شارل بودلير: بين معاداة الرومانسية والوفاء لهاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 08:29:27

د. سعيد سهمي

المغرب

لقد شاع عن الشاعر الفرنسي الكبير شارل بودلير أنه قد ظل في شعره معاديًا للرومانسيين، كما جاء على لسانه حين سئل عن موقفه من الرومانسية: "يجب أن أكون أحمق كي أعرف الرومانسية"، وكأنه يجعل من الرومانسيين حمقى، وهو الذي عاش منفردًا ومتفردًا، مغرقًا في الرمزية التي صنف ضمنها والأقرب إلى اتجاه البارناس Le Parnasse، ممقوتًا من طرف الرومانسيين، حيث كان يلقب بالشاعر اللعين Le poète maudit، غير أن بودلير، في الوقت نفسه، قد ظل عاشقًا للرومانسية متبنيًا لأفكارها، متأثرًا بها في شعره، فلا تخلو قصائده من ملامح الاتجاه الرومانسي الذي يميل فيه الشاعر عادة إلى الإغراق في الذاتية، والنزوع إلى الثورة والتعلق بالمطلق واللامحدود.

هذا ما يدفع إلى إعادة قراءة قصائد بودلير في أصولها الفرنسية، على اعتبار دوره الرائد في القرن العشرين وتأثيره في عدد من الشعراء الآخرين الذين جاؤوا بعده في تجارب أخرى غربية وعربية، هذه القراءة من شأنها أن تجعل الاقتراب في شعر بودلير ممكنًا جدًا من الرومانسية وتجلياتها، حيث يقوم شعره في كثير من الأحيان على المثالية التي تتجسد في رؤياه وفي تيمات رومانسية وظفها كالحياة والموت والحب والتأملات الفكرية والفلسفية في طابعها المثالي المحض.

ولد الشاعر شارل بودلير  Charles Baudelaire في باريس عام 1821، وبها توفي عام 1867، عن عمر لم يتجاوز 46 سنة، وقد وجد نفسه في بداياته الأدبية مهووسًا بالأمريكي إدغار ألان بو الذي يبدو أن تأثيره في بودلير ظل حاضرًا، من خلال نزعته التشاؤمية التي طبعت اتجاهه البرناسي (parnassien)، حيث سيهدف في اتجاهه ذلك إلى فرز الشعر والإبداع عن الأخلاق، وقد جسَّد ذلك خير تجسيد ديوانه الشهير "أزهار الشر" الذي اعتبره البعض ثورة على الأخلاق الدينية، وعلى منطق الفكر السائد، وعلى العادات والتقاليد السائدة.

عندما نستحضر القصائد العظيمة لبودلير مثل الإنسان والبحر l’homme et la mer، والعدو l’ennemi، والموسيقا la musique ، وغيرها نجدنا أمام شاعر ينظر إلى الوجود بعين مغايرة، تنفذ إلى العمق الإنساني بما يحمله من معاني تتجاوز المادي والعقلي، إلى المعاني الصوفية والتأملية، وهي معان تبدو قريبة من النزعة المثالية والرومانسية التي تتجاوز حدود الرمزي والنزعة الرمزية le symbolisme التي وجهت بودلير.

إذا كانت الروح الرومانسية تتلخص في الإيمان بالعواطف بدل العقل، والاهتمام بالغامض والمطلق والعجائبي، والافتتان بالحلم، وبالجمال المطلق، وحب المرض والموت أحيانًا، وهي أمور تبدو قريبة من السوريالية، إذا كان الأمر كذلك فإننا نجد جوانب من الروح الرومانسية في شعر بودلير، نحددها في النقط الآتية: الحزن والتشاؤم، استعراض الأنا وتعالي الشاعر.

1 - الحزن والتشاؤم:

بإمكان المتأمل في قصائد بودلير أن يكتشف في معظمها الجانبَ المظلم والأسود في فلسفته الحياتية، وفي رؤياه الشعرية، وهي رؤيا تعبر عن موقفه من العصر الذي يعيش فيه بما كان يعرفه من تناقضات وآلام، أسهم فيها التحول الاجتماعي في فرنسا م بشكل خاص، فولّد على مستوى الحركات الشعرية اتجاهات دالة مثل الرومانسية والسوريالية والدادية (le dadaïsme) وغيرها، وهذا الحزن الكبير والتشاؤم الكبير عبر عنه المفهوم الإنجليزي  Spleen الذي يدل على الكآبة والسواد والسأم، والذي استعاره للتعبير عن ألمه وحزنه، وهو الذي يمثل الجزء الأول من ديوانه، ومن القصائد المعبرة عن النزعة القريبة من المازوشية، وتعذيب النفس الذي يلتقي فيه بالرومانسية قصيدته العدوّ l’ennemi، والتي من أبياتها(1):

شبابي لم يكن سوى عاصفة مظلمة

اخترقتها بعض الأشعة المضيئة

فالأمطار والرعد لم يتركا لي سوى الخراب

ولم يبقيا في بستاني غير قليل من الفواكه القرمزية

ليختم القصيدة بقوله:

