علم اللغة.. مقابلات مع جيمس ماغيلفري

نشر بتاريخ: 2020-07-06

المحرر الثقافي:

الكتاب: "علم اللغة.. مقابلات مع جيمس ماغيلفري"

المؤلف: نعوم تشومسكي

ترجمة: داوود سليمان القرنة/ إبراهيم يحيى شهابي

الناشر: العبيكان للنشر

عدد الصفحات: 432

في حين أن هذا الكتاب سيكون ذا أهمية للمختصين، فهو أيضًا موجّه للمستمعين والقراء عمومًا، وربما يبدو العنوان مثبطًا أو مخيفًا، بيد أن إسهامات الأستاذ تشومسكي في المقابلات يمكن أن يفهمها الجميع، وحيث إن القراء يريدون معلومات إضافية أو مساعدة على فهم سبب تبني تشومسكي آراء غير عادية، فقد قدّمت توضيحات واسعة، ومع ذلك، ربما يظل بعضهم يسأل: لماذا ينبغي أن يهتموا بعلم اللغة أساسًا، وبآراء تشومسكي في علم اللغة بوجه خاص؟

في مسلسل حديث لقناة PBS (يناير 2010م) اسمه (الشرارة الإنسانية The Human Spark)، بطولة ألن ألدا Alan Aida جرى استكشاف مسألة كون الإنسان الحديث مميزًا. بالنتيجة، لا بد من وجود مخلوقات تتصف بالصفات البشرية، خلال مئات آلاف السنين، ولكن الكائنات البشرية بدأت بإظهار مقدرتها المعرفية الشهيرة التي تميزنا عن الشمبانزي وغيره من القرود الأعلى مرتبة فقط منذ نحو خمسين ألفًا إلى مئة ألف سنة خلت. نحن نشكل مجموعات غير متماثلة لا تتضمن اتصالاً مباشرًا، أو معرفة مباشرة مع الآخرين، فلدينا علم ورياضيات، ونسعى إلى تفسيرات مطلقة، وأحيانًا على هيئة دين، ونفكر في الأشياء زمنيًا ومكانيّا، وننتج خيالاً وإبداعًا. ونحن ننظم، ونخطط للمستقبل بطرق تتجاوز أي شيء تستطيع القيام به أي مخلوقات أخرى، ونتأمل، ونرسم، ونستخدم أشكالاً أخرى من الإعلام الفني، وننتج الموسيقى ونستمتع بها، ونرى علاقات بين أحداث متمايزة، ونسعى إلى الحصول على تفسيرات موثوقة، وتنتج سياسات جيدة، وهكذا. والنتيجة التي توصل إليها مسلسل PBS هي أن إنتاج اللغة هو بالتأكيد من بين أهم العوامل التي تفسر كيف توافرت لدينا هذه القدرات الشهيرة. لهذه النتيجة معنى قائم على أسس مستقلة، إذ لا يمكن للمرء أن يتأمل في أمور بعيدة وقريبة، ويفكر فيها ما لم يكن لديه طريقة لتركيب عدد غير محدود من الأفكار المعقدة.

فاللغة تمنح المرء هذه المقدرة، إذ لا يستطيع المرء أن ينشئ، وينظم مشروعات تتضمن تعاونا بين الأفراد ما لم يكن لديه وسيلة للتخطيط الجيد للمستقبل، والاستعداد للطوارئ، ولتحديد أدوار معينة، فاللغة تزودك بذلك، فلن يستطيع المرء أن يقوم بعلم من دون البحث عن تفسيرات أساسية واستخدام الرياضيات ووسائل تحديد الكميات بدقة، فهناك سبب وجيه للاعتقاد أن اللغة تقدم لك – على الأقل – مقدرة لعدّ الأشياء ومقاييسها، وما إلى ذلك، وربما تكون الموسيقى مستقلة عن اللغة، فليس ذلك واضحًا. ومع ذلك، من الواضح أنه لا الموسيقى ولا أي شكل آخر من أشكال الفن يمكن أن يقدم لنا الفوائد المعرفية كلها التي تقدمها اللغة، وأن يجعل هذه المنافع متوافرة لدى البشر كافة، الذين يطورون اللغة أساسًا، فإن اللغة هي الطريقة الثابتة للإفصاح عما يعبر عنه العمل الفني، وانها الوسيلة التعبيرية الأولية – المبتكرة.

