«العقل الجديد» من وجهة نظر العلوم المعرفيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 09:28:20

د. إسماعيل الموساوي

كاتب وباحث في الفلسفة - المغرب

تقديم:

نسعى في هذا المقال إلى مقاربة إشكال من بين الإشكالات التي تم مناقشتها داخل مجال العلوم المعرفية Cognitive science بوصفها مبحثًا علميًا يُعنى بدراسة العقل دراسة علمية ومتكاملة، وهو إشكال: إعادة تشكيل العلوم المعرفية  لمفهوم العقل التي قطعت مع كل التفسيرات الفلسفية التقليدية الأحادية الطرح، سواءً تلك التي تفسر ظواهر العقل وحضوره في الوجود الواقعي عقلانيًا أو تلك التي تفسر وظائف العقل تجريبيًا وحسيًا، مستفيدة من التطورات العلمية المهمة الحاصلة في مجموعة العلوم خلال الحقبة المعاصرة. فإذا كانت جل التفسيرات التي قُدمت للعقل أحادية الطرح وعقيمة التدليل والبرهنة على حقيقته من وجهة مقاربة العلوم المعرفية، فكيف عالجت هذه الأخيرة إشكال العقل؟  وبمعنى أدق: كيف أعادت العلوم المعرفية تشكيل العقل إعادةً تنسجم مع تطور ونتائج العلوم المعاصرة؟

لا يستقيم الحديث عن العلوم المعرفية وإعادة تشكيلها للعقل في نظرنا دون استحضار الدور الذي لعبه كل من الاتجاه العقلي مع ديكارت في حديثه عن دور العقل في المعرفة وإبراز أهميته. والاتجاه التجريبي مع لوك وهيوم في نقدهما لفطرية العقل وإبرازهما لأهمية التجربة والحس والانفعالات.    

ينظر ديكارت إلى أن هناك نظامين للواقع، وهما "الفكر أو الجوهر"1 و"المادة أو الجواهر ممتدة"2، وكلاهما من خلق الإله، ويعتبر بأن الإنسان هو الكائن الوحيد في الوجود الذي يتكون من هذين الواقعتين، فهو من هذا المنطلق جسد أو كائن حي، أي مادة، ومن ناحية أخرى هو "روح" أي فكر، ووظيفة الروح هي منح الإنسان القدرة على خلق الأفكار والأحلام والصور والتمثلاث، مما يجعل ديكارت يقيم اختلاف بين الإنسان والحيوان من حيث أن هذا الأخير لا يملك الحرية في خلق الأفكار لأنه خاضع للقوانين الطبيعة. فإن تصور "ديكارت لطبيعة إنسانية مزدوجة هو الذي وضع ديكارت في خانة النزعة الفلسفية الثنائية"3.

فهذا التصور يضع مشكلاً لازمًا يظهر من خلال سؤال عن كيفية تأثير الفكر أو الروح في الجسد وهما متصلان ومن طبيعتين مختلفتين تمامًا، ولا يمكن اختزال أحدهما في الآخر، فيقول ديكارت بأن محل التقائهما هو الدماغ، وهو ما يسمى في البيولوجيا المعاصرة "بالغدة الصنوبرية"4، وهو ما يسمح له بالتوفيق بين توجهين المثالي والمادي، إذ تمكن من جعل الفكر سابقًا ومتحكمًا في الجسد نظرًا إلى قدرته على الحرية والإرادة، وفي الوقت نفسه اعتبر ديكارت الجسد كآلة تكاد تكون ميكانيكية عندما جعل تأثير الفكر فيه هو الدماغ أي كجسد وبالتالي المادة. أما الفكر هو "جوهر بسيط لا ينحل وبذلك فهو خالد"5،  ومن هنا كان العقل – حسب ديكارت – فطري في الإنسان، فالناس متساوون في امتلاك العقل، بإمكانهم التمييز بين الحق والباطل، ولكنهم مختلفون في طرق استخدامه، من أجل بلوغ المعرفة اليقينية ولهذا يقول ديكارت في كتابه مقال عن المنهج بأن "العقل هو أحسن توزعًا بين الناس (بالتساوي) إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه كفاية"6.

