الضجيج.. عيب في الحكم البشري

نشر بتاريخ: 2021-11-14

المحرر الثقافي:

الكتاب: الضجيج.. عيب في الحكم البشري

المؤلف: دانيل كانيمان وأوليفير سيبوني، وكاس سنشتين

الناشر: Little, Brown Spark

تاريخ النشر: 18 مايو 2021

اللغة: الإنجليزية

عدد الصفحات: 464 صفحة

تخيل أن طبيبين يقدمان معلومات متطابقة عن نفس المريض يعطيان تشخيصات مختلفة للغاية. سبب ذلك، اختلاف توقيتات التشخيص، الأطباء قاموا بتشخيصهم في الصباح أو بعد الظهر، أو في بداية الأسبوع أو نهايته.

هذا هو "الضجيج" – سبب اختلاف الأحكام البشرية – الذي تناوله دانيال كانيمان، أحد أشهر علماء النفس في العالم والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2002، في كتابه الأخير، "الضجيج.. عيب في الحكم البشري"، كتاب عن قرارات الإنسان الخاطئة يلخص الكتاب مدى ارتباط الحالة المزاجية للشخص بحسن تقدير قراراته. الكتاب، يدقق في مكنونات العقل البشري و"ما بعده"، بهدف استكشاف الوسائل التي يوظفها الإنسان عند اتخاذ قراراته.

شارك في تأليف الكتاب، مع "دانيل كانيمان" أستاذ علم النفس بجامعة برينستون والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2002، كلاً من "أوليفير سيبوني" كاتب ومستشار في عمليات صنع القرار ويُدرّس في HEC Paris، و"كاس سنشتين" الأستاذ في جامعة هارفارد.

اختلاف الأحكام باختلاف المزاج

كتب المؤلفون: "لقد لاحظنا جميعًا أن أحكامنا يمكن أن تعتمد على ما نشعر به، ونحن بالتأكيد ندرك أن أحكام الآخرين تختلف باختلاف مزاجهم أيضًا. قد يفرض القاضي حكمًا قاسيًا على المتهم الجنائي جزئيًا لأن الطقس بائس في الخارج. وقد يقرر الطبيب إرسال مريضة إلى المنزل بدلاً من طلب مجموعة من الاختبارات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الوقت متأخر بعد الظهر وهي متعبة قليلاً. وقد تقرر مديرة تنفيذية في الشركة المضي قدمًا في مشروع محفوف بالمخاطر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها قضت عطلة نهاية أسبوع رائعة مع عائلتها".

ولقياس تأثير المزاج على إصدار الأحكام والقرارات، يتم وضع مجموعة من الأشخاص تحت الاختبار والتحكم في مزاجهم سواء بالسعادة أو الحزن مؤقتًا، وقياس التباين في أحكامهم وقراراتهم بعد إحداث هذه الحالة المزاجية.

أظهرت الدراسات أنه يمكن أن يكون للمزاج الجيد أو السيئ تأثير كبير على أحكام الناس. حيث نشر عالم النفس الأسترالي جوزيف فورغاس حوالي 100 ورقة علمية حول موضوع المزاج. وتؤكد بعض أبحاث الدكتور فورغاس ما تعتقده بالفعل: الأشخاص الذين يتمتعون بمزاج جيد أكثر قبولاً للناس، فهم أكثر كرمًا ومساعدة، وأحكامهم أكثر تفاؤلاً.

الحماقات الإدارية

أحد المؤلفين، وهو "كاس سنشتاين"، كان قد أشار في كتاب سابق له، بعنوان “الدفعة”، إلى أن التحفيز الرقيق، وليس الأوامر، هو الذي يدفع الإنسان إلى السلوك الحسن. وكشف سيبوني عن "الحماقات الإدارية" في كتابه: "إنك مقدم على قرار جد خاطئ".

أما دانيال كاهنيمين، فهو قائد هذه الفرقة الثلاثية المشرفة على الكتاب الجديد، وكان قد أصدر كتابًا بعنوان "التفكير.. بسرعة وببطء" الذي كشف فيه عن التفاعلات المعقدة بين "عقلي الإنسان": العقلاني (أو الرشيد) والحدسي. ودارت فحوى تلك الكتب حول محور أساسي: إن الإنسان لا يدري في الواقع ما الذي يفعله، إلا أنه ينفذ الأمور كأنه يعرف ذلك. ويبدو ذلك كأنه لا يكتسب أحيانًا أي أهمية لأن أوهامنا يمكن أن تشكل قوة إيجابية فعلاً، بل حتى مبدعة… لكن تلك الأفعال قد تحمل في أحيان أخرى أهمية كبرى.

إن الإنسان قد يتخذ قراراته نتيجة عوامل غير عقلانية، وأخرى لا تمت بصلة إلى القرار. وقد رصدت حالات في السبعينيات من القرن الماضي لتفاوت أحكام القضاة الأمريكيين على جرائم متشابهة. وقد ساد اعتقاد آنذاك بأن ذلك راجع إلى التحيز إما بسبب التمييز العنصري أو بسبب ازدراء الحاكم للمتهم… إلا أن الكتّاب يعتقدون أن الأخطاء تحدث بسبب أحداث وتأثيرات عشوائية يطلقون عليها مصطلح “الضجيج”.

ويشير الكتاب إلى وجود كثير من "الضجيج" في حياتنا المعاصرة، بحيث ربما يكون من الصعوبة ممارسة الحياة! فهذا الضجيج هو الذي يقود الأطباء إلى وضع تشخيصات مختلفة لأعراض الحالة المرضية نفسها، كما أنه يدفع خبراء التوقعات لوضع توقعات متباينة. وفي الإدارة، يدفع الضجيج المديرين إلى قبول أو رفض الموظفين الجدد، وإلى سوء تقييم عمل الآخرين… بل حتى إلى وقوع أخطاء لدى محللي بصمات الأصابع. فهناك، حيث يجب اتخاذ القرار… يوجد الضجيج.

مشكلة الحدس

يقدم الكتاب فكرة أساسية يمكنك تطبيقها على اتخاذك للقرار: قاوم، "الحدس السابق لأوانه" – الشعور بأنك "تعرف" شيئًا حتى لو لم تكن متأكدًا من سبب معرفتك.

في بعض الحالات، يكون الحدس مفيدًا جدًا في اتخاذ قرارات فورية. في المواقف الأخرى الأقل حرجًا، يقول كانيمان إن الأحكام المستندة إلى المشاعر البديهية تحتاج إلى الانضباط والتأخير.

ينصح بالعمل على الحدس فقط بعد أن تقوم بفحص متوازن ودقيق للأدلة. اجمع قدر الإمكان تلك الأدلة من مصادر متنوعة، ومن الأشخاص الذين أصدروا حكمهم المستقل على الأدلة.

قال كانيمان إنه بدون هذا، يