجموعة قصصية. وقضية سعيد الكفراوي مع الزمن.. ومع الوظيفة.. ومع القلم قضية شائقة تصور صورًا من التحدي لطفل وجد لشخصيته السبيل للتفتح والامتداد رغم الاستبعاد والظلم والخطوب. وبدأ كتابة القصة القصيرة منذ فترة الستينيات من القرن العشرين ليصبح أحد أعلامها ورائدًا من ألمع روادها. وكان قد بدأ الكتابة في عدد من المجلات مثل: "المجلة"، و"القصة"، و"الآداب" البيروتية، و"الأقلام" العراقية، وذلك منذ أواخر الستينيات من القرن العشرين.

ويُعَدّ سعيد الكفراوي كاتبًا دقيقًا لا يكتب قصصه في عجالة، ولكنه متأن في عمله، ونجد قصصه تؤهله للوقوف إلى جوار القصص العالمية، كما أنه يختار الموضوعات المميزة والتي تعد علامة من علامات التجديد في مجال القصة القصيرة.

بدأ كتابة القصة القصيرة منذ فترة الستينيات من القرن العشرين، ليصبح أحد أعلامها. وينتمي سعيد الكفراوي لجيل الذين سعوا لإنتاج كتابة تعبر عن هامش القرية والمدينة أمثال: (خيري شلبي، محمد مستجاب، يحيى الطاهر عبد الله، أمل دنقل، محمد البساطي، إبراهيم أصلان، صنع الله إبراهيم، ...وغيرهم) إنهم كانوا مثل وثبة مضادة ضد الثابت.

كان سعيد الكفراوي ضمن حلقات الكتابة التي تكونت في قصر ثقافة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، ومن أفرادها جابر عصفور، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد الصالح، والمنسي قنديل، وجابر النبي الحلو، وفريد أبو سعده وصنع الله إبراهيم، كما أنه كان من المشاركين في ندوة نجيب محفوظ الأسبوعية بمقهى ريش (1968-1974م).

وفى أخريات أيام حياته قصر نشاطه على الكتابة والتأليف.. استكمل كتابة مجموعاته القصصية: أولاها "مدينة الموت الجميل" وآخرها "مختارات قصصية" وترجمت بعض مجموعاته إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والدانمركية والعبرية.

رائد في السرد:

ويُعَدّ "سعيد الكفراوي" رائدًا وعلمًا من الأعلام الذين حفروا اسمًا كبيرًا في السرد الروائي، وأجادوا فن كتابة القصة القصيرة في مصر والوطن العربي، كان ملمًا بأطوار الحياة والممات معًا، عرفهما في أصغر الدقائق وخبرهما في أعمق التفاصيل، فمنذ فجر شبابه تحدى النوازع البشرية في مكانها، ومن ملاصقته وخبرته للحياة الاجتماعية صاحب الإنسان في تقلباته ونكساته وطموحاته فجعلته محور كتاباته ومعقد تأليفه ومن هنا جاءت روايته "مدينة الموت الجميل".

وكما أن لكل قاص تجربته الخاصة التي تنتج عنها آراؤه، فقد أثرت كل من القرية والمدينة في الكتابة القصصية عنده. وكل ما سعى إليه هو محاولة تأمل تلك التجربة الإنسانية والإبداعية، وكيف تم تحويلها إلى قصص، والتعرف على تلك المنطقة الغامضة من الخيال القروي المصري بكل تجلياته في الحكي والمأثور وإرث الطفولة، وإقامة علاقات فنية مع أهل الهامش من أهل القرى وأساطيرهم وحكاياتهم وإحساسهم تجاه الزمن ومعرفتهم بأنماط السلوك والدوافع ونظرتهم إلى قهر السادة، فعلاقة القرية علاقة وثيقة وقوية، وهى المصدر الأساسي والحيز الأكبر في كتاباته إلى جانب كتابته عن المدينة، والتي تعد مادة مكملة لمشروع الكتابة عن القرية.