يشكل العقل عند ديكارت المصدر الأساسي للمعرفة اليقينية، فهو يشتمل على أفكار فطرية واستعدادات أولية ومبادئ قبلية سابقة على كل تجربة، كالمبادئ المنطقية والرياضية (مثال فكرة الكل أكبر من الجزء...) وفكرة الكوجيطو نفسها تتحقق بالبداهة العقلية. لذلك فمحتويات العقل قبلية (a priori) تتميز بصفة الضرورة والشمول والوضوح والتميز بعكس المعرفة الحسية تستند إلى الحواس التي قد تخدع أو تخطئ، وبالتالي تنتج معارف جزئية وعرضية ومشتتة.

وعلى نقيض الاتجاه العقلي يأتي الاتجاه التجريبي ينكر فطرية الأفكار والعقل عند ديكارت، كما هو الحال عند جون لوك الذي ينكر وجود مبادئ وأفكار فطرية كما حددها ديكارت، حيث يؤكد أن العقل صفحة بيضاء، ليس فيها شيء سابق على التجربة، يقول جون لوك "لا يوجد في العقل شيء إلا وقد سبق وجوده في الحس"7. والعقل من هذا المنظور حسب لوك لا يعمل إلا بعد أن تتوفر له معطيات التجربة، بوصفها الموارد التي لا يستغنى عنها لكي يمارس العقل نشاطه، من هنا يمكن القول بأن محتويات العقل بعدية (a posteriori) ولكي نحصل على "المعرفة صادقة يجب أن نوجه الفكر إلى الطبيعة الثابتة للأشياء وعلاقتها الدائمة، لا أن نأتي بالأشياء إلى فكرنا8 "كما أنه حسب لوك"من البين أن الفكر لا يدرك الأشياء مباشرة، بواسطة ما لديه عنها من معان"9.

ومن هذا المنطلق كذلك فالعقل لا يكون متساويًا بين الناس، بل مختلفًا باختلاف التجارب الشخصية. لذلك فالعقل غير فطري في الإنسان، وليس مستودعًا لحقائق خالدة ومطلقة وثابتة، بل هو مكتسب يشكل وعاء لمعطيات التجربة الحسية.

أما دافيد هيوم فهو يجعل العقل خاضعًا لمجموع الإدراكات Perceptions وهي الانفعالات والمعاني بلغة لوك، ومن هنا كانت المعرفة عند هيوم "هي مجموع الإدراكات أي الأفكار بلغة ديكارت أو معان بلغة لوك وباركلي، والإدراكات منها انفعالات ومنها أفكار أو معاني بعضها ببعض، وبينها وبين الانفعالات"10، ووظيفة العقل/الذهن هي مجرد "قبول الانفعالات"11، حيث تكون هناك علاقات بين هذه الانفعالات من حيث تكون بعضها علل وبعضها الآخر معلولات، ومن هنا يبن هيوم بأنه ليس هناك شيء في العقل شيء غريزي لأن الحواس تظهر لنا مع تعاقب الظواهر الخارجية.

ففي القسم الثاني من كتاب مقالة في الطبيعة الإنسانية يقول هيوم "لا يمكن أن يحظر في الذهن سوى إدراكات فيلزم أنه من الممتع علينا أن نتصور أو نكون معنى شيء يختلف بالنوع عن المعاني والانفعالات فلنوجه أنفسنا إلى الخارج ما استطعنا، ولتثب مخيلتنا إلى السموات أو إلى أقاصي الكون، فلن نخطو أبدًا خطوة إلا ما بعد أنفسنا"12.

ونفس الأمر يتعرض له هيوم في كتابه مبحث في الفهم البشري إذ العقل في نظره خاضع لإدراكيين يتميزان ويختلفان من درجة القوة والحيوية. أولاً، هي التي نجدها عند هيوم تسمى "بالأفكار أو أديات"13  وهي أقل حيوية، أما الثانية فهي "الانطباعات"14 والمقصود بها حسب هيوم هي كل ما هو أكثر حياة حيث نسمع ونرى ونلمس ونحب ونكره ونرغب ونريد.

ومن هنا حسب هيوم فإن قدرة "الذهن الخلاقة لا تتعدى ملكة التركيب والنقل والزيادة والإنقاص للمواد  التي تزودنا بها الخبرة والحواس"15.

