الروائية «أميلي نوتومب»: «أرجو أن ينجح هذا الكتاب في إضحاك أبي»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-01-30 08:40:43

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي - أغادير – المغرب

حوار: فابريس غينيو

ترجمة: نبيل موميد

التقديم:

حصلت الروائية البلجيكية الشهيرة "أميلي نوتومب – Amélie Nothomb" على جائزة رونودو (Renaudot) المرموقة لدورة 2021، عن روايتها دم أول (Premier sang) التي كتبتها على لسان والدها المتوفى في مارس 2020، وفاءً منها له وعرفان بفضله عليها، وتعبيرًا عن حبها الكبير له، وامتنانها لأنه كان – وسيظل على الدوام – أباها.

عندما أُجري هذا الحوار في شهر سبتمبر الماضي مع الروائية حول كتابها المذكور، لم تكن قد فازت بعدُ بالجائزة، لذلك كان هذا الحوار فرصة للاقتراب أكثر من الكِتاب، ومن الروائية، ومن علاقتها بأبيها. وكما أخبرنا الْمُحَاوِر، تراوح هذا اللقاء بين عيون دامعة متأثرة بذكرى الوفاة، وثغْر مبتسم مفعم بالأمل في غد أفضل لا يتنكر البتة لماضيه.

تُعتبر هذه هي المرة الثانية التي تُتوَّج فيها الروائية بجائزة كبرى، بعد أن كانت قد حصلت سنة 1999 على جائزة الأكاديمية الفرنسية، غير أن جائزة هذه السنة كان لها طعم خاص؛ لأن "نوتومب" اعتبرتها تتويجًا مزدوجًا لها ولأبيها الراحل، حتى إنها قالت عندما بلغها خبر فوزها: "أرغب بشدة في أن أقول: أبي، لقد فزنا بالجائزة".

 الحوار:

- ها نحن ذا في مكتبك لدى الناشر "ألبان ميشيل – Albin Michel". لماذا رغبت في أن يكون لديك مكتب لدى ناشرك؟

في البداية، كنت أمرّ بشكل متواتر على دار النشر من أجل قراءة بريدي، وأحيانًا الرد عليه إن كان ذلك ممكنًا. كنت أجلس على درجات السلالم، وأحيانًا في المرحاض؛ لذلك فقد كنت مصدر إزعاج لناشري. كان جميع العاملين يتساءلون عن نوعية المرض النفسي الذي أعاني منه، ولم أحر جوابًا لأني لا أملكه. بعد ذلك، في سنة 2002، خصصت لي الدار مكتبًا، مذكرين إياي بالآتي: "استقري الآن هنا، لا نريد أن نراك تتسكعي هنا وهناك!". منذ ذلك الوقت، أصبح مكتبي هذا مثل مدينة طروادة؛ ففي كل سنة يمتلئ المكان بالرواسب (كتب، رسائل، هديا القراء...) شيئًا فشيئًا.

- نشرت في هذا الدخول الأدبي رواية "دم أول". لماذا أردت تأليف كتاب حول أبيك؟

لم يكن ضمن مشاريعي البتة أن أكتب حوله؛ ذلك أني لم أخمن أنه سيفارق عالمنا في أول يوم من الحجر الصحي في الـ 17 من مارس 2020، ليس بسبب كوفيد-19 كما راج في وسائل التواصل الاجتماعي، بل نتيجة لتداعيات السرطان في الوقت الذي كنت أظنه قد تجاوز مرحلة الخطر. كانت وفاته صدمة قوية، حتى إنني لم أقوَ على مغادرة معزلي بباريس لحضور مراسيم الدفن في بلجيكا. كان عليَّ أن أنتظر فصل الصيف الموالي لأرتمي على قبره. كانت لحظة عصيبة؛ لأن ما حصل كان قويًا للغاية. بعد ذلك عدت إلى باريس؛ حيث ظهر كتابي الجديد. غير أني مع نهاية شهر سبتمبر، أدركت إلى أي حد رهيب أفتقد أبي.

- أود أن أعود إلى هذه اللحظة القوية في المقبرة؛ ما الذي حصل؟

استلقيت فاتحة ذراعيَّ على قبره، وأحسست بحضوره بشكل مكثف. لقد جاءت روحه لتعانق روحي؛ فبدأتُ بالصراخ والعويل من فرط الشحنة العاطفية. ولأني أحسست بأني أفتقده بشكل رهيب، قلت لنفسي: "اسمعي، ما دمت تمضين وقتك في تأليف الكتب، فأرجعي أباك من خلال كتاب. اكتبي أباك، ليس ميتًا، ولكن استحضريه حيًا". تذكرت أول لقاء لأبي مع الموت، عندما كان دبلوماسيًا شابًا في الكونغو؛ حيث احتجز مجموعة من المتمردين بعض البيض بمثابة رهائن، وقد حدث أن كان أبي في ذات الآن رهينة ومحاورًا لهم، في الوقت الذي كانوا فيه يعدمون عددًا من المدنيين في كل يوم يمر. هو أيضًا وضعوه في مواجهة كتيبة إعدام؛ فانتظر بكل هدوء انطلاق الرصاص، غير أن قائد المتمردين أوقف كل شيء في اللحظة الأخيرة. كان أبي شجاعًا، قوي الأعصاب، وبطلاً حقيقيًا. كان أبي شخصية رائعة، لم يكن هناك ما يدل على أن روحه ستكون عظيمة، حيث كان لا يلقي بالا لمسألة الموت؛ وهو ما كان يمثل بطولة مزدوجة؛ فهذا الرجل اللطيف كان يفقد وعيه من مشاهد الدم. لقد كان رجلاً يتصف بتفانٍ ونكرانِ ذاتٍ يفوق الوصف.

