العتبات النَّصِّيَّة لكتاب: «أُنْسُ المَسْجُونِ وَرَاحَةُ المَحْزُونِ، لصَفِيّ الدِّين الحَلَبِيّ»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-02 07:58:45

مشاعل عمر بن جحلان

باحثة دكتوراه، جامعة الملك عبد العزيز- جدة

(2-1) التعريف بالكتاب:

كتاب "أُنس المسجون وراحة المحزون" من كتب القرن السَّادس الهجريّ، تأليف صِفيّ الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحَلَبيّ، وهو أديب مغمور، لا تُعرف له سنة وفاة، غير أنَّ المصادر تُثبت أنَّه كان حيًّا عام (625هـ). ويأتي هذا الكتاب باعتباره "أول كتاب يُفرد في عنوانه (السجن) ويجعل منه علامة يتوقف عندها"(1) فهو كتابٌ فريدٌ في موضوعه، يُصنَّف من كتب الأدب العامَّة، مُخصصٌ للمسجونين، وأحوالهم، ويقع في تسعة فصول، كلُّ فصلٍ يحوي شِعرًا، ونثرًا، وأخبارًا أدبيَّةً، وقد بلغ مجموع النُّصوص في الفصول التِّسعة كلّها ستمائة وستة وأربعون نصًّا.

وأصل مخطوطة الكتاب محفوظة في المتحف البريطاني برقم (19534)، في إحدى وسبعين ورقة، بخط النَّسخ مع الشَّكل والتَّنقيط، وقد تمّ نسخها في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة (889هـ) على يد أويس بن خليل بن علي المحمدي الأوبراتي. ثم كانت النُّسخة الثَّانية منها -والمُعتمدة في هذه الدِّراسة- على يد محمد أديب الجادر، بإشراف مطبعة دار صادر ببيروت، عام (1997)، وتقع هذه النسخة في مئتين وثلاث وتسعين صفحة، مبدوءة بمقدمة التحقيق، ثم التَّعريف بالكاتب، وهو تعريف يتقصَّى بجهد أي دلائل على حياة الأديب من خلال تتبع الإشارات الزَّمانيَّة والأشخاص المذكورين في محتوى الكتاب، ثم تعريف بالكتاب، ومكانته، وتقسيماته، يليه وصف للمخطوطة الأصليَّة، مع إرفاق ثلاث صُور من تلك المخطوطة (سيتم دراستها بالتفصيل فيما بعد)، وهي:

- صُورة صفحة العنوان،

- وصُورة الصَّفحة الأولى من المخطوطة،

- وصُورة الصَّفحة الأخيرة من المخطوطة،

يلي ذلك الكتاب مُحققًا كاملًا؛ ابتداء من مقدمة مؤلفة حتى تتابع سرد فصوله.

(2-2) الجانب التطبيقي:

موضوع الكتاب وعنوانه:

يرتبط موضوع الكتاب ارتباطًا وثيقًا بفكرة الحِجاج، فإدخال السَّجين إلى السِّجن يقتضي جمع الأدلة والبراهين، وعرض المُحاججات المنطقيَّة لإثبات جُرمه، وفي الوقت نفسه، يستوجب حال السَّجين الردّ بالمُحاججة المنطقيَّة لإثبات براءته، أو تخفيف حُكمه في حال كان مذنبًا، وهذان الطرفان النَّقيضان يُمثِّلان الخِطاب الحِجاجيّ في أشمل صُوره وأدقِّها.

من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ حال السَّجين يستدعي مُحاكمة اجتماعيَّة على النطاق الأخلاقيّ الأيديولوجيّ، فهو إضافة إلى عقوبة السجن يُعاني من عقوبة النبذ الاجتماعيَّ؛ الأمر الذي يقتضي منه التَّبرير ومحاولة إصلاح صُورته الاجتماعيَّة.

وعلى الصَّعيد النَّفسيّ للسجين، فإنَّ حياة السِّجن الصَّعبة والقاسية تجعله في حالةٍ من تأنيب الضَّمير والشُّعور بالذنب، ومراجعة الذَّات، فتنشأ صراعاتٌ داخليَّةٌ في نفس السَّجين قد تأتي بصُور الحِجاج بين الأنا الحقيقيَّة والأنا العليا (الضَّمير) المتعلقان بالفرد ذاته.

