إرنسـت هيمنغواي وحياة الشجاعة والتجارب والألمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:25:06

رقية نبيل عبيد

الرياض

إرنست هيمنغواي لهو أشهر كاتب للقصص الأمريكي، الكاتب الذي حاز على جائزة نوبل وأبهر نقاد العالم بأدبه ونفخ في القصص روحًا جديدة كانت قد وئدت من قبله وخاض ثلاثة حروب جرح فيها كلها وتزوج أربع مرات وعشق ألف مرة، الكاتب الذي ترك لنا "لمن تقرع الأجراس"، "وداعًا للسلاح"، "العجوز والبحر"، "ثم تشرق الشمس" وغيرها.

ومن يقرأ وداعًا للسلاح يدرك بغير جهد على الفور أن المتحدث في القصة لهو إرنست هيمنغواي نفسه، وكل ما زدت تعمقًا في أحداثها شعرتُ أنه لا بُعد حقيقي لهذه القصة، وكأنك لا تدري إلى أين سيصل بك كاتبها، فالهدف الذي من المفترض أن البطل يسعى خلفه وينتظره القارئ وإياه سوية يكاد يكون غير موجود!

وهناك شيء آخر وهي المشاعر أو العواطف الناضبة من بين الصفحات، فالبطل مهزوزة رؤاه محبوسة عواطفه، نعلم أنه يكره الحرب لأنها تزهق أرواح الملايين لكنه يؤيدها بغير حماس لها، هي فقط ضرورة وهي فقط موجودة وواقعة وتدور رحاها الآن لهذا من غير المجدي الحديث عن تأييدها من عدمه، وهذا ما يحدث عادة لأي نتاج مبكر للكاتب حيث يكون ببساطة عنه هو وعن شيء رآه وأحسه بنفسه وعن بيئة عاش فيها لزمن أو لوقت محدود من زمنه لأن قريحته تكون في أول مشوارها لم تزل ولا تسعفه بهذا الخيال الخصب الذي نراه يتشكل على مهل فيه ويأتي لاحقًا متدفقًا ليبهرنا بعمل فريد رائع، وهكذا ولدت روايتاه الخالدتان لمن تقرع الأجراس والعجوز والبحر ومئات القصص القصيرة التي صنفت كأعظم الأعمال القصصية على الإطلاق وصنعت له سمعة أدبية ذائعة الصيت لا تضاهى.

في حين أن وداعًا للسلاح هي الرواية الأولى التي تلقى رواجًا كبيرًا للكاتب الأمريكي الشهير إرنست هيمنغواي، ويحكي فيها على لسان بطله أحداث اشتراكه في قيادة عربة الإسعاف إبان الحرب العالمية الأولى، وقد كان بعد صبيًا لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره، ويقع الصبي فريدريك هنري بطل الرواية في غرام الممرضة الإيطالية الشقراء الجميلة كاثرين بيركلي كما قد وقع هيمنغواي نفسه في حب الممرضة أغنيس فون أثناء تشافيه من إصابة شديدة ألمت به إثر انفجار قنبلة بجواره، وشكلت قصة حبهما فيما بعد أولى زيجاته الأربع، ولا عجب حينما تجد أجواء الحرب وقصف المدافع وأزيز الرصاص ووصف ساحات المعركة ورتب قادة للجيش والحوارات الدائرة بين أفرادها والبيوت التي سكنها الضباط دقيقًا إلى أبعد حد، فهيمنغواي كاتب بارع وهو هنا ما كان يكتب إلا ما عاشه وواقعه بعينه، وتبقى الطبيعة الساحرة جزءًا أساسيًا في قصصه مبينة مدى تأثره بها وبتعاقب فصولها.

