دراسة في «الوجود» لإبراهيم الكوني.. رواية (التبر) أنموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 19:35:22

لين فان في (فيصل)

باحث في كلية اللغات الشرقية في جامعة شانغهاي ‌للدراسات الدولية - الصين‌

خلاصة:

يحلل هذا البحث فكرة "الوجود" لإبراهيم الكوني الذي يعتبر من أشهر الكتّاب الليبيين في العالم العربي حتى العالم كله مع أخذ رواية (التبر) كنموذج لكشف النقاب عن إلهام فكرته وهدف كتابته.

إبراهيم الكوني، الكاتب المشهور الليبي، فاز بعدة جوائز في مسيرته الأدبية بما فيها جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب في الدورة الثانية 2007-2008م على رواية "نداء ما كان بعيدًا"، كما إن السلك الثقافي والنقدي والأكاديمي سواء في اليابان أو في أمريكا أو في أوروبا يقدره تقديرًا عاليًا ورشحته اللجنة لجائزة نوبل للأدب عدة مرات. يُعد إبراهيم الكوني أديب غزير الإنتاج ذا البصيرة الثاقبة. لقد نشر أكثر من سبعين كتابًا حتى الآن بما فيها "التبر" و"نزيف الحجر" و"المجوس" الذي دخل قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن العشرين. معظم رواياته روت الحكاية في الصحراء، مما يضفي إلى رواياته الروائح الصحراوية والخصائص الفريدة. يحلّل هذا البحث "الوجود"، أو بالأحرى "الحرية" المتجلية في رواية "التبر" لإماطة اللثام عن إلهام فكرته وهدف كتابته.

من أجل حرية الروح – الفكرة الجوهرية لفكرة "الوجود" لإبراهيم الكوني

لطالما يعتبر "الوجود" من المواضيع الأكثر تناولاً عند الفلاسفة، سواء نظرية المثل (Idea Theory)، أو "الواحد" (The One) لأفلاطون الذي يعتبر أول من طرح نظرية الفيض في تفسير الوجود وجعل "الواحد" مبدأها، حتى نظرية الفيض للفيلسوف العربي الكبير الفارابي الذي تغذّى بالفلسفة الإفلاطونية الجديدة (Neo-Platonism) لتفسير "الوجود"، نجد أن "الوجود" في موضع محوري في نظريات الفلسفة.

وإبراهيم الكوني ليس باستثناء. تطرّق إلى موضوع "الوجود" في عدة مقابلات، كما يقول: "غاية المؤلف التعبير عن الوجود".1  تنجلي أفكاره العميقة بما فيها العلاقة بين الحياة والموت، والخطيئة والمعاناة. ومن بين هذه الأفكار، تعد "الحرية" من جواهر فكرة "الوجود" وتفوح بأريجها في معظم أعماله من ضمنها رواية "التبر" التي صدرت في عام 1992 واعتُبرت الرواية الخامسة له.

تكونت "التبر" من 160 صفحة وحكت للقارئ ما حدث بين أوخيّد والأبلق. أصاب الأبلق داء الجرب بعد مغامراته مع الناقة، فجد أوخيّد مع في البحث عن الدواء من أجل إنقاذه من برثن الموت. بعد شفائه، تزوج أوخيّد مع فتاة ما وولد له ولدًا. لكن لم يحالفه الحظ، مرت الصحراء بحالة سيئة والغزو ولم يقدر على عيالة عائلته. فلا حول ولا قوة إلا بـ"بيع" أبلقه إلى دودو الذي زعم أنه من أقارب زوجته كـ"رهن". استغل دودو كل الوسائل لإثارة التعاطف بين أوخيّد والأبلق حتى اضطر أوخيّد إلى التحرر من ولده وزوجته لاستعادة الأبلق. الأسوأ من ذلك، إن دودو أشاع الشائعة التي قالت إن رجلاً ما في الصحراء باع زوجته وولده للحصول على الذهب. انتابه الغضب والعار فقرر قتل دودو ونثر التبر على سطح الماء. طاردته قبيلة دودو لقتله من أجل تقاسم ثروة دودو. وفي نهاية الرواية، تعرّض أوخيّد والأبلق للقتل. لا تخلو حبكة الرواية من الشوق. وأبرز ما في فكرتها هو: يحق للإنسان نيل الحرية والتحرر من القيود والبحث عن الذات حتى ولو يناضل العالمَ كله.