برغم من بسط هذا النقاش حول طبيعة العقل من لدن هذين الاتجاهين إلا أن السبل التدليل المعتمد عليها إلى حد الآن عقيمة وغير مجدية، إذ الأمر يتطلب في نظر الطرفين تقويضهما بمنهج أكثر نجاعة وقادر على تحصيل الحقائق، إذ نجد الاتجاه الأول تبنى طريق العقل، والاتجاه الثاني تبنى طريق الحس، فيختلفا من وجهة نظرتهما للعقل. بحيث "سلم التوجهان معًا بموضوعية الحقيقة، وبقدرة الإنسان على التنظيم العالم المادي بشكل مضبوط و دقيق، وصياغة الظواهر الطبيعية عبر قوانين كلية"16.

إلا أن التطورات التي عرفتها العديد من المباحث ستفضي بالدارسين مع بداية القرن العشرين إلى إعادة النظر في مسألة خلفتها التصورات الحديثة للعقل من قبيل إقامة علاقة حتمية والخطية بين الظواهر، سواء على مستوى الأحداث الطبيعية أو الإنسانية، ومن تمت ستتجه بعض الدراسات إلى مراجعة هذه التصورات المبينة على الحتمية والقطعية التي كانت تنطلق من التسليم بمبدأين أساسين هما17:

• أحادية التفكير الإنساني: تم التسليم بأن العقل الإنساني واحد في طرق تفكير ومسالك استدلالاته. فهو يشتغل وفق قوانين ومبادئ كلية مطلقة.

• الإنسان قادر على تحصيل الحقائق: كل شيء يحدث وفق نظام ثابت ومحدد، بشكل يسمح لنا بالتنبؤ في المستقبل، ومن تم التحكم في مجرى الظواهر الطبيعية والإنسانية. فكانت النتيجة طغيان النظرة الأداتية والحتمية التي تقول بأن كل ما يحدث في الكون يخضع للقوانين علية.

فهذه التطورات الحاصلة في المجال العلمي عمدت إلى التدليل على تهافت الرأي القائل بأن الإنسان يفكر وفق مرجعية كلية، ويستدل وفق أنماط محددة طبعًا ستكون "بضرورة إعادة النظر في أنماط وطرق استدلالاتنا والبداية ستكون باستبعاد تلك التصورات والمقاربات التي ادعت أن فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية يتوقف على التسليم بوجود علاقات حتمية بينها"18، مما ساهم في التخلي عن المفاهيم التقليدية التي كانت تأسر الوجود بثنائية الصدق والكذب وعدم إعمال الفكر للبحث عن بدائل أخرى تخرج البشرية من ضنك الوجود وأسره.

هذا الأمر بدوره سينقلنا في خضم العلوم المعرفية من التساؤل في طبيعة المعرفة إلى طبيعة العقل، وهذا الأمر سيزج بنا في دائرة الحديث عن التفسير السلوكي للعقل وانتقاده من طرف علم النفس المعرفي.

• التفسير السلوكي للعقل وانتقاده من طرف علم النفس المعرفي:

مع بداية القرن الماضي بدأ الوضع الذي ادعت فيه السلوكية استحالة القيام بدراسة علمية لما يقع في العلبة السوداء يتغير، حيث بدأ الطرح يعرف نوعًا من التراجع والاحتشام التي كانت "تفسر سلوكيات الإنسان بالاستناد إلى  معيار المثير والاستجابة"19، فقد فشلت فيما يتعلق بتفسير السلوكيات الأكثر تعقيدًا مثل "التفكير المجرد والإبداع والقدرة على حل المشاكل المعقدة، وأخذ القرار وغيرها"20.

أدى هذا الوضع إلى محاولة إبطال تصورات السلوكيين من قبل علماء النفس المعرفي حيث ركزوا على انتقادهم لمشروع السلوكية القاضي باختزال البحث في السلوك القابل للملاحظة، حيث رفضوا هذا التصور ليقولوا بأن "الموضوع الرئيسي في علم النفس يجب أن يبقى هو مبحث العقل، وأن سلوك الإنسان دليل على وجود العقل"21، ومن هذا المنطلق سيتخلى علماء  النفس المعرفي عن البحث في الأنشطة الذهنية والسلسلات المعرفية. وقالت بأن التفسير المبني على العلاقة السببية وبين المثير والاستجابة يبقى محدودًا وضعيفًا، ومن هذا المنطلق "أصر علماء النفس المعرفي على خطأ التصور القائل بأن العقل علبة سوداء مغلقة"22.

ومن هنا سيدخل علماء النفس المعرفي قضايا العقل ضمن أولوياتهم، وسيتوازن هذا التصور مع مجموعة من الأبحاث التي أنجزت في مجموعة من الحقول المعرفية أخرى، وعليه أكدت دراسات في هذا المجال على أهمية الظواهر والوقائع التي تحصل بين المثير والاستجابة، أي تلك العمليات العقلية التي تكون فاعلة على مستوى الصلة بينهما، والتي تلعب دورًا هاما في الدلالة على كل فعل يأتيه الإنسان، وعلى هذا، سيتم نزع الطابع الآلي عن هذا المعيار ليحتفظ بدور إيجابي وفعال يتمثل في التفاعلات التي يقيمها الفرد بين المثيرات الداخلية والأفعال الخارجية.

وعلى هذا الاعتبار سيتم تعويض مفهوم السلوك بمفهوم المعلومة لأن الأول لم يعد يفي بالغرض المطلوب، فأصبحت المفاهيم التي رفضتها السلوكية باعتبارها مفاهيم لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر مفاهيم تتوقف عليها مقومات العقل.

بالإضافة إلى هذا النقاش المفتوح في علم النفس، هناك نقاش آخر حول نفس القضية في مجموعة من التيارات العلمية من قبيل الفلسفة العصبية ونظرية "المظهر المزدوج" Dual aspect theory، والنزعة الوظيفية ونظرية الانبثاق23.

• الفلسفة العصبية (النزعة السلوكية والنزعة الإقصائية):

هذه المدرسة تعتبر كل العمليات العقلية أو الفكرية التي يقوم بها الإنسان يطابقها نشاط عصبي يمكن وصفه من خلال عملية فيزيائية وكيميائية، وهو ما يعني أن معرفة أحدهما تعفينا من معرفة الثاني لأنهما، بمعنى ما، شيء واحد، ويمثل هذا الاتجاه "بول وباتريس تشورتشلاند" paul et patricia chourchland اللذان يزعمان أن الفكر ليس سوى تفاعلاً بين الخلايا العصبية أو العصبونات ومن تم وجبت دراسة الفكر حسب هذه المدرسة في مجال العلوم العصبية neurosciences.

حيث صاغ بول تشورتشلاند نظرية تدعى المادية الإقصائية Eliminative theory التي تنفي وجود أي حالة ذهنية، مثل الفكر والوعي والمشاعر والأفكار، بالنسبة إلى العالم التجريبي، وإذا كانت هذه الألفاظ متداولة بين الناس فليست في الأصل سوى وقائع عصبية. أما الاستعمال مثل هذه الألفاظ راجع إلى عدم قدرة الناس على وصف العمليات العصبية الحقيقية.

أما باترس تشورتشلاند فتقر إلا أنه يجب إقصاء كل نزعة نفسية لمصلحة العلوم العصبية.

وقد وجه لهذا الاتجاه العديد من الانتقادات على اعتبار أن هذا التصور يحمل طابعًا اختزاليًا مفرطًا، في مسألة اختزال ما هو عقلي في ما هو عصبي.

• نظرية المظهر المزدوج dual aspect theory:

ينطلق هذا الاتجاه من فكرة قوامها أن هناك تطابقا بين الجانب الذاتي المتلخص في الانطباعات والوعي والمشاعر، والجانب الموضوعي، أي الأنشطة الكيميائية والفيزيائية والبيولوجيا للدماغ، وتقول بأن الظواهر الفيزيائية تسبب الظواهر النفسية، وهذه الأخيرة لا تتسبب في شيء، ويمثل هذا الاتجاه كل من طوماس نيجل وفرانك جاكسون.