لذلك، فمن الأسباب التي تدعونا إلى الاهتمام بعلم اللغة أنه ينبئنا بطبيعة اللغات، وبما تعطينا هذه اللغات، ولكن ليست لغات المخلوقات الأخرى، وينبئنا بما يفسر ظهور اللغة وبديات مقدرتنا المعرفية الملحوظة.

ومن المهم، بوجه خاص، أن نفهم آراء تشومسكي في هذه المسائل: ليس لأنه هو الذي ابتكر فعليّا علم اللغة الحديث بنفسه، وأثر منذئذ في أعمال كثير من الأفراد الذين أدخلوا باستمرار مزيدا من التحسينات على هذا العلم، فحسب، بل أيضًا، بسبب ما اكتشفه هو وزملاؤه من أمور تتعلق باللغة –وخصوصًا ما اكتشفوه في السنوات الأخيرة – وتداعيات هذه المكتشفات في مجال الموضوعات ذات الأهمية الواسعة، الموضوعات التي يتبناها تشومسكي في عمله السياسي الشهير، وفي أعماله الفلسفية المهمة على الرغم من أنها أقل شهرة من عمله السياسي. ويرى تشومسكي أن علم اللغة علم طبيعي موضوعي يتعامل مع اللغة بوصفها نظامًا ذا أساس بيولوجي تطور عند الفرد، ثم انتقل جينيا إلى سلالته، وإن التطور الذي يصفه تشومسكي –المختلف تماما عن قصص التطور التدريجي المألوفة المتعلقة بتطور الأنظمة المعقدة – يوضح بطريقة سلسة كيف نشأت اللغة، وهناك تداعيات مهمة لحقيقة أن اللغة (موضوع طبيعي) وأنها نشأت بفضل نوع من التطور الذي يصفه تشومسكي.

ومن تداعيات فكرة نشوء اللغة بصورة تطورية، أنها جعلتنا نوعًا من المخلوقات مميّزًا عن سواه، وربما تفسر لنا – بذاتها– ما هو الإنساني في الطبيعة البشرية فإذا كان الأمر كذلك، فهناك تعليل طبيعي وليس دينيا، ولا تأمليّا يعلل تميّزنا وأصول هذا التميز وإذا كان الأمر كذلك، وبافتراض أن الحاجات الأساسية للمخلوق تعتمد على طبيعته، فإننا سوف نتمكن من اكتشاف أسس طبيعية للآراء المتعلقة بالحياة الجيدة لهذا النوع من المخلوقات. لقد جرى التطرق إلى هذا الموضوع إلى حد ما في البحث، ولكن بصورة تجريبية فقط، مهما كان منظور الأساس العلمي للحياة الجيدة مغريًا: فإن تشومسكي العالم يريد (كما يريد أي عالم) وجود نظرية جيدة لطبيعة الإنسان قبل أن يرغب في تأكيد التزاماته، وليست النظرية موجودة، ومع ذلك، فإن ماهية الحياة الجيدة للكائنات البشرية تُعدّ مهمة جدًا، بحيث تستدعى البحث، وتتطلب، على الأقل، إجابات تجريبية.

يقول جيمس ماغيلفري في مقدمة الكتاب: جوهر هذا الكتاب هو مخطوطة لأربع جلسات مقابلة/ وبحث حظيت بها عام 2004م مع تشومسكي، ولقد حالفني الحظ في يناير من عام 2009م فأجريت مقابلة متابعة حول كمالية الملكة اللغوية، وهو موضوع بارز في برنامج الحد الأدنى Minimalist Program لتشومسكى، وإن الأجزاء ذات الصلة بمخطوطة مقابلة عام 2009م قد وضعت في الأمكنة المناسبة في مخطوطة جلسات عام 2004م.