يا للألم، يا للألم، الزمن يقتات على الحياة

والعدو الغامض الذي ينهش قلوبنا

من دمنا المسفوح، ينمو ويتقوى

وفي قصيدته الشؤم le guignon نجد موضوعة الحزن مهيمنة جدًا حيث تمتزج مع تيمة الموت كما تغنى بها الرومانسيون، ونلمس ذلك في قوله:

إن قلبي يسير كالطبل المبحوح

الذي يتجه إلى مقبرة معزولة

بعيدًا عن المدافن المشهورة

وهو يقرع الأناشيد الجنائزية(2)

وفيها نلمس طغيان معجم الموت: مقبرة معزولة، المدافن المشهورة، الأناشيد الجنائزية)، ويبدو أن الشاعر الحزين يتحدى هذا الموت، فيقول:

يا فلاسفة يحبون الحياة

أوغلوا في هيكلي دون ندم وقولوا لي

إن كان لا يزال يوجد أيضًا

لهذا الجسد الفاني الخالي من الروح

والميت بين الأموات

مزيد من العذاب(3)

هذا التأمل قاد الشاعر إلى المزج بين الفرح واليأس والألم والأمل، في متقابلات مبنية على التناقض والمفارقة، وذلك ما نجده في قصيدة الموسيقا، التي يقول في نهايتها:

تحملني الموسيقا، غالبًا، كما يحملني موج البحر

نحو نجمي الشاحب

ويقول في نهايتها:

وأحيانًا أخرى أسمعها هادئة ملساء

كأنها مرآة يأسي الكبير(4).

2 - النزعة الذاتية:

إذا كان الشاعر الرومانسي قد فقد الثقة في العالم الخارجي، وانتقل إلى الاهتمام بالأنا عبر النزعة الذاتية، فإن هذا الاهتمام بالذات نجده عند بودلير حاضرًا بقوة في شعره، حيث تهيمن على قصائده هذه النزعة، بما تحمله من معاني الهروب من الواقع والانطواء على الذات، ومحاورتها، واتخاذ موقف منها أو مسافة بينه وبينها، كما في قصيدته معذب نفسه:

سأضربك يا نفسي دون حقد ولا غضب

كما يضرب الجزار وكما ضرب موسى الصخر

وسأجعل جفنيك يتفجران بماء العذاب

لأروي صحرائي(5)

فالشاعر يرى في العالم حشدا من النفور، حثه على الانطواء على ذاته، كما في هذه الأبيات من قصيدة سمو Elévation :

أنت يا نفسي تندفعين بخفة فوق المستنقعات

والأودية والجبال والغابات

فوق الغيوم والبحار وراء الشموس والأثير

وتشقين كالمحراث، وكسباح ماهر تطربه الأمواج(6)

 أو في قصيدته القطرس L’albatros، حيث استعار هذا الطائر للتعبير عن حاله وسط عالم من الغوغاء، يقول:

ما أشبه الشاعر بأمير الفضاء هذا

الذي كان يرد العاصفة ويهزأ بالرماة

إنه على الأرض منفي بين الغوغاء

وأجنحته الجبارة تعوقه عن مواصلة المسير

غير أن ذاتية بودلير من نوع خاص فهو يدعو إلى الذاتية في الجماعة، بمعنى العيش وسط الجماعة والانطواء في الآن ذاته، قريبًا من الناس بعيدًا عنهم، حيث يشعر القارئ لشعره بآلام الآخرين ومعاناتهم، ولعل ذلك ما يفسر الازدواجية  La Dualité في شعر بودلير الغني بتناقضاته، كما في قصيدة البجعة Le Cygne المهداة إلى فيكتور هيجو، حيث يستحضر باريس ومعالمها الحضارية ومتحف اللوفر ويتأمل فيها الناس وحركتهم الدؤوبة:

وأفكر بكل من فقد شيئا لا يمكنه تعويضه

فتدق في صدري ذكرى قديمة كما يدق البوق

أفكر بالبحارة المنسيين فوق جزيرة ضائعة

بالأسرى والمغلوبين وبكثيرين غيرهم(7)،

فخطاب الأنا في شعر بودلير لم يمنعه من الانخراط في الجماعة وآلامها، بل إن ذاته نفسها تائهة وسط زحام هذه الجماعات، ومن ثم يخاطبها في الغالب بضمير "الأنت".

3 - تعالي الشاعر:

تعالي الشاعر يمليه هذا الهروب من الناس وإثبات نوع من الوجودية الخاصة، فالشاعر فوق كل العالم، ومع العالم، هذا التعالي النيتشوي الذي يجعل الشاعر قريبًا من السوبرمان، لا تكاد تخلو منه قصيدة من قصائده، وفي ذلك تفسير للأنا الغالبة على شعره والتي تفسر ابتعادها عن الذات بمفهومها الرومانسي والاقتراب من المعنى الوجودي كما سيتجسد فيما بعد عند سارتر، فالشاعر فوق الكل، لذا نجد نوعًا من النقد الداخلي أو الميتانقد في بعض قصائده المخترقة لشعراء عصره، الذين يشبه بعضهم بالعميان، كما في قصيدته les aveugles:

تأمليهم يا نفسي إنهم حقًا بشعون

كأنهم تماثيل لعرض الأزياء بالتخمين مضحكون

مخيفون كالسائرين في نومهم خارجين عن الطبيعة

ولعل هذا التعالي هو الذي جعله يشبه نفسه في قصيدة l’albatros بطائر القطرس الذي حين يهبط إلى موكب الغوغاء، يعبثون بجناحيه، فيسقط بالهاوية:

وما إن يضع البحارة ملك الفضاء هذا

على ألواح السفينة

حتى يتحول إلى أخرق خجل

يترك جناحيه الكبيرين الناصعين

يجرجران إلى جانبه كالمجاديف..