مثلت هذه النظرية في الحقيقة رد فعل على التصور الإقصائي الذي يطابق بين الفكر والدماغ، فعلى الرغم من أنها تقر بأن الأفكار لها دعامة مادية فإنها لا تقبل اختزال الفكر في الدماغ أو مطابقته مع العمليات الدماغية، ومن ثم فإن هناك وجهين للعملة نفسها لا يقبلان القسمة، مثل الورقة النقدية لها وجه موضوعي والآخر ذاتي.

• النزعة الوظيفية 24: 

انتقدت اتجاه النزعة المادية والنزعة السلوكية اللتين تنكران صفات العقل كالوعي والقصدية، مع محاولة تجنب الذاتية، تزعم دراسة الفكر من دون الاهتمام بدعامته المادية لأن الفكرة الواحدة يمكن التعبير عنها باعتماد دعائم فيزيائية مختلفة جدًا، إذ يمكن أن نتلفظ أو نكتب العبارة نفسها أو ننحتها أو ننقشها، فلا نهتم إلا بمضمون الرسالة الذي يظل هو نفسه. يمثل هذا الاتجاه كل من جيري فودور وهيلاري بوتنام، وإن كان هذا الأخير قد غير رأيه فيما بعد25.

ويقوم هذا التصور على فكرة أساسية هي من ممكن قياس الزمن سواء بالساعة الميكانيكية أو ساعة الكوارتز، أو ساعة شمسية أو مائية، لكننا في آخر المطاف ننجز نفس الوظيفة. بمعنى أننا نستطيع تنفيذ الوظيفة نفسها بمعدات ووسائل مختلفة تمامًا، من دون أن نصف الدعامة المادية وصفًا شاملاً، وهذا هو ما يعبر عنه هيلاري بوتنام بقوله "إن اشتغال الآلة الحاسبة، وفق النزعة الوظيفية، مثلاً يفسر عن طريق فيزياء الآلة الحاسبة"26، أما جيري فودور فقد استبدل مفهوم العقل بمفهوم الفكر من أجل تجنب النزعتين الاختزاليتين، النزعة السلوكية المنطقية والنزعة المادية الفسيولوجية، وذلك من خلال وصف الفكر بالاعتماد نموذج الحساب Computation باعتباره يماثل بين الخصائص الوظيفية للجهاز العصبي والخصائص الفيزيائية للجهاز الآلي، لأن هناك تماثل في نظره، بين الحالات النفسية للجهاز العصبي والحالات المنظمة للآلة الحاسوبية.

• التصور الطبيعي البيولوجي:

ينظر إلى الفكر باعتباره حالة عصبية لكنها توجد في مستوى من مستويات الدماغ المختلفة، يمثل هذا التصور جون سيرل، إذ ينظر هذا الاتجاه إلى الفكر باعتباره يحتاج إلى دعامة عضوية لكنه يشكل خاصية "منبثقة" من مجموع الخلايا العصبية وليس خلية عصبية واحدة. كما هو الحال في الماء الذي ينبثق من تركيبة الأكسجين والهدروجين، لكنه لا يمكن أن نجد خصائص الماء في أحد هذين المكونين منعزلاً، بمعنى أن العملية الذهنية تنتج من تفاعل الخلايا العصبية.

وعليه، يتضح لنا أن هذا التصور هو تصور قصدي يرفض اختزال الجانب الفكري في الجانب الفيزيائي لأن كل علم يعالج الوقائع في مستوى معين من التحليل أو تطور الواقع، وعليه يعرف سيرل القصدية في كتابه القصدية بحث في فلسفة العقل (1983)Intentionalitiy an Essay in The Philosophy of Mind بأنها هي تلك الصفة للحالات العقلية والأحداث المتعددة التي بها يتم توجيه هذه الحالات والأحداث، أو حول موضوعات وحالات في العالم، أنا على سبيل المثال، لدي اعتقاد فإنه لا بد أن يكون كذا وكذا حول هذه الحالة، إذا كان لدي خوف، فيجب أن يكون خوفًا من شيء ما، أو شيء ما  سوف يحدث، إذا كانت لدي رغبة، فيجب أن تكون رغبة لفعل شيء ما، أو شيء ما ينبغي أن يحصل أو مثل هذه الحالات. إذا كان لدي قصد، فيجب أن يكون قصد لفعل شيء ما، وهكذا من خلال عدد كبير من الحالات الأخرى27. كما لا يجب أن نعتبر العلاقة بين علم النفس والعلوم العصبية علاقة خضوع بل اختلاف من حيث المقاربة طبقا لاختلاف مستوى تنظيم المادة.