بعد مغامرات الأبلق مع النوق السارحة، أصيب بداء الجرب. على الرغم من طاقة أسيار (نبات أسطوري يعطي طاقةً هائلةً)، لم يتمكن من استعادة لونه الأصلي. فلما لجأ أوخيد إلى مساعدة الشيخ موسى، قال له إنه لا بدَ من الطهارة. استخدم الكوني لفظ "الطهارة" ليدل إلى الإخصاء للأبلق. من حيث اللغة، يشير هذا اللفظ إلى "النظافة والنقاء والتخلص من القذارة". ومن حيث الإسلام، الطهارة ضربان: طهارة معنوية، وطهارة حسية، "أما الطهارة المعنوية فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء، والكراهة، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا. أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن"2  فهنا، من الواضح أن هذا له دلالات أكثر من واحدة، يمثل الخصاء في الجسم، إذ أنه بعد الخصاء، لا يشتاق الأبلق إلى الناقة الأخرى، فلا يتعذب بالجرب، مما خلّص نفسه وروحه من القيود المفروضة الناتجة عن الشهوات.

مع تطور الحبكة، تتلألأ فكرة "الحرية" بريق أكثر لماعًا. بسبب الجفاف والغزو، قرر أوخيّد رهان الأبلق للحصول على جمليْنِ لعيالة العائلة. ولكن الأبلق عاد إليه مرارًا وتكرارًا مع جروح في جسده. بعد ذلك، فهم أخيرًا:

ومن هو الولد؟ أنه اللعنة التي يتلهى بها الأب معتقدًا أن فيها الخلود والخلاص في حين تحمل فناء عمره وخراب ماله. وما هو العار؟ إنه وهم آخر اختلقه أهل الصحراء كي يستعبدوا أنفسهم ويكبلوا رقابهم بمزيد من القيود والحبال3. (التبر، ص112)

هنا، أخبرنا كاتبنا أن كل شيء يمثل قيدًا يحول دون تحقيق حرية الروح. لذلك، بعد عودة الأبلق في آخر مرة، قرر التحرر من قيود الدنيا و"سلم له (الدودو) الوثيقة.. وثيقة التسليم.. الخلاص.. لتحرر من الوهق والدمية والوهم"(التير: ص123)، فتمثل هذه الوثيقة جهوده لنيل حرية الروح.

عند تسليم الوثيقة، أعطاه دودو حفنة من التبر وأقنعه قائلاً "الذهب هدف كل إنسان منذ أن يولد إلى أن يموت باستثناء الفاشلين والدراويش."(التبر، ص124) بعد رفضه قبول الذهب الذي هو معلون ويجلب الشؤم في رأيه. لم يخطر على باله أنه وقع في فخ دودو. ذات مرة، تحدث معه راعٍ عن رجل باع زوجته ووالده للذهب. فاجأه هذا الخبر وأدرك أن كل هذا من يد دودو الذي "شوّهه بالذرات الصفراء. لوث يديه. لطخ روحه"(التبر، ص137). شعر بالضيق والتقيد مرة أخرى، فرأى البيت المهدّم في حلمه ثلاث ليال متتالية.

في طفولته، عذبه هذا الحلم كثيرًا. في حلمه، رأى "البيت المظلم، الكئيب"، فأما شكله، فـ"البيت مشيد بقوالب الطين. ذو طابقين. مسقوف بجذوع النخيل" مع "الطابق الأرضي مهدم. انهارت جدران بعض الغرف"(التبر، ص133). الغريب في هذا البيت أنه بدون نافذة وباب. هذا يعني أنه بمثابة السجن الذي يحبس الأنسان فيه لسلب إرادته وحريته. بحث عن المخرج ولكن بلا جدوى. من هنا نرى أن هذا البيت رمز من رموز القيود المفروضة على القلب والروح. وما حوله من الجدران على وشك التهالك والانهيار يرمز إلى الخطر بعد فقدانه الحرية ويشكل نقيض الطمأنينة والحرية والأمن والسكون.

