فلسفة اليومي في رحاب الفنالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 17:46:26

ياسمين الحضري اللّحياني

أستاذة جامعية / جامعة قفصة - تونس

الفعل التشكيلي شئنا أم أبينا إبداع، ولادة لحالة، لوضعيّة، بداية لتنظير جديد ومبادئ جديدة إنّه قادر على التغيير وعن إرساء مسارات ويكون سببًا في تقدّم الوجود ومتجذّرًا في اللّحظة الآنية نابع من الحاضر المعيش. إنّ زمن الحياة اليوميّة يرتكز حول الحاضر إنّه زمن بشريّ بامتياز ذلك أنّ الفعل إذا تمّ يصبح أوتوماتيكيّا منتميًا إلى الواقع لا ينفع نكرانه ولا التخلّي عنه لحظة الإنجاز وما يليها وهو يختلف هنا ما بين الفعل الإبداعي والفعل النمطي المتكرّر وعندما يكون إبداعًا فهو بالضّرورة يندرج ضمن ثنائيّة المبادرة والمخاطرة ويفضي إلى التجديد بذلك تنفتح شبكة من المفاهيم المتعلّقة بالفعل وتجسيده في الحاضر كأن يصبح تدخّلاً ومستطاعًا للمغامرة والمخاطرة ولكلّ هذا لا بدّ من وجود فضاء يحتويه ويستوعبه فالفعل يقاس بالزمن وبالكيف ويسقط في فضاء لذلك لا بدّ من فهم دلالات الفعل اليومي وربطه ربطًا وثيقًا بمكان الإنجاز والذي يصبح مادّة محتوية على دلالات ذات فاعليّة إنشائيّة.

بات الفنّ رهين  النظرة اليومية وبات الفنان يتأرجح بين مجموعة من المفاهيم التي يستشفها من حالة الواقع وأحداثه وأزماته المختلفة، برجوع الحدث وإيلائه أهميّة فائقة، عبر الأساليب والتقنيات المعاصرة، فعندما نتحدّث عن الفوتوغرافيا مثلاً كنمط فنّي معاصر فنحن نوغل بطبيعتنا في تفاصيل اللّحظة الجماليّة، نقتفي أثرًا سجّله ووثّقه فوتوغرافيّ يجول بآلته في ربوع الحياة اليوميّة يقتنص لحظات واقعيّة إذن هل يمكن اعتبار هذا الفعل تسجيلا لليومي؟ أم هو مرور باليومي؟ أو هو تعدّ على اليومي؟

 قد يتبادر لذهننا إلى أنّ هذه اللّحظة المقتنصة لصيقة بالزّمن الجمالي إلاّ أنّ الأمر هنا يتعلّق فقط باللّحظة الجماليّة التي يقتسمها المتلقّي وصانع اللّحظة ذاتها فيأخذ الفعل قيمته ووزنه من هذه العلاقة القائمة بين الطّرفين وتكون شرط النجاح والعبور، ولعلّ اللّحظة الجماليّة هي القاسم المشترك بين المتلقّي والقائم بالفعل، هي إحساس وشعور يعتري المرء بقيمة العمل ولا تكون هذه اللّحظة إلاّ بتجسيد العمل ومثوله ليكون وسيطًا بين الطّرفين وهي تتّسع لتشمل التجربة، الخبرة، الموقف واللّذة يعيشها الفنّان أوّلاً، إحساس يملأه أو دعنا نقول انتشاء إن صحّ التعبير "إنّها وثبة هي تلك التي تميّز العمل الفنّي من حيث تفرّده وعدم قابليته للاستبدال، هذه الوثبة هي الانبثاق الخفيّ للعمل الفنّي"1 ، فيكون الاندماج الوجودي في اللّحظة المعاشة أثناء التجربة الفنيّة عندما نتحدّث عن لحظة الكشف، حين يفضح ويفصح الفنّان الأثر فيوغل في لحظة المبدع التي تحايث وترافق العمل أو تسبقه والتي تكون سببًا في إنجازه مع تحقّق لحظة الجمال لدى المتلقّي، إنّها لحظة عابرة، صغيرة قصيرة تكاد تكون لا زمنيّة لا يحدوها فاصل زمنيّ حيث يتوحّد فيها المتلقّي مع الأثر الفنّي ويصيران الاثنان كيانًا واحدًا "فتصير اللّحظة الجماليّة باختصار لحظة رؤيا صوفيّة"2 . هي عمليّة لاقتناص لحظة الإبداع ، إنّها عمليّة أشبه بالصّيد تبدأ بالمطاردة لتنتهي متجليّة ويزجّ بها ضمن خطاب فنّي يستقرّ فيه الفنّان متجاهلاً حدود المكان والزّمان هدفه القبض على تلك اللّحظة التي تتماهى فيها روحه مع أثره الفنّي حيث لا فصل بينهما كأنّنًا إزاء لحظة ولادة يسبقها مخاض عسير تارة ويسير تارة أخرى أشبه بالفاصل بين عالمين، عالم غامض سريّ يمرّ للكشف والمكاشفة عن المنجز والإفصاح عن عورة المنتج الإبداعي وتجلّيه.