من هنا يُمكن القول بأن موضوع السِّجن وأحواله يعتمد بشكلٍ قويٍّ ومُباشر على الحِجاج، ويتكون بين أطراف مختلفة، كلَّها سلبية، حيث إن السِّجن هو مكان سلب الحُرِّيَّة، وتقييد مناشط الحياة، والحرمان من لقاء الأحبة، والمُعاقبة بالانفراد بعيدًا عن البشر؛ الأمر الذي يقتضي إضعاف السِّجين، وتهميشه، وكسر حدّة الشر بداخله، وتركه لمعاتبة النفس ومراجعتها، وكلّ هذه الأجواء مشحونة بالحزن، مشحوذة بمُرِّ الصبر، في حين تأتي عتبة عنوان الكتاب موازنة بين نقيضين:

وتكمن براعة العنوان في التَّقابل بين البُعدين المكانيّ والنَّفسيّ، فالسِّجن المكانيّ يقتضي الحزن النَّفسيّ، والعنوان هنا يُشكِّل مفارقة صادمة، إذ يُودِع في السِّجن ما يفتقره وهو الأنس، والراحة، والاستئناس والألفة تكون بالصُحبة، ومنها كلمة الإنسان وهو الذي يأنس بين أهله وأحبته كيلا يشعر بالوحشة والغربة، والراحة هي طمأنينة النفس وخلُّوها من الهم والحزن، وهي هنا مرتبطة بالمحزون.

جاء تركيب العنوان بواسطة الثنائيات الضِّدية (أنس/ محزون)، و(راحة/ مسجون)، بالإضافة إلى الربط بين الثنائيتين بأداة العطف الواو التي تفيد المشاركة بين المعطوفين في الحُكم بتلازم مُطردٍ دون ترتيب أو تعقيب؛ وهذا التناقض الصريح في العنوان هو موطن الإثارة ولفت الانتباه لدى المُتلقي، إذ يأتي السِّياق بخلاف المفروض، فيثير دهشته، ويسترعي انتباهه.

الصفحة الأولى لعنوان المخطوطة:

تأتي صفحة عنوان المخطوطة الأصليَّة على شكل مُثلثٍ مقلوبٍ أشبه ما يكون بشكل (الإعصار)، يبدأ في السطرين الأوليين بأربع كلمات مُمتدة الخط، ثم يتقلص امتداد الخط حتى آخر نقطة في الشَّكل وهي تحوي كلمة "مثواه".(2)

هذا الشَّكل يحمل دلالةً رمزيَّةً قائمةً على حُجَّة شبه منطقيَّة، وهي أن المصائب غالبًا تبدأ كبيرة، ثم ما تلبث أن تصغر، وكذا مصيبة السِّجن تكون في بدايتها صدمةً كبيرةً تشبه شكل الإعصار الذي يعصف بحياة المرء ويهلكه، لكنه في آخر المطاف ينتهي.

وفي قوله: "جعل الجنة مثواه"، وجعل كلمة "مثواه" في آخر العنوان منفردة دلالة مكانية مقابلة ومناقضة للمكان في السطر الأول من العنوان "المسجون"، ومقابلة أيضًا في الزمان، فالسِّجن دنيويّ، والدعاء بالمثوى في الجنان أخرويّ، وهو محاولة تسلية للنفس، وتعزيتها على مُصاب دنيويّ.

الصفحة الأخيرة من المخطوطة:

تأتي الصَّفحة الأخيرة من المخطوطة على هيئة يدٍ مرفوعة بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى، وكأنها تُمثِّل ختام الكلام عند المسلمين في أثناء الخطابة، وفي الوقت ذاته تُمثِّل وسيلة النَّجاة والخلاص للسجين، وتوجهه إلى التَّعلق بالله تعالى وملازمة الدعاء.(3)