وقد اعتبر سعيد الكفراوي أداة من أدوات التعبير الإنساني، فمنذ وجود الإنسان وجد هذا العنصر، فهو حاضر في اللغة المكتوبة، وفى اللغة الشفوية، وفى لغة الإشارات والرسم والتاريخ وفى كل ما نقرؤه ونسمعه سواء كان كلامًا عاديًا أو فنيًا، فهو بذلك عام ومتنوع، ومنه انحدرت الأجناس الأدبية المعروفة قديمًا وحديثًا، كالأساطير والخرافات والقصص والروايات، ولكل إنسان في الحياة طريقة في الحكي، ومن ثم كان الرصيد المتراكم من السرد عبر التاريخ يعد بالملايين، فمنها ما هو مدون ومنه ما تناقلناه عبر المشافهة، ومنه ما ضاع لعدم تدوينه والمحافظة عليه.

ويرى بعض النقاد أن هناك ثلاث تيمات تدور حولها قصص "سعيد الكفراوي": الطفولة والموت والوحدة، كما تتسم كتاباته بالتفاعل بين الأضداد: الريف والمدينة (وإن كانت الحدود الحضارية بينهما قد أخذت تتهاوى في بعض قصصه الأخيرة) والشعري والحيادي في الأسلوب، والرصدي في الرؤية، ومواجهة الموت والانغماس في الحياة.

ومما مَيّز سعيد الكفراوي في كل ما كتب، أنه أحب الإنسان في كل عصر، لأنه رمز للمضي وللإصرار والحلم أيضًا.. رَمَزَ "سعيد الكفراوي" لعصر الإنسان ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً.. رسم آلام الكثيرين وطموحاتهم وترفعاتهم وزيفهم بعين عليا، ترى وتتحدث عما تراه... ولا شك أن الأجيال المتابعة لأعماله الفكرية ولنمو تطور مجتمعاتنا العربية سترى نفسها في نتاجات "سعيد الكفراوي" بأوضح مما تعرف نفسها، وهذا نتيجة الرؤى الواضحة لـ"سعيد الكفراوي" فقد خبر الحياة، وأغوارها لأنه كان ينظر بـ"عين عليا" نظرة إلى الحي المتحرك.

ومن الملاحظ أن "سعيد الكفراوي" كان يقيم –دومًا- عالمه القصصي على الحدوتة أو الحكاية، التي يقوم الكاتب بسردها، فقصصه غنية دومًا بذلك القوام الذي يلقى بها في جانب القصص التقليدية، لكن ربما ما ساعد قصص "سعيد الكفراوي" على تجاوز تلك التقليدية، هو الرؤية الفنية للكاتب، والتي لا يليها الكاتب اهتمامًا يتساوى مع اهتمامه بالحكاية وتفاصيلها الدقيقة، مع استرسال في الوصف للمكان والزمان، وهو ما عنى "سعيد الكفراوي" دومًا بإيضاحه في قصصه المختلفة. كما اهتم "سعيد الكفراوي" –رغم اعتنائه بتفاصيل الحدوتة في القصة- بنوع من التجديد في البناء، وهو ما جعله يستخدم أسلوب المونتاج السينمائي في بعض القصص، أو كما يقوم به كاتب السيناريو مستفيدًا بذلك في كيفية بناء الفيلم، مؤكدًا بذلك على العلاقة بين الفنون المختلفة، وكيفية استفادة فن من فن آخر.

كانت كتابات "سعيد الكفراوي" صورة لتجربة سياسية واجتماعية وإنسانية، استحقت الوقوف عندها، وقد نجح في إبداع نصوصه التي تطابقت فيها مكونات الخطاب مع المغزى والمقصد الذي سعى إلى إيصاله للقارئ، فهو من الكتاب الذين لهم طابع خاص في الكتابة التي استطاع فيها الاقتراب من واقع الناس وحياتهم وأفكارهم وطبيعة حياتهم عن قرب.

لقد أضاف "سعيد الكفراوي" للكتابة في القصة القصيرة، اكتشاف تلك المناطق الغامضة المأسورة بالحلم وأثبت الماضي باعتباره أصدق الأزمنة حيث يذهب الحاضر والمستقبل إليه، ومن خلال هذا الزمن المتداخل يعبر عن أهل القرى أولئك الذين يعضهم الحنين مرة للموت، ومرة للحياة.

 


عدد القراء: 270

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-