لا تحتاج إسهامات تشومسكي إلى تحرير كثير، كحذف الأحاديث التي جرت قبل المقابلات وبعدها، بوجه عام، وإزالة بعض البدايات غير الصحيحة ووضع المراجع، وليست هناك إشارة إلى تلك التغييرات، بل أضفت بعض العبارات والكلمات بين حاصرتين مربعتين، حيث بدا لي أن تعليقاته تحتاج إلى بعض التوضيح، ليفهمها القارى العام، وأما مخطوطة أسئلتي الموجهة إلى تشومسكي، وإسهاماتي في البحث فتتطلب مزيدًا من التحرير، ولم أشر إلى التغييرات التي أجريتها عليها.

ويضيف ماغيلفري، كانت جلسات المقابلات غير رسمية، وهي أشبه بنقاش بين صديقين يتفقان على صفقة كبيرة ويريدان استكشاف مضامين ما صار يعرف بـ(اللسانيات البيولوجية)، أكثر مما هي جلسات رسمية، وبسبب ذلك كان النقاش يقفز أحيانًا من موضوع إلى موضوع آخر، ويعيد طرح موضوعات في قرائن مختلفة، لمساعدة القراء الذين لم يألفوا، أو من هم أقل ألفة بمثل هذه القضايا، ويفضلون استمرارًا أكبر وتنظيمًا أكثر، قمت بإعادة ترتيب بعض أجزاء المخطوطة، وقدمت جزأين ينظمان البحث في موضوعات كبرى، وهي علم اللغة والعقل، ودراسة الطبيعة البشرية، وتابعنا في كل منهما خيوط حوار متنوعة متماسكة، ونظم كل خيط فيها في فصل ذي عنوان خاص به، وحذفت بعض الأمور المتكررة، ولكن بعضها لم يحذف، وكان إبقاء هذا التكرار (الاستدعاء الذاتي) يُعلل بأنه يضع موضوعًا سبق بحثه في سياق جديد، حيث نستطيع استكشاف صلته بقضية مختلفة.

ويضيف ماغيلفري، حاولت كذلك أن أقدم نوعًا آخر من العون، إذ من المحتمل أن يأتي القراء إلى هذا النص وهم يحملون افتراضات مختلفة حول اللغة ودراستها، ودرجات متنوعة من الخلفيات في علم اللسانيات وفي فهم تشومسكي للعقل البشري وفي محاولة مني لأساعد القراء الذين يحتاجون إلى بعض الإرشاد، وهم يقرؤون وضعت في صلب متن النص مؤشرات عدة مثل C تشير إلى أن هناك تحليلات وتعليقات في جزء منفصل في الكتاب، ويدل على هذه المؤشرات برقم الصفحة التي وردت فيها في النص، أما عندما تكون هذه التحليلات موسعة، فإني أضعها في الملحقات تحت عناوين تشير إلى القضايا المطروحة، وحاولت خلال هذا العمل، أن أقوم بتعليقات وتحليلات مفيدة قدر الإمكان للمدى الواسع من افتراضات الذين يقرؤون هذا الكتاب وخلفياتهم، وقد راجع الأستاذ تشومسكي النص المحرر والمعلق عليه، وأبدى بعض الاقتراحات، فأدت هذه الاقتراحات إلى تغييرات وتحسينات، وأنا ممتن لذلك كله، وبصورة خاصة للاقتراحات التي أدت إلى تحسينات في تحليلاتي وملحقاتي، أما الأخطاء التي ما زالت موجودة فأنا وحدي المسؤول عنها.

يصف تشومسكي نفسه بأنه عقلاني، ويربط آراءه بتراث طويل في الفلسفة وعلم النفس (بوصفها دراسة للعقل) التي تشمل العلماء الفلاسفة، والفلاسفة أمثال ديكارت، وأفلاطونيي كمبردج في إنجلترا (Descartes, the Cambridge Platonists)، وبعض الرومانسيين (ويلهيلم فون همبولدت Wilhelm Won Humboldt، وأ. دبليوشليغل A.W.Schlegel من بين آخرين غيرهما).

نعوم تشومسكي: أستاذ جامعي (متقاعد) في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا.

جيمس ماغيلفري: أستاذ الفلسفة في جامعة ماك جيل في مونتريال.


عدد القراء: 378

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-