فسيرل يرى طبيعة الفكر والدماغ متميزة إلى حد يجعل مقارنتها بأي شيء سواء كان عضوًا أو حاسوبًا كما تزعم النزعة الوظيفية، أمرًا مآله الفشل إذ نجد في كتابه إعادة اكتشاف العقل قد وجه نقدًا شديدًا لتصورات المادية سواء في الفلسفة أو في العلوم المعرفية من حيث أنها لا تلتزم بالموضوعية ولأنها كذلك تجرد النشاط الذهني من خصائصه الأساسية: الوعي والقصدية والذاتية، فسيرل يرى أن فلسفة العقل أهم المشكلات الفلسفية والعلمية المعاصر،  إنها انتقال من فلسفة اللغة إلى فلسفة العقل، لأن هذا الأخير يماثل الجسد إن لم نقل إنه هو، إذ يمثل الوسيط بيننا وبين المحيط أو العالم المادي. إذ أصبح التساؤل حول الجسد تساؤل حول الخصائص الجوهرية للإنسان، إنه إعادة صياغة السؤال التقليدي ما الإنسان؟

إن الدماغ في نظر سيرل عضو حي لكنه لا يختزل في مجموعة من المدارات الكهربائية، ومن ثم فالوعي ليس وهما بل هو صورة الفكر، ويقر سيرل أنه يمكن مقاربة الوعي انطلاقًا من خاصية الانبثاق في الدماغ، ويقول بأن خطأ هذه التصور راجع بالأساس إلى إسقاطها نماذج تفسيرية من مجالات علمية مختلفة، على مجال معرفي مغاير.

تدافع النزعة الواقعية القصدية لجون سيرل عن العلاقة المزدوجة بين الحالات الذهنية التي تحدثها عمليات الدماغ وبين تلك التي تحقق في بنية الدماغ وهو ما عبر عنه جون سيرل في كتابه العقل قائلاً "تكمن أطروحتي في كون الظواهر الذهنية مؤسسة بيولوجيا: إنها تحدث في الوقع نفسه عن طريق الميكانيزمات الدماغية وتتحقق في بنية الدماغ. من هذا المنطلق يرجع الوعي والقصدية إلى البيولوجيا الإنسانية تمامًا مثل الهضم والدورة الدموية (...)، لا يكمن الحل الصحيح لمشكل الفكر والجسد في إنكار واقع الظواهر العقلية بل في التقدير الصحيح للطبيعة البيولوجية"28؛ لأن الوعي والحالات الواعية هي نفسها سمات تحدث على مستوى الدماغ. وعليه، فإن الوعي حسب سيرل ظاهرة بيولوجية، ويجب التفكير في الوعي كجزء عادي من تاريخنا البيولوجي29.

إن جون سيرل يحافظ على التمييز بين الدماغ والفكر إذ نجده يعرفه بـ"متواليات الأفكار والأحاسيس والتجارب الواعية أو الغير الواعية التي تشكل مجتمعة حياتنا الذهنية"30، ومن هنا يعارض جون سيرل النزعات السلوكية والوظيفية والنفسية التي تنكر امتلاك الإنسان الحالات الذهنية سواء واعية أو غير واعية، لأن الوعي، في نظر سيرل، هو المحدد الجوهري للوجود الإنساني لأنه يمنحه الدلالة  ويميزه عن الآلة أولاً وعن باقي الموجودات غير الواعية.

 

الهوامش:

1 - تيبس يوسف، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، عالم الفكر، 2009، العدد 4 المجلد 37 أبريل، ص: 42.

2 - نفس المرجع، ص: 42.

3 - نفس المرجع، ص: 42.

4 - نفس المرجع، ص: 42.

5 - تيبس  يوسف، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، عالم الفكر، 2009، العدد 4 المجلد 37 أبريل ، ص: 43.