في عاطفة الغضب واليأس والعار، قصد إلى الواحة لقتل دودو برصاصة ونثر التبر إلى الحمام، "تلألأت المياه، تحت أشعة الشمس الغاربة، بذرات التبر اللامعة والدم الأحمر!"(التبر، ص142) يبدو أن فعلته هذه محاولة لاستعادة شرفه. ولكن في الحقيقة، ترمز إلى تحرير نفسه وروحه من العار والمال وما إلى ذلك من القيود لنيل حرية الروح الحقيقية أخيرًا.

تتلألأ فكرة "الوجود" لإبراهيم الكوني مع الاهتمام الاستثنائي بالحرية التي تعتبر فكرةً جوهريةً. في هذه الرواية، استعان برمزية للكشف عن جوهر الإنسان: وهو أنه على الإنسان السعي وراء حرية الروح ولا عليه التقيد بزينة الدينا. عند هنا، قد يخطر على بال القراء: ما مصدر فكرته العميقة؟ وما هدفه لتسليط الضوء على حرية الروح في هذه الرواية؟

الصحراء – موطن حرية الروح

ولد إبراهيم الكوني في غدامس قرب مثلث حدود ليبيا مع كل من تونس وجزيرة غي غربي ليبيا ومدينة غدامس مدينة صحراوية. بعد ذلك انتقل إلى سبها في جنوب غربي ليبيا وتعرف بكونها بوابة ليبيا الصحراء. فلا مجال للشك أن إبراهيم الكوني ابن الصحراء، واتخذ الصحراء أمه. لذلك، طبعت رواياته بالخصائص الصحراوية ودائمًا ما نشم رائحة الصحراء عند قراءتها. كما قال تونغ تشينغ بينغ: "عاش الكاتب في بيئة ما، فلا بد أن يتأثر بها. من ثم، حمل أسلوب أدبه خصائص جغرافية وثقافية"4، خاصة حياة طفولته في الصحراء التي أضفت إلى أعماله خصائص لا تضاهى ولا تقارن. كما من الصعب أن نجد الكاتب الثاني ينهم في كتابة الصحراء في هذا العصر. كتب إبراهيم الكوني الرواية ووضع الصحراء كخلفيتها ليعبر عن فكرته العميقة وبصيرته النافذة الثاقبة. فغنى عن البيان أن فكرة "الحرية" وُلدت في الصحراء إلى حد كبير، فتشكل الحياة الحرة والطلقة والبسيطة والتنقل الدائم من أهم المصادر هذه الفكرة.

"الصحراء ليست وطن من أوطان الله؛ ولكنها وطن الله. وهي وطن الله لأنها وطن الحُريّة."5  حملت الصحراء ذكريات أوخيّد والأبلق. ولدا في الصحراء: ولدا ومرا بالبلاء والمشقات في الصحراء. بعد استعادة عافية الأبلق، عاشا في المراتع الجنوبية. ووجد الترفاس الذي لم يأكله منذ أن استقر بالواحة الملعونة. ولكن المكافأة الحقيقية كمنت في "الصفاء والهناء والسكينة" (التبر، ص126) في الصحراء. بمعنى آخر، الترفاس ساعد الأبلق وأوخيّد على استرداد عافيتهما جسديًا، بينما أعادت الصحراء عافيتهما روحيًا ونفسيًا. في الصحراء وحدها، نجحا في استرداد العافية المزدوجة. ولم يفهم الفرق بين الواحة والصحراء إلا بعد هذه البلية:

تخلى عن كلمة السرّ: الطمأنينة، الحرية، السكينة. تخلى عنها تلقائيًا بمجرد أن هجر الصحراء وسلم رقبته لسلاسل الاستقرار في الواحات. كل سكان الواحات عبيد. لا يقيم وراء جدار أو كوخ إلا عبد. وهو عبد فريد لأنه أعمى. عبد لا يرى عبوديته، عبودية الروح. ليس عبدًا لعبد ولكنه عبد لشيطان قبض روحه بالسلاسل. (التبر، ص127)

