حول الدولة: دروس بيير بورديو في كوليج دو فرانسالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 09:51:11

د. سعيد بوخليط

مراكش - المغرب

إن إعداد نص الدروس التي ألقاها بيير بورديو في كوليج دو فرانس تفترض عددًا معينًا من الاختيارات المتعلقة بالنشر. تشمل هذه الدروس سلسلة نصوص مكتوبة، وشروح شفوية، وكذا تأملات مرتجلة تقريبًا، حول مسعى وكذا الشروط التي اهتدى بورديو في إطارها نحو تدريسها.

تمزج مرتكزات هذه الدروس بين ملاحظات موثقة بخط اليد، أو مستخلصة من محاضرات وكذا تأويلات على هامش مؤلفات ونسخ مصورة. ملاحظات بيير بورديو حول شروط تلقي آرائه، أمام جمهور غفير ومتعدد جدًّا ملأ المدرج الكبير لـ«كوليج دو فرانس»، تظهر بأن دروسه لا يمكن فقط اختزالها إلى النسخ المكتوبة التي تركها، في نطاق كون عرضها قد يأخذ صيغًا غير متوقعة، حسب تفاعلات إصغاء المستمع. 

هناك حل يحظى بالجدارة الجلية للحياد وكذا الوفاء الشكلي للكاتب يتمثل في إصدار نسخة حرفية وخالصة لمجموع دروسه. لكن لا يكفي فقط إعادة إنتاج الشفهي كي يحافظ على سماته الشفوية، بل يعني جل العمل البيداغوجي المتبلور خلال كل درس. والدرس المنطوق ليس قطعًا  بدرس النسخة ''الصادرة'' مثلما تمكنا من فحص ذلك عبر بعض الدروس حيث تم الانكباب بشكل مستفيض على تسجيلها الجديد، وأحيانًا نقحت كليًّا كي تتحول إلى مقالات صدرت في مجلات علمية. هكذا، فالشكل المنتقى جليًّا للدروس هو أقرب إلى منطق الاكتشاف العلمي من عرض مكتوب، رتب على الوجه الأكمل، نتائج بحث. 

بكل بداهة إذا لم يكن في وسع ناشري هذا العمل أخذ موقع المؤلف بعد رحيله ويؤلفوا بدلاً عنه الكتاب الذي كان بوسعه انجازه انطلاقًا من درسه، فبوسعهم السعي كي تتم على نحو أفضل مراعاة  السمات المتعلقة بشفاهية العرض مما يفترض أن تكون موسومة ويُشعر بها، ثم على العكس من ذلك، ينبغي التقليل قدر ما يمكن من التأثيرات الخاصة بالتدوين .على الناشرين كذلك أخذهم بعين الاعتبار، ضرورة إعطاء  هذا الإصدار كل القوة والضرورة للعمل الذي يقتفى أثره، شريطة عدم  حلوله محل ما يريده المؤلف .كذلك هل توخى التدوين تجنب عقبتي الحرفية والأدبية .وإذا نصح بورديو على الدوام بالعودة إلى كتاباته قصد استيعاب ما يقوله(1)، فقد استثمر أيضًا المعطيات الشفوية وكذا حرية التعبير التي تسمح، أمام جمهور يعلم تعلق  جانب كبير منه، بالتقاط التضمينات واستعادة ثانية للبرهان والاستدلال. 

في فقرة من كتابه ''بؤس العالم''، والمعنونة بـ ''مجازفات الكتابة''، يعمل بورديو على تحليل الانتقال من الخطاب الشفوي إلى الكتابي، كـ"ترجمة حقيقية بل وتأويل''(2). والتذكير بأن: ''الترقيم البسيط، موقع فاصلة" يمكنه: ''التحكم في كل معنى جملة''.