- كيف تلَقَّى في البداية رغبتك في أن تصبحي كاتبة؟

على غرار كثير من الآباء، شعر ببعض القلق والأسى، ولكنه كان، في نفس الوقت، مساندي الأول. وعلى العموم، ومهما فعلت أو كتبت، كان والديَّ ينفجران ضاحكين متسائليْن عما قمت باختراعه مرة أخرى. كانت ضحكات سعادة لا حسرة. لقد كان هذا تقريبًا هو موقفهما مني طيلة حياتهما. أرجو أن ينجح هذا الكتاب في إضحاك أبي في المكان الذي يوجد فيه، وأن يكون سعيدًا، وأن يقول: "إنه أنا بالفعل في هذا لكتاب!".

- هل كان يقرأ كل كتبك أو أن كثرتها أتعبته؟

(تضحك) لا أبدًا، لقد قرأها بأكملها. كان لدينا طقس ثابت لا يتغير؛ حيث تعودت في كل صيف في "بون دوي – Pont d’Oye" – توجد ملكيتنا في الأردين البلجيكية - أن أُهدي والديَّ روايتي الجديدة. وبما أن أبي قد مات، فلأمي وحدها أهدي دم أول.

تحتل منطقة "بون دوي" مساحة هامة من هذا الكتاب، كما تعتبر أساسية بالنسبة إلى عائلة نوتومب. تبدو الصورة التي قدمتها للأجواء السائدة إبان فترة حياة جدك الأول (جد أبيك) وزوجته وأبنائه الثلاثة عشر صورة تحبل بالثقافة والغرابة التي لا تقاوم في ذات الآن.

نعم، كانت "بون دوي" محل سكنانا من ناحية والدِي. أما القصر فقد اشترته عائلة لطيفة، وقد حافظنا، ولله الحمد، على ملكية بعض المباني الممتازة التي كانت ملحقة به. وحتى نعود إلى جدي الأول، الذي كان يستقبل أبي لقضاء العطل، فقد كانت الأجواء بالفعل خاصة. لم يكن بالقصر طعام، وكان كئيبًا، وقليل التدفئة. كان جدي الأول شاعرًا فاشلاً، غير أنه كان مقتنعًا بموهبته. كان رجل آداب عاطفي، يُدبِّج قصائد شعر يوجهها إلى الله في كل مرة يخون فيها زوجته. ورغم هذا، أخبرني أبي أنه كان سعيدًا للغاية في طفولته في كنف هذه العائلة شديدة الغرابة. كان ولدًا وحيدًا لأنه فقد أباه في سنوات عمره الأولى خلال تدريب عسكري.

- لماذا اخترت أن تُعبِّري عبر وساطة أبيك (ضمير المتكلم)، عوض ترك مسافة بينك وبينه بتوظيف ضمير الغائب؟

لا يتعلق الأمر هنا بمقال أدبي، فقد كنت أحاول أن أقترب منه إلى أقصى درجة، وذلك بتقمصي لدوره. وبسبب الفقد والحرمان، قلت لنفسي: "كوني أباك". لقد كان الأمر ملحًا؛ فطيلة طفولتي ومراهقتي لم ينفك محيطي يؤكد أني أشبه أبي للغاية. كان هذا الأمر يضجرني بشدة؛ فمن المحتمل أن نحب الأب، ولكن من غير المحتمل أن نكون متماهين معه. بسبب هذا التشابه المعترف به، استمْدَدْتُ شرعية أن أكون أبي بالفعل في هذا الكتاب.

- كم يأخذ منك الكتاب عادة في تأليفه؟

حوالي ثلاثة أشهر. أؤلف أربعة كتب في العام الواحد، غير أني لا أعتبر الثلاثة الذين لا أنشرهم بمثابة عمل فاشل، وإنما بوصفهم كتبًا لا أرغب في نشرها. بهذا المنطق، يكون دم أول كتابي المائة. كان أبي ليكون فخورًا بي، هو الذي كان يحب الأرقام الكبيرة. أرجو من كل قلبي أن يكون أبي، في المكان الذي يوجد فيه، قد تمكن من قراءة هذا الكتاب، وأن يكون قد سَعِد به. ليس في وسعي أن أوضح الأمر أكثر، ولكن لدي انطباع أكيد أن هذا ما حصل حقيقةً.

- عالمك الأدبي متميز للغاية، كما أن كتابتك لا تشبه أية كتابة أخرى، ورغم كل هذا لم تحصلي بعد على جائزة الغونكور. أتصور أنه مع مرور الوقت، صغت لنفسك تفسيرا...

ثمة أمور أكثر أهمية في الحياة. ألا نقول إن أفضل أيام الكاتب هي تلك التي تسبق حصوله على جائزة الغونكور مثلاً؟ ألا تقلب الجائزة حياته رأسًا على عقب، ليس دائمًا إيجابًا، بل أحيانًا سلْبًا؟ لنحاول، إذن، أن تدوم هذه الأيام الجميلة – التي تسبق الجائزة – أطول وقت ممكن. وكما قلت، يجب أن أجد لنفسي تفسيرًا... أظن أني لن أحصل على هذه الجائزة مطلقًا. أجل، وبشكل قطعي، هناك أمور أكثر أهمية في الحياة.

 

مصدر الحوار المترجم:

Fabrice Gaignault, « J’espère que ce livre fait rire mon père là où il est», (L’enquête: la figure du père), Lire le magazine littéraire, n°:499, septembre 2021, pp: 62- 63


عدد القراء: 709

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-