من ثم، الصحراء على نقيض الواحة في قلم الكوني. الصحراء تعني الترحال، أما الواحة فتمثل الاستقرار. "الاستقرار يعني الموت، الترحال يعني الشفاء روحيًا."6 في رأي أوخيّد، الواحة ملعونة وانتشرت في الواحة الشياطين، "العفريت لا يسكن عين الكرمة وحدها، ولكنه يسكن الواحة كلها: الواحة كلها. أما هنا (الصحراء) فـإن العفاريت تموت عطشًا"(التبر، ص126)، ولا يمكن تحقيق النقاء الروحي إلا في الصحراء، لأن "ماء عين الكرمة يغسل الجسد، والصحراء وحدها تغسل الروح" (التبر، ص126)، فلا يمكن تفكيك القيود ونيل الحرية روحيًا إلا بعد غسل القلب والغبار المغطى على الروح.

فيما سبق، لقد ذكرتُ أن أوخيّد استبدل الأبلق بزوجته وولده. ذلك لأن الأبلق رمز الصحراء ورسول الحرية في رأيه. يعتبر الجمل سفينةَ الصحراء وحيوانَ الصحراء بكل معنى الكلمة. في الرواية، مثلت عودة الأبلق مرارًا دعوته أوخيّدًا إلى التخلي عن الحياة في الواحة والتحرر من الكبول والعودة إلى وطن الحرية- الصحراء. في نهاية المطاف، أدرك أوخيّد أن الأبلق نصفه الآخر، "كان شيئًا واحدًا قبل أن يكون أي شيء"، "كيف يتخلى عن نصفه الإلهي ويقايضه بوهم الدنيا؟" (التبر، ص111). والشرف هو الحرية، هو الوفاء بصديقه الذي غامر معه في الصحراء، "النبل هو الذي يحتم عليه أن يضحى بالوهق واللعبة والوهم ويختار الأبلق ليواصل معه الرحلة في ملكوت الخلاء" (التبر، ص112). وأدرك أخيرًا أن الأبلق هو رسول حرية الروح:

الأبلق أنقذه من القيد. الأبلق رسول. الأبلق روح بعثه الله كي يحرر قلبه المقيد بالأصفاد. لو لا الحيوان الطاهر لاقتفى أثر إبليس ولتخلف عن السفينة ولهلك مع الهالكين (......) الأبلق رسول النجاة. سفينة النجاة، سفينة الحرية. (التبر، ص127)

من هنا، يمكننا أن نرى أن "النصف الآخر" هو الأبلق والحرية. فعاش أوخيّد والأبلق والصحراء في كيان واحد. ولكن ليس كل من عاش في الصحراء، نال حرية الروح:

فلا تكفي العودة إلى الصحراء فقط لنيل حرية الروح، بل لها شرط: لا بد من الإفلات من كل الأصفاد. كما قال الكوني قي لقاء المشاء: "الحرية المحصورة بالسياسة هي جزء شحيح من ملحمة الحرية. ففي السياسة والأيديولوجيا لا وجود للسعادة، الحرية بمعناها الوجودي هي الصحراء."7 في رأي الكوني، موطن حرية الروح هو الصحراء، بينما يرى أن زينة الدنيا ليست إلا عبئًا وقيود الروح ولا يمكن الحصول على الحرية بكل معنى الكلمة إلا بعد التحرر.

التصوف- غذاء حرية الروح

تأثر إبراهيم الكوني بفكرة التصوف تأثرًا كبيرًا، وترك بصمات عميقة في شمال إفريقيا بما فيها ليبيا. في الرواية، لقد ذكر الكوني أثر التصوف في ليبيا، "الشيخ موسى من أتباع القادرية"(التبر، ص55)، القادرية تنتسب إلى عبدالقادر الجيلاني.