حينما قرأتُ روايته الأروع لمن تقرع الأجراس شعرت أن هيمنجواي هنا خلق من بطله وروبرت جوردان رجل أحلامه، الرجل الذي أراد من كل قلبه أن يكونه لا ما هو عليه بالفعل، إن شجاعة روبرت لا مثيل لها وأخلاقه لا تشوبها شائبة وتضحياته حاضرة دائمًا في مقدمة أولوياته وهدفه واضح محدد وفائدته لمن يقاتل لأجلهم عظيمة، على النقيض تمامًا من فريدريك بطل وداعًا للسلاح حيث كان يخوض الحرب على غير رغبة في اشتراك حقيقي في معمعتها وأذاها، وكتب هيمنجواي فيما بعد عن الحادثة التي أصيب بها أنه ظنّ لسذاجته وحداثة سنه أن الموت لن يطاله في الحرب وأنه يأخذ غيره دونه، حتى دوى الانفجار بجانبه ووجد ثمانية وعشرين شظية في ساقيه، كما أن روبرت عانى مما عانى منه هيمنجواي وهو الأب المُنتحر، لكن روبرت ظل في رفض دائم لفكرة الانتحار ومبغض لها ولوالده الذي نعته بالجبان في غير مرة ورفض حتى أن يطلق على المرأة التي أنجبته باسم "أمي" لكنه أحب جده الذي كان قد خاض الحرب الأهلية الأمريكية من قبله كما يخوض هو الحرب الأهلية الإسبانية المشتعلة آنذاك، وحتى عندما هُشمت فخذه تحت الحصان الصريع رفض روبرت اقتراح من زميله بأن يطلق عليه النار ليريحه قبل أن يرحلوا عنه ويتركوه هدفًا لقوافل العدو التي ستمر به بعد قليل، وفضل أن يمكث منتظرًا يصغي إلى أصوات الغابة لآخر مرة وبندقيته فيّ وضع الاستعداد ليقتل من العدو ما استطاع تاركًا مهمة رحيله عن هذا العالم بين أيديهم.

لكن هيمنغواي لم يستطع أن يرحل بنفس ثبات وشهامة وشجاعة روبرت ومات منتحرًا هو الآخر كما رحل بذات الميتة أبوه الذي لطالما احتقره لأجلها من قبله، والغريب أنه برغم الاختلاف التام بين حياتيهما إلا أن الظروف التي ألمت بهما قبيل وفاتهما كانت متشابهة إلى حد كبير، وسواء كان سبب تفضيلهما للانتحار كطريقة سريعة لمغادرة الحياة يعود إلى المرض الذي اكتُشف أن كليهما وكلا شقيقي هيمنغواي واللذين انتحرا أيضًا مصابون به أم بسبب تدهور صحة هيمنجواي النفسية والجسدية إلى حد فظيع وقتها فإن النتيجة كانت دومًا في حالتهم نتيجة حزينة ومؤسفة للغاية.

غير أن هيمنجواي الشاب والرجل خلال حياته امتلك شجاعة خلاقة ونادرة وشارك في الحربين العالميتين إلى جانب الحرب الإسبانية الأهلية كقائد لعربات الإسعاف ومراسلًا على خط النار في المرتين الأخيرتين وكان يعد متطوعًا فريدًا حيث يقترب من الطلق الناري والقنابل ويشارك الجنود الاختباء في خنادقهم وقلمه حاضرًا يصف بدقة وبراعة عمليات الإنزال والتقدم والتقهقر والدماء والأشلاء التي تتطاير في كل مكان، لهذا جاءت صورة الحرب في كل رواياته فظيعة التأثير وواقعية وحية بطريقة أكاد أجدها مفزعة! وقد تعرض هيمنغواي لسلسلة طويلة من الحوادث التي كانت تلم به متلاحقة تترا، وجرب تقريبًا كل أنواع الآلام الناتجة عن الشظايا والكسور والنزيف وصدمات الرأس والرضوض فضلًا عن الأمراض التي اعتل بها جسده، واختبر شتى أنواع العلاج كان آخرها ثلاث جلسات للعلاج بالصدمة الكهربائية، كل ذلك وغيره قاد إلى صباح مشرق في الثاني من يوليو عام 1961 حيث أمسك إرنست هيمنغواي ببندقيته المفضلة للصيد وأطلق النار منها على نفسه متعمدًا في بهو المدخل الأمامي لمنزله.

حين تقرأ في قصة حياته التي ترجمت إلى عشرات الكتب من السير الذاتية تتخيل أن هذا الرجل خلال الواحد والستين عامًا التي عاشها قد اختزل عدة حيوات في عمر واحد وذاق تجارب عديدة متنوعة قد لا يعرف ذو السبعين أو الثمانين عامًا عنها أي شيء، وكأنه كان يحاول أن يلتهم أكبر قدر ممكن من الجِدة والحداثة ودرجات الاندهاش وصنوف الكوارث من الحياة، قبل أن يقرر باختياره أنه قد اكتفى منها وأنها لا تستحق أن تُعاش.


عدد القراء: 339

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-