إنّ العمليّة ككلّ مرتبطة بآنية اللّحظة الإبداعيّة "الآن" تجعل الطرفين في ترابط حسّي آني يثري ضرورة شبكة العلاقات التّواصليّة خاصّة مع الحفاظ على مبدأ صدم المتفرّج وإرباك توازناته التقبليّة خاصّة مع عودة مكانة "الحدث" ضمن سياقات مختلفة جميعها متاحة ضمن دائرة الفنّ التشكيلي باعتباره مستوعبًا لجميع التخصّصات خاصّة مع فلسفة اليومي والمعيش وفي ظلّ التأثيرات السياسيّة الجديدة وتعاقب الثورات التي منحت حريّة في التعبير على جميع الأصعدة وقد نبرهن هذه النقطة بما جاء في قول المؤرّخ الأمريكي روبرت دارنتين "Robert Darntin" حول سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989 "عليّ أن أعترف هنا أنّني كنت في الماضي من بين الذين يستخفون بالحدث، ولكن حينما وجدت نفسي في لجّة وقائع ثوريّة لم يكن لديّ من بدّ من مراجعة قناعاتي القديمة"3  فقد عاد الحدث ليصبح رهانًا من رهانات العصر ما بعد حداثوي وتطبيقه داخل مجال زمكاني يمنح التأشيرة للمرور ليكون الفنّ وسيلة من وسائل تجسيد الفعل لذات حرّة بعيدًا عن مفهوم التلقين والإملاء قائمة على "المباشرتيّة" وتنوّع أشكال الحضور الجماعي والفردي فنجدهما مندمجان ضمن البنيات العميقة أين تكون الكينونة الإنسانيّة، فالأمر هنا يتعلّق بم تخزنه الذات من ترسّبات ثقافيّة واجتماعيّة وتكون هي المتحكّمة لاحقًا في السلوكيات وارتباطها بثقافة تبرّرها.

نكون هنا إزاء مفهوم التداوليّة والذي يتكوّن لحظة الفعل التشكيلي يهتمّ بإثارة توجّهات المتلقّي ويهدف بالضرورة إلى إقامة شراكة بين الطّرفين "المتلقّي والمؤدّي" فتكون لحظة فعل التلقّي، لكن إذا تحدّثنا عن التجاور في العمل الفنّي المعاصر فنحن نخصّ بالذّكر التجاورات الإيجابيّة في التفاعل سواء في المكان أو الزّمان أو ربّما التجاور بين نتاجات الفنون ما بعد حداثويّة نتيجة للطّفرة التي حصلت على مستوى العالم ككلّ في جميع المجالات فيكون هناك تقاطع بينها أو ربّما تناقض في بعض الأحيان أو تعقيد كذلك لتتجاور كلّها رغم الاختلافات بينها  وهو ما يسمح لإعطاء مساحات فكريّة واسعة ويسمح بتجاور الدّلالات في العمل الواحد. حقيقة هو شكل من أشكال التعاطي الدّائم مع الواقع بمختلف مستوياته الواقعيّة، النفسيّة والإيحائيّة وتختلف سبل المحاكاة وألوانها من فنّان لآخر لتكون الخبرة الذاتيّة أساسًا للعمل، فالفنّان الذي يعي مهمّته التسجيليّة يختلف عن غيره ضرورة لدرجات الانتماء للواقعيّة بل وانتقادها أحيانًا وإعادة تأليفها وإذا كانت الإحالة على المكان لا تخرج عن الإطار الحنيني الذي أشرنا إليه فإنّ ذلك يدعونا إلى التمييز بين المكان الواقعي والمكان الافتراضي الذي يعيشه ويتصوّره الفنّان في خياله أو يعيشه كحالة ولعلّ هذا الاهتمام بالمكان والزمان يكون نابعًا من شعور الفقدان، الاغتراب أو الموت ليلاقي الفنّان ذاته وجهًا لوجه كلّ يوم ليعيش زمنه ويسترجع ماضيه ويثبت وجوده واستمرار فاعليته فبمروره للفعل التشكيلي يحتفل الفنّان بما يعيشه، باليومي متأطّرًا داخل مجالين معيّنين مجال زماني ومجال مكاني ليندرج كلّ هذا ضمن استطيقًا الوجود وفنّ العيش.