فواحد يزعج منقاره بغليونه..

ما أشبه الشاعر بأمير الفضاء هذا(8)

 وكأن هذا الطائر الحزين الذي يتقمص الشاعر لم ينتبه إلى قول نيتشه "حين تطيل النظر إلى الهاوية، تنظر الهاوية أيضا إليك وتنفذ فيك"(9).

كما يتقمص الشاعر كذلك سيزيف الأسطوري، وهو يحمل على كاهله أعباء الآخرين، يقول في قصيدته "الشؤم":

لن تغني محبة العمل عن الشجاعة أي "سيزيف"

حتى ترفع هذا العبء الفادح

فطريق الفن طويلة والزمن قصير(10)

ولعل روح الشاعر العالية والحرة لن يسعها إلا البحر اللجي في كبريائه

أيها الرجل، لا أحد يعرف أسرارك المطمورة

يا أيها البحر لا يستطيع أحد اكتشاف خيراتك الدفينة

ذلك هو الشاعر بودلير، الذي يجعلنا نقتنع أن بوثقته في مذهب وأحد كالبرناس والرمزية غير كاف، فالرمزية حاضرة في شعره، والسوريالية حاضرة بدورها، والدادية كذلك، وذلك هو الشاعر الذي يجعلنا نقرأه قراءات متعددة، فهو قريب من الشاعر الصوفي الذي يحوجنا إلى وضع متون  تفصل مذهبه، وتشرح مغالق كلماته، ولكن بودلير لم يسعفه عمره القصير في ذلك، ولم يسعفه ما كان يراه حوله من تناقضات الواقع، وتشرذم الشعراء جماعات وأبابيل، وكثرة المذاهب، سوى أن ينزوي وحيدًا مع نفسه، مخلدًا ذاته في قصائد مغرقة في الوجدان والتأمل والمثالية، ويدخلنا في تيمات قريبة من الوجدان الصوفي، عبر الرمزية والغموض.

فهذا الشاعر يضع القارئ للشعر العربي الصوفي في بؤرة اهتمامه، خاصة أن تبنيه للمذهب الرمزي يجعل شعره مغرقًا في الصور الخيالية النابعة من إحساس مرهف يرى الواقع بعينين اثنين عين ترى فيه ظاهره، وعين ترى فيه باطنه، هذه النزعة الصوفية تحضر في تأملاته للحياة ولمبادئ مثالية حول الحياة والكون والموت، كما الحب، يقول في قصيدة جيفة La Charogne،

عندها يا حسنائي قولي للديدان

التي ستلتهمك بقبلاتها

إني قد احتفظت بالشكل والجوهر الإلهي

لغرامياتي التي تحللت(11).

فلعل في هذا الهروب إلى الموت الذي اختطف الشاعر في شبابه راحة من عذاب الشاعر، ومن حزنه وكآبته التي تتكرر في قصائد متعددة اتخذت مفهوم spleen عنوانا لها، وكأن جسده يعجز عن حمل ثقل الروح بما تفيض به من أفكار عظمى وتأملات قوية وأماني لا حصر لها، وتلخص هذه الهموم هذه الأبيات، التي نختم بها من قصيدته نشيد خريفي Chant d’automne:

سنغوص قريبًا في الظلمات الباردة

فوداعًا يا تلألؤ أضواء أيام الصيف القصيرة

إني لأسمع من الآن سقوط الحطب على البلاط

كأنه إيقاع أنغام جنائزية

سيتغلغل الشتاء كله في كياني

غضب، حق، هول، أشغال شاقة

وكالشمس في جحيمها القطبي

سيكون قلبي كتلة حمراء من جليد(12).

 

الهوامش:

  1. (1) Les fleurs du mal, Charles Baudelaire, https://www.ac-nice.fr/

(2) أزهار الشر، ترجمة حنا الطيار وجورجيت الطيار، www.kulansuryoye.com، بتاريخ 25 ماي 2016، ص. 18،

(3) نفسه، ص. 54

(4) نفسه، ص. 53

(5) نفسه، ص. 61

(6) نفسه، ص. 13

(7) نفسه، ص. 64

(8) نفسه، ص. 12

(9) نيتشه، ما وراء الخير والشر، ترجمة جيزيلا فالور حجار، دار الفارابي، بيروت، ط. 1، 2003، ص. 118

(10) أزهار الشر، ص. 18

(11) نفسه، ص. 29

(12) نفسه، ص. 44


عدد القراء: 693

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-