وبالنَّظر إلى محتوى هذه الخاتمة، فهي تتكلم عن تقلّب أحوال الدنيا، والظُّلم، ويدور فيها الحوار بين عبدالملك الليثي (ت: 100هـ) وعبدالملك بن مروان (ت: 86هـ) في أثناء مقتل مصعب بن الزبير (ت: 72هـ)، وتبرز الدلالات المكانية ممثَّلة في "البهو، والسرير"، وتكرار الحال ممثَّلًا بتعاقب تكرار قطع الرؤوس وإحضارها إلى ذات المكان (ابتداء برأس الحسين بن علي رضي الله عنه، ثم رأس عبيدالله بن زياد، ثم رأس المختار، وأخيرًا رأس مصعب بن الزبير)، وتأتي نتيجة الحوار بخروج الخليفة مسرِعًا من البهو، والأمر بهدمه من ساعته.

هذه القصة تمثّل مُحاججة مُقنعة وقوية، تستميل المُتلقي وتُعجِّل باستجابته وتفاعله عن طريق استدعاء شخصيَّات تاريخيَّة مُتعاقبة، وربط أحوال تلك الشَّخصيات بالمكان، بالإضافة إلى ختام القِصَّة بالإقرار بوحدانية الله، والحوقلة، وأن مرجع الجميع إليه. ثم تلا ذلك شاهد شعريٌّ يُؤكد على سرعة تقلبات الأيام وتداولها، مع تحديد دلالات زمانية ممثلة في النِّهاية والبداية: (يوم السبت: نهاية الأسبوع)، و(يوم الأحد: بداية الأسبوع)، وهي مُدَّة لا تحوي فارقًا زمنيًّا كبيرًا، فالسبت يعقبه أحد، والسبت دلالة النهاية، وجاء الحدث فيه سعيدًا، يعقبه مباشرة الأحد دلالة البداية، وهو هنا مقام ابتلاء، وذلك في قوله:

"إِنْ عَرَّسَتْ فِي السَّبْتِ مُقْبِلَة        فَــطَـــــلَاقُهَا فِي لَيْلَةِ الأَحَـــــدِ"

ومجيء هذه الأفكار في هيئة يد مرفوعة بالدعاء دلالة على أن الدعاء هو سلوى المُصاب من تبدّل أحوال الزمان، وهو طريق الخلاص والنجاة.

الخطاب المقدماتي:(4)

جاء الخِطاب المقدماتي من مُؤلِّف الكتاب مبدوءً -على عادة العرب- بالبسملة، ثم الصَّلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يليها التَّحميدات والثَّناء على الله، وعادة الحمد يكون أولًا على نعم الله، لكنه هنا جاء حمدًا على ابتلاء الله، إشارة إلى ما في الابتلاء من نعم، مع الاعتراف بعظيم النعم السابقة فيما قبل الابتلاء؛ لئلا يكون منكرًا لفضل الله متى مسَّه ضُرٌ، إذ يقول: "ومجلي النقم ومزيلها بالصبر والدعاء، الذي جعل النقم قصاصًا وجزاءً، ولم يجعل نقمة إلا بعد نعمة ذهل صاحبها عن أداء واجب الشكر، وغفل عن إقامة وظائف الحمد والذكر"(5)، فسياق الحمد هنا ملائمٌ لحال السجن الذي يكون عقابًا بعد دِعة، وهو عقوبة وجزاء لصاحبه على ذنب اقترفه.

يُعلل فيما بعد بقيمة (نعمة السجن) عاطفًا بفاء العطف باستطراد طويل على ما سبق سرده بقوله: "فأسعد النعم طوالع، وأعذبها مشارع، وأكرمها مناقب، وأحمدها عواقب نعمة وقعت بعد محنة، وعطية حصلت بعد رزية، خلص صاحبها خلوص الإبريز، وصعد من مطرح الذل إلى محطِّ العزيز، وعرف وجوب شكر باريه، ولزم حمد خالقه ومنشيه"،(6) وهذا المقطع تحديدًا زاخم بالأساليب الحِجاجية المتنوعة.