قد تضعنا مرجعيّة الحياة اليوميّة واختراقها من الدّاخل أمام تصوّر جديد لعلّه يكون تصوّرًا طقوسيًّا بامتياز وفق رؤية جماليّة إبداعيّة معاصرة وقد يذهب البعض على أنّها محاكاة للموجود ضمن الوجود ونقلاً سطحيًّا لها إلاّ أنّها بعيدة كلّ البعد على هذا المنظور فالدّخول إلى لبّ الواقع والغوص في تفاصيل التفاصيل حتّى الصّغيرة منها من شأنها أن تكشف عن خبايا مخفيّة داخل أركان التّجارب الفنيّة والتي تعطي الإذن نحو الإبحار إلى اللاّمتوقّع واللاّمرتقب إذ أنّ اللاّفت للنّظر في الاعتماد على مرجعيّة الحياة اليوميّة أن يكون الفنّان في علاقة دائمة مع الفعل الفنّي و"الحدث" أين يترك ذاته تتبدّى وتنكشف وفق الصّياغات وكلّ القراءات كما يقحم المتلقّي في هذا العالم ليكتشفا معًا طبيعة العرض وما يؤول إليه بمفاجآته وهو تدريب الإنسان لحضوره في العالم والغوص في الغريب والجريء وقدرته على الحضور والغياب وتسليم الدّور للمتلقّي ثمّ إعادة الإمساك بزمام الأمور قصد التنويع في الأدوار وبالتالي تعدّد المعطيات الجماليّة. ينقل الفنّان  واقعه بكلّ أمانة فشروط "الفعل" تشمل النّزاهة والشفافيّة والابتعاد عن التزييف وعن كلّ أشكال التحريف والتغيير لتصبح التجربة خاضعة لشروط استطيقًا المباشر مستمدّة أو مقتنصة من "اليومي" وهو ما ينسب "إلى اليوم وهو العادي، المألوف، الحادث والواقع كلّ يوم"4  واليومي لا يمكن حصره في التكرار وتعاقب الأحداث ليشمل كلّ ما يعاش على جميع الأصعدة سواء الصّعيد الاقتصادي، الاجتماعي أو الثّقافي ولعلّ كلمة "اليومي" تعكس شيئًا من الرّتابة، الرّوتين الفكري إلى غير ذلك لكن في الحقيقة عندما نغوص داخل كنهه نجد تفاصيل صغيرة قد تكون المخرج والمنفذ من هذا الانغلاق . تكون أغلب الأعمال المعتمدة على اليومي نابعة من أماكن بما تتضمّنه من عمارة، أفكار وتصوّرات تزخر بمجموعات من الأشخاص، تنشأ فيما بينهم علاقات وفي هذا الإطار نذكر الباحث ارفينغ غوفمان الذي اهتمّ بهذا الاختصاص فبحوثه "شملت جوانب متعدّدة من الحياة اليوميّة للمجتمع الأمريكي، كالعلاقات الطّقوسيّة (اليوميّة) بين نساء الحانات والزبائن المدمنين، وما يطبعها من إشارات ورموز وحركات إغراء... وكلّ ماهو مألوف بين جدران الحانة... وكالتفاعلات الحاصلة في محطّات انتظار الحافلة أو الميترو، وما يحدث من استفزازات"5 ،  إذن تصبح المحطّة، الحانة، بمثابة "المخبر" الذي يلمّ تجارب حقيقيّة من رحم الواقع. إنّ الممارسات الحياتيّة اليوميّة للإنسان العادي تخلق أفعالاً بالضّرورة تربط بين الجسد والعالم الخارجي خارجة عن أيّ سيطرة أو توجيهات لكنّها تختلف باختلاف الجوّ العامّ إذ أنّ عالم الحياة اليوميّة مكتظّ بمجموعة من السّلوكيات والتّفاعلات الاجتماعيّة وتعدّ الإشارات والحركات هي الضّامن الوحيد للتّواصل ليصبح الواقعي والمعاش إطار درس وهو ما أنتج فنّانًا معاصرًا محاطًا بنوع من الفرادة والخصوصيّة الفنيّة البعيدة عن المستهلك والرّوتيني خاصّة في اقتسام التّجربة الإبداعيّة واللّحظة الجماليّة مع الغير ولعلّ ذلك من أهمّ ما بلغته المعاصرة كهدف رئيسي، فتجربة الاقتسام "اقتسام الفعل" والتّشاركيّة أو دعنا نقول التّقابليّة من شأنها أن تجد خلاصها في الخصوصي لتظفر بالكوني.    

 

الهوامش:

1 -  هانز جيورج جادامر، تجلّي الجميل، تحرير روبرت برناسكوني، ترجمة ودراسة وشرح سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1997 صفحة 117.

2 - (هذا الفعل يقابله تعبير عن تجسيد لواقع معاش يقدّم مرورًا للزّمن، ربع قرن من الذكريّات تنقل آنا ذاتيّا معاشا لهيئة كما هي باختلاف التسريحات والمزاج وخطوط الوجه، إنّ الأمر هنا يتعلّق بالمظهر الذي يؤكّد وجود الإنسان في الزّمن يتجسّد خاصّة في التعاقب والتكرار في العادات السّلوكيّة اليوميّة فيصبح الفعل هو الوجه المشخّص للزّمن وعادة سلوكيّة تعبّر عن حالة الذّات بالمحيط الخارجي الاجتماعي).

3 -  François Bédarida, L’histoire du temps présent- in sciences humaines, hors série NO 18, 1997, page 31.

 - 4 www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/يومي

 5 - ياسين النصيّر، غير المألوف في اليومي والمألوف، نينوى للدّراسات والنشر والتوزيع، ص99/100.       


عدد القراء: 264

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-