6 - ديكارت، 1985، ، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، الهيئة المصرية للكتاب، الطبعة الثانية،  ص: 161.

7 - كرم يوسف ، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، الطبعة الخامسة، ص: 136.

8 - كرم  يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، الطبعة الخامسة، ص: 146.

9 - نفس المرجع، ص: 148.

10 - نفس المرجع، ص: 173.

11 - نفس المرجع، ص: 174.

12 - نفس المرجع، ص: 177.

13 - دافيدهيوم، 2008، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، الطبعة الأولى، ص:38.   

14 - دافيد هيوم، 2008، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، الطبعة الأولى ، ص: 38.

15 - دافيد هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، الطبعة الأولى 2008، ص: 39.

16 - الباهي حسان ، 2012، الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة، حنكة الآلة أمام حكمة العقل، إفريقيا الشرق  ص: 40. 

17 - نفس المرجع، نفس الصفحة.

18 - نفس المرجع السابق، ص: 41.

19 - نفس المرجع، ص: 44.

20 - نفس المرجع، نفس الصفحة.

21 - نفس المرجع، نفس الصفحة.

22 - نفس المرجع، ص: 44/45.

23 - إن حديثنا عن هذه التيارات سيستند على مقال رصين في هذا السياق للدكتور:  يوسف تيبس، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، عالم الفكر،2009، العدد 4 المجلد 37 أبريل، وتجدر الإشارة إلى أن توظيفنا لهذه التيارات  سيكون بتصرف.

24 - إن المقصود بالوظيفية عند بوتنام ليس المدرسة الوظيفية الفرنسية التي ظهرت في اللسانيات والعلوم الاجتماعية.

25 - برزت الوظيفية في صور عدة منها الوظيفية الآلية "وظيفة الآلة" مع هيلاري بوتنام الذي نظر إلى الحالات العقيلة على أنها تشبه الحالات الوظيفية أو المنطقية للحاسوب في مقاله "العقول والآلات" 1960، ثم عاد وأنكرها، وقد تخلى عن الوظيفة بعد أن أخفقت في الكشف عن الطبيعة الحقيقة لحالات العقل في مقاله "التمثل والواقع" 1988.

27 - تيبس  يوسف، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، عالم الفكر، 2009، العدد 4 المجلد 37 أبريل، ص: 52.

28 -  Searle John ]1983[ Intentionality : An Essay in The Philosophy of Mind, Cambridge University Press,p :1

29 - جون  سيرل، العقل، مدخل موجز، سبتمبر 2007، ترجمة د.ميشيل حنا متياس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 343، ص: 14.

 Searle john (2000), Conciousness And language, cambridage university press, cambridage, p :8

   جون سيرل، العقل، مدخل موجز، سبتمبر 2007، ترجمة د.ميشيل حنا متياس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 343، ص: 94.

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة:

المصادر والمراجع باللغة العربية:

- ديكارت، 1985، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، الهيئة المصرية للكتاب، الطبعة الثانية.

- كرم يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، الطبعة الخامسة،.

- دافيد هيوم، 2008، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة: موسى وهبة، دار الفارابي، الطبعة الأولى.

- الباهي حسان، 2012، الذكاء الصناعي وتحديات مجتمع المعرفة، حنكة الآلة أمام حكمة العقل، إفريقيا الشرق.

- جون سيرل، العقل، مدخل موجز، سبتمبر 2007، ترجمة د.ميشيل حنا متياس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 343.

المصادر والمراجع باللغات الأجنبية:

- Searle John ]1983[ Intentionality : An Essay in The Philosophy of Mind, Cambridge University Press.

- Searle john ]2000 [, Conciousness And language, cambridge university press, cambridge.

المجلات:

- تيبس يوسف، تطور مفهوم الجسد: من التأمل الفلسفي إلى التصور العلمي، عالم الفكر، 2009، العدد 4 المجلد 37 أبريل.


عدد القراء: 2766

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة Yassine ayoube من المغرب
    بتاريخ 2019-07-12 15:19:46

    تحياتنا للأستاذ إسماعيل على المقالة الممتعة والشكر موصول للمجلة الفكرية التي تمنح الفرص لنشر مثل هذه الأفكار لهؤلاء الشباب

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-