حيث يبدأ هذا المقطع بتعريف يثير الذهن ويحفزه لمعرفة ما هي أسعد النعم، بدأه برابط فاء العطف المتراخية التي تقتضي ترتيب وتسلسل هذه الفكرة عقب فكرة الحمد الأولى، فهو أولًا يحمد الله على ابتلاء السجن، وهذه فكرة مغايرة للواقع المعلوم بأن السجن ضنك ومصيبة، ثم يصِفُ ما في هذا الابتلاء من عظيم النعم، في سلسلة من الجمل قصيرة المقاطع، متلاحقة السجعات، معطوفة بالواو، وكأنَّه يقلب الصُّورة من سلب إلى إيجاب، ويُمنِّي النفس بعظيم الجزاء وبشائر الفرج.

كما يبرز في هذا المقطع توظيف مفردات تحمل إيحاءات وثيقة الصلة بموضوع السجن، حيث تجترّ معها شخصية دينية هي شخصية يوسف عليه السَّلام، بدلالة كلمتي: "العزيز، والإبريز" في قوله: "خلص صاحبها خلوص الإبريز، وصعد من مطرح الذُّل إلى محطّ العزيز"، والإبريز هو الذهب الخالص النَّقي، والعزيز لقب ليوسف عليه السلام، قال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ).(7) إن الاستشهاد هنا باجترار قصة يوسف عليه السلام الذي ابتلاه الله بالسجن، ثم أصبح عزيز مصر، واستخلف على خزائن الأرض، حجة تحقق الدعم لفكرة ما في السجن من نِعم، ولفت ذهن المتلقي لهذه القصة وأحوالها سلوة ووعد وتعزية لنفسه.

يبقى التساؤل هنا عمّن هو المتلقي، أيُقصد به القارئ الخارجي للنّص؟ أم هو حوار بين الكاتب وذاته، لاسيما أنه في المقطع التالي أفصح عن ابتلائه بمحنة السجن؟ فيكون المتلقي بذلك ضمنيًّا، وربما هو كل من ابتُلي بذات المحنة، وهذا الرأي الأخير هو ما يراه محقق الكتاب محمد الجادر، إذ يقول: "وهذه المقدمة لا تشير إلى الزمان ولا إلى المكان، وإنما هي شاملة عامة تخبرنا عن دواعي تأليف الكتاب أكثر مما تشير إلى شخص صاحبها"(8).

يتحدَّث المؤلف فيما بعد عن سبب تأليفه لهذا الكتاب، فيقول: "ولمّا امتحنت بالمحن، وصرفت إلى صروف الزمن، واعتقل مخدومي الذي رضعت من لبون نعمه، ونشأت في حمى إحسانه وكرمه، وأصبت بوفاة الوالد والأخ، وحصلت بعدهما وبعد ذهاب المال في كفّة الحدثان والفخ.

بالمال طورًا وبالأهلين آونة      ما أضيع المرء بعد الأهل والمال"(9).

إنه يستعرض البراهين على شدّة محنته، ابتداء بالكل إلى الجزء، من قوله: "المحن، وصروف الزمن"، ثم يتدرج في استعراضها في ترتيب منطقي، على النمط التالي:

أولًا: اعتقال مخدومه الذي نشأ في كنفه، وتربى على عطائه.

ثانيًا: الإصابة بفقد الوالد والأخ، وفقد الوالد دلالته اليتم وفيه من الكسرة الحظّ الكبير، ثم فقد الأخ وهو العضد والسند.

ثالثًا: الخسارة المادية.

ثم يجمل بعد الإفصاح فيقول: "وتواترت عليّ محن تُشيب الوليد، وتخلق ريعان كل جديد"، هذا التنوع في الأسلوب ما بين الإجمال تارة والإفصاح والبسط تارة أخرى، ثم الختام بالإجمال تارة ثالثة؛ يحفِّز الذهن على استقبال الفكرة، ثم الإقناع بها بالدلائل المنطقية، ثم تثبيتها في الذهن.

ومن الروابط الحِجاجية التي تعين على تثبيت فكرته في هذا المقطع، استخدام كلمة: "ولمّا"، وكثرة العطف بحرف (الواو)، وتكرار السجعات الصَّوتيَّة اللافتة للأذن، والاستشهاد ببيت شعريّ في تضامين عرضه، بالإضافة إلى استخدام بعض التَّراكيب البلاغيَّة الدارجة واللافتة، كقوله: "تشيب الوليد"، و"شرخ الشباب"، و"سويداء القلب".