ذكر البلاء والصبر عدة مرات في الرواية. بعد أكل الأبلق أسيار، أصيب بالجن وركض بسرعة، فتوسل أوخيّد إليه قائلاً:

ماذا تفعل؟ توقف. الهرب لن يفيد. مما تهرب؟ هل تهرب من نفسك؟ هل تهرب من قدرك؟ الشجاع لا يهرب من نفسه. الحكيم لا يهرب من قدره (......) ألم أقل لك أن الأمر لن يستقيم إلا بالصبر؟ ألم أخبرك أن الحياة هي الصبر؟ (التبر، ص38)

ولكن ما زال الأبلق يحاول الهروب، وعبر المرتفع والسهل وأدغال الشوك، "ومزق جسده، فنز المزيد من الدم" (التبر، ص38). لم يرد أوخيّد مفارقته، فأمسك بذيله ولجامه فتفصد الدم منه، "ذراعه الأيمن سينتزع من كتف" (التبر، ص40)، ولكن ما زال لا يريد الترك. أخيرًا، أنهكه التعب، "أرخى يده اليمنى، وترك رجليه، فحرث الصحراء" (التبر، ص41). بعد شفاء الأبلق، هُدد أوخيّد بنقص الماء. في هذه المرة، أنقذه الأبلق وبحث عن البئر له. ولكن من سوء الحظ، كاد يسقط في البئر لو لا الأبلق. فيما بعد ذلك، دخل حالة "البرزخ" وأصيب بشبه الإغماء. من ثم، بعد استيقاظه، وصل إلى أعلى مرحلة بعد هذا البلاء والصبر. اُبتلى ببلية واتخذ البلية سلمه ليقترب من الله، لأن "الصبر صلاة. الصبر عبادة. الصبر هو الحياة"(التبر، ص121). فيمكن القول إنه بعد المرور بهذه المشقات والبلايا، ارتقى روحيًا ونفسيًا.

كما ذُكر في الرواية، اعتبر موسى شيخ الصوفية. في نهاية الرواية، بسبب تعاطف أوخيّد مع الأبلق ولصقه به، قُتل. كما ذكرنا سابقًا، الأبلق رمز الحرية، ولكن الأبلق كالكيان أيضًا ما يقيده بالدنيا. كرسول دعا إلى الحرية، أيقظ الأبلق أوخيّد بنهايته المأساوية ليدرك ما هو المعنى الحقيقي للإخصاء. يعنى الإخصاء التخلص من كل قيد في الدنيا ونبذ الشهوات. كما قال أوخيّد عند إخصائه: "لن تفوز بالجمال ولن تلقى الله بدون طهارة". (التبر، ص58)، وكما قال الشيخ موسى: "لا تودع قلبك في مكان غير السماء."(التبر، ص157)، وأخيرًا، توفي أوخيّد مع الأبلق لتلحين أغنية مأساوية. بموتهما، لمح الكوني نيل أوخيّد الحرية المطلقة مع الصبر وتركه الشهوات في الدنيا.

الدعوة إلى حرية الروح - الاتجاه الهام لكتابة الكوني

اتضحت فكرة "الحرية" في هذه الرواية وتخللت في النصوص كلها. هذا يثير تساؤلات القارئ: لماذا اختار الكوني "الحرية" كقوة دافعة لسرد القصة؟ وما حوافزه لكتابة هذه الرواية؟

يكون عنوان "التبر" إشارةً واضحةً. عند قراءة أول نصف الرواية، قد يستغرب القارئ: لماذا لم تظهر أي علامة للتبر أو المال؟ ولكن مع مواصلة استكشاف الرواية، يُزال استغراب القارئ. عندئذ، إذا عاد القارئ إلى البداية، سيجد أن التبر، إذ أنه اقتبس فقرة من "مملكة مالي وما معها" لابن فضل الله العمري قائلة:

ولكن ملوك هذه المملكة قد جربوا أنهم ما فتح أحد منهم مدينة من مدن الذهب ونشأ بها الإسلام، ونطق بها الآذان، إلا قل وجود الذهب، ثم يتلاشى حتى يعدم، ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار. (التبر، ص6)