يجتهد نشر هذه النصوص للتوفيق بين ضرورتين متناقضتين لكن غير متعارضتين: الوفاء والمقروئية. إن ''الاختلالات'' غير القابلة للتجاوز، ملازمة لكل تدوين (وبشكل عام، مع كل تغير للسند)، يمثلان بدون شك هنا، مثلما الأمر مع الحوارات التي حللها بورديو ''أساس وفاء حقيقي''، حسب تعبيره.

يحترم توثيق دروس كوليج دو فرانس التدابير التي تبناها بورديو حينما راجع بنفسه المحاضرات والحلقات الدراسية التي خولت هذا الإصدار: تصحيحات أسلوبية طفيفة، صقل لرواسب الخطاب الشفوي (استفهامات، تكرارات، إلخ). أُعيد النظر في بعض مظاهر الإبهام أو التراكيب غير الدقيقة. حينما تنصب الاستطرادات حول التيمة المطروحة للبحث، توضع بين عارضتين، وعندما تنطوي على قطيعة ضمن مجرى الاستدلال، توضع بين قوسين، ولما تكون طويلة جدًّا، قد تصبح موضوع بتر تام. التقطيع إلى أجزاء وفقرات، وكذا العناوين الفرعية، والترقيم، والإشارات التي تحدد المراجع والإحالات هي من إخراج  الناشرين، وكذا المؤشر الموضوعاتي والمفهومي .أما المراجع البيبليوغرافية الموثقة أسفل الصفحة  فتنسب إلى بيير بورديو، وتم إتمامها حينما تبدو غير كافية. ثم أضيف بعضها من أجل المساعدة على فهم الخطاب: شروحات، إحالات، إشارات ضمنية أو جلية لنصوص تستفيض في التأمل. بوسع القارئ الوصول إلى ملحق لائحة المقالات، والمؤلفات وكذا وثائق الاشتغال التي استند عليها بورديو خلال فترة دروسه، والتي وضبت ثانية انطلاقًا من إشاراته داخل العمل وكذا جذاذاته القرائية المتعددة.

أعد بورديو قسمًا من محتوى هذه الدروس وأصدرها بعد ذلك في صيغة مقالات أو فصول ضمن مؤلفات. هذا الأمر أثير الانتباه إليه خلال كل مناسبة. مجموع الدروس تلتها ملخصات وردت في الدليل السنوي لكوليج دو فرانس.

السنوات الثلاث للدروس التي انصبت على موضوع الدولة اختيرت من أجل البدء في طباعة دروس كوليج دو فرانس لأنه، كما سنرى من خلال "وضعية الدروس" عند نهاية الجزء الحالي(3)، يتعلق الأمر بقطعة ضرورية لكنها نادرًا ما تدرك كما هي بين طيات البناء السوسيولوجي عند بيير بورديو. الأجزاء اللاحقة تتمم الإصدار النهائي للدروس خلال السنوات المقبلة في صيغة مؤلفات تعالج إشكاليات مستقلة.

 

هامش:

1 - مفهوم اللامبالاة تم التطرق إليه خلال درس السنة الفارطة (1988 - 1989) واستعيد ثانية في مقالة: ''هل ممكن موقف لا مبال؟ "في: مبررات عملية حول نظرية الفعل، باريس، سوي، 1994، ص 147-.173 انظر كذلك بيير بورديو في: ''قيمة السوسيولوجيا''. باريس، مينوي،1987 ص 124 - 131.  .

2 – بيير بورديو: "حول السلطة الرمزية"، مايو – يونيو 1977، ص 405 - 411 . أيضًا ''اللغة والسلطة الرمزية''، باريس، سوي،2001، ص 201 - 211.

3 – ماكس فيبر: اقتصاد ومجتمع. ترجمة جوليان فروند، باريس، بلون 1971، ص 57- 59. وطبعة ثانية "pocket "1995   ص 96 – 100 ثم "العالم والسياسي"، ترجمة جوليان فروند، باريس، ص 29. 

المصدر:

Pierre Bourdieu : sur l état  ,cours au collége de France (1989 1992),seuil ,2012.


عدد القراء: 1897

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-