بعد كلّ ما سبق من استعراض لمحنة السجن وما فيها من مكرمة ونعمة، إلى جانب استعراض للخسائر الأخرى التي أصابت المؤلف وما فيها من عظم بلية نكبة، يصل في نهاية هذا البسط إلى قوله: "وأصبح السجن لي ربع أنس، والأشجان راحة قلب وقوت نفس"(10)، وهذه العبارة تحديدًا هي الحاملة لفكرة الكتاب كاملًا، الصفحة الأولى كلّها في المقدمة هي تمهيد وتبرير ومحاجة لفكرة هذه العبارة، فهو يوجِّه العقل إلى ما في مصيبة السجن من نِعم، ويوضح كيف أن مصيبة السجن أهون من غيرها من المصائب، فحين يعظم البلاء وتسجن الروح في الهموم يصبح السجن المكاني أُنسًا لكل من فقد أُنسه وأقرب أهله إليه.

ينتقل المؤلف فيما بعد إلى عرض نهجه في العمل بقوله: "رأيت أن أجمع تذكرة تكون لي في حال النعم مذكرة بالشكر، وفي حال النقم باعثة على العزاء والصبر، ووسمتها بــ"أنس المسجون وراحة المحزون" وجعلتها تسعة فصول، ومن الله أستمد العصمة والتأييد، وإليه أرغب في حسن المزيد"(11).

من المُلاحظ في أسماء الفصول أن الفصل الرابع من بين كل الفصول التسعة هو الذي جاء في ذكر السجن، ونصّ عنوانه: "في السجن والتعويق، ومن خرج إلى سعة من ضيق"، ويرى المحقق الجادر أن عنوان الكتاب "أنس المسجون وراحة المحزون" جاء من باب تسمية الكل باسم الجزء المشتق من هذا الباب الرابع، وكون مدار الكتاب عليه (12).

بقية الفصول هي تسلسل فكري بترتيب منطقي لأفكار المؤلف، يستهلها في الفصل الأول بعنوان: (في الشكر واستدامة النعم، وصرفه المحن والنقم) فبالشكر تدوم النعم، وتنزاح النقم. وإن شاءت الأقدار وأٌصيب المرء؛ فما له إلا الفصل الثاني، وهو بعنوان: (في الصبر والرضا، والتسليم والعزا). وممّا يساعد المرء على الصَّبر والتَّصبر استحضار النَّجاة من أعظمِ المصائبِ الدُّنيويَّة التي أشار لها في الفصل الثالث بعنوان: (في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب). ثم يلتفت في الفصل الرابع (محور الكتاب) إلى مصيبة السجن وما فيها من ضيق بعد سعة، ويسترسل في الفصل الخامس بأشدِّ ما في السجن من حقيقة تتضح للسجين، وهي: (في نفاق الأصحاب والإخوان، وتغيّرهم مع تغير الزمان). كلّ ذلك يحمل المرء إلى الفصل السادس الذي عنوانه: (في القناعة والياس، والزهادة فيما بأيدي الناس). ويوجه في الفصل السابع إلى كيفية التَّعامل الراقية مع الناس بعنوان: (في مكارم الأخلاق والكرم، ومحاسن المناقب والشيم). ويستطرد في الفصل الثامن إلى أعلى درجات الأخلاق بعنوان: (في التقوى والأمانة، وقمع الهوى، والديانة). ويختتم في الفصل التاسع بعنوان: (في ذم الدنيا والزهادة فيها، وتقلب أحوالها بأهاليها، وما قيل من تنبيه ووعظ، بأحسن إشارة وأفصح لفظ).

يتفرد الفصلان الثالث والرابع بكونهما أطول الفصول، وكثرة الشواهد فيهما، ولعلّ محاولة عزاء النفس وتصبيرها على محنة السجن، ومحاولة إقناعها بصغر هذه المحنة مقابل محن أخرى، مع ما يعانيه السَّجين مع مُكابدة نفسيَّة تستدعي كثرة ذكر القصص لتسليته؛ كل تلك الأسباب جعلت الفصل الثالث (في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب) هو الأطول مساحة من بين كل فصول الكتاب. ثم إن الفصل الرابع هو أساس الكتاب ومادته العظمى؛ الأمر الذي أعطاه مساحة كبيرة في الكتاب، وإن كان يصغر مساحة عن الفصل الثالث، وهو ما أراد المؤلف تأكيده وإقراره في نفس المتلقي بوسائل عدّة.