مثّل الذهب الرأسمال والثروة كما هو شهوات الناس. في الإسلام، تكون الشهوات المفرطة شرًا على نقيض الخير. لم يعارض الإسلام كسب الأموال بشكل شرعي، حيث حث تحصيل الإسلام من طريق شرعي كالتجارة والفلاحة والصناعة، وحرم الطرق غير الشرعية كالرشوة والغش، كما دعا إلى الاعتدال في المال بدون إفراط والتبذير والإسراف حتى لا يكون الإنسان عبيدَ المال ويتقيد به. كما قال تعالى: (فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ). (سورة التغابن: 16)

كقوة دافعة رئيسية في الرواية، يدفع "التبر" عملية السرد والحبكة. قال الكوني بجرأة:" يقال إنه معلون ويجلب الشؤم." (التبر، ص124) وقع أوخيّد في فخ دودو بعد أخذه الذهب منه، وانتشرت الشائعات في الصحراء وجلبت له العار. وطاردت قبيلة دودو للأخذ بالثأر وهذا ليس "حبًا في دودو ولكن كي ينهوا عملهم ويوزعوا الثروة بأسرع وقت" (التبر، ص144) لإشباع رغباتهم. هذا يعني إن حياة دودو في رأيهم ليست إلا رهينًا يمكن يقاس. كما يمكن شراء حرية الآخرين بالذهب.

التزم الناس بـ"مركزية الإنسان" مع طمعه في الثروة، وقطع الأشجار بلا توقف، مما زاد تصحرًا في الأرض، وقتل الحيوانات البرية لإشباع شهواته الذاتية، مما عاد بالأضرار الفادحة على البيئة، وسخر الطبيعة كما يحلو له، مما عاد على نفسه بالأذى نفسيًا وجسديًا.

فبجملة القول، انجلى هدف كتابة الكوني جلاء. كان يدعونا إلى التحرر من قيود الأموال والثروات لنيل حرية الروح. إذا نتقيد بشهوات لا حدود لها، فستتضخم مركزية الأنسان مع مرور الأيام، فستتعرض الطبيعة للتهديم والتخريب أكثر. في وجه الاحتباس الحراري وحريق الغابات واشتداد التصحر وذوبان جبل الثلوج، ما زال فكرة "الحرية" لإبراهيم الكوني لها أهمية بالغة، إذ أنها تدعو إلى التعايش بين الإنسان والطبيعة من خلال التحرر من كبل الروح.

بخلاصة، إبراهيم الكوني بصفته من أشهر الأدباء في ليبيا حتى العالم العربي تمتاز فكرته بالعمق والأهمية والبصيرة. دعا إلى حرية الروح في الرواية وهذا تأثر بالصحراء وبالصوفية تأثرًا كبيرًا. عند الكتابة، صهر فكرته في القلم لإبراز ما فكر حول العالم كله. فيمكن القول إنه كاتب يتحلى بالإنسانية والمسؤولية تجاه المجتمع.

 

1 - الإمارات - إبراهيم الكوني: غاية المؤلف التعبير عن الوجود'، 2022.02,09، https://menafn.com/arabic/1103666884 /الإمارات-إبراهيم-الكوني-غاية-المؤلف-التعبير-عن-الوجود

2 - ما هي الطهارة،

 http://iswy.co/e29mak

3 - إبراهيم الكوني، التبر، تاسيلي للنشر والاعلام، 1992م، ص112.

4 - تونغ تشينغ بينغ (رئيس التحرير)، منهج نظرية الأدب (الطبعة الرابعة)، دار النشر للتعليم العالي، 2008، ص294.

5 - ما بين الوجود والعدم: بيتٌ في الدنيا، وبيتٌ في الحنين – حوار 6 - مع إبراهيم الكوني، حاورته: بلقيس الأنصاري،

 https://mana.net/al-koni/

7 - Amira El-Zein, Mythological Tuareg Gods in Ibrahim al-Koni's Work, Alif: Journal of Comparative Poetics: 2015(35), p. 211.


عدد القراء: 1477

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-