الخاتمة:

تنظر هذه الدِّراسة في عتبات كتاب "أُنس المسجون وراحة المحزون"، نظير اختصاصه بأنَّه أول كتابٍ يُفرد في عنوانه موضوع السِّجن، ويتناول أحواله، وهو موضوع وثيق الارتباط بالحِجاج، إذ يستلزم حال السِّجين توظيف أسلوب المحاججة في كل أحواله، لغرض الدفاع عن نفسه أو تبرئة ساحته، أو تخفيف الحكم عليه، سواء أمام نفسه، أو أمام الآخرين.

من هُنا تجيء الدِّراسة مُتتبعة أساليب الحجاج في عتبات الكتاب بدءًا بالعنوان، وصفحة الكتاب الأولى، يليه قراءة عناوين فصوله، ثم خطابه المقدماتي، ختامًا بالصفحة الأخيرة من الكتاب.

ويقوم كتاب "أنس المسجون وراحة المحزون" على قلب فكرة السجن من سلب إلى إيجاب، بجعله المكان المُستأنس الذي يبثُّ الراحة في نفس السجين، وهذه فكرةٌ مُناقضةٌ لما هو معروف عن حال السجن من الضَّنك والحزن، وقد استعان الكاتب للتدليل على صحة فكرته بقرائن حجاجية عديدة.

وعند النَّظر إلى صورتا المخطوطة (صورة العنوان، وصورة الخاتمة)؛ فقد وُجِد أنها تحمل الكثير من الإشارات الرمزية المرتبطة بأحوال السجن، بالإضافة إلى محتواهما الكتابي الذي يُعضِد تفسير تلك الدلالات الرَّمزيَّة.

أمَّا بالنسبة إلى الخطاب المقدماتي في الكتاب؛ فإن الأسلوب فيه يتناوب ما بين الإجمال والإفصاح، وتكثُر فيه الروابط الحِجاجية، خاصَّة واو العطف، وهو الأكثر ورودًا في النَّص، وكذا فاء العطف، بالإضافة إلى استخدام أدوات أخرى: "لمّا، وكما قلت"، وكذلك فقد اعتمد المؤلف على بعض الإجراءات والأساليب الأدبيَّة والبلاغيَّة لتعزيز تواصله مع المُتلقي، وتحقيق التَّأثير والاستمالة، وتبرزُ منها: الاستدعاءات للشَّخصية الدِّينية (يوسف عليه السلام) وقصة سجنه ثم جعله عزيز مصر، وكذا بعض الألفاظ الموحية، والتراكيب الملفتة، والتَّأثيرات الصَّوتيَّة المُتمثلة في ظاهرة السجع؛ الأمر الذي يشحن الكلام بطاقةٍ كبيرةٍ، ويُعزز الاتصال بين المُتلقي والمُرسِل.

الهوامش:

(1) صفي الدين أبو الفتح عيسى البحتري الحلبي، أنس المسجون وراحة المحزون، تحقيق: محمد أديب الجادر، (بيروت: دار صادر، 1997) 18.

(2) يُوصى بالنظر إلى الملاحق، صورة رقم (1).

(3) يوصى بالنظر إلى الملاحق، صورة رقم (2).

(4) يُوصى بالنظر إلى الملاحق، صورة رقم (3)، وصورة رقم (4)، لقراءة نصّ الخطاب المقدماتي كاملًا. 

(5) صفي الدين الحلبي، مرجع سابق، 29.

(6) المرجع السابق.

(7) سورة يوسف: 88.

(8) صفي الدين الحلبي، مرجع سابق، 13.

(9) السابق، 29.

(10) صفي الدين الحلبي، المرجع السابق، 30.

(11) السابق، 30.

(12) صفي الدين الحلبي، مرجع سابق، 19.


عدد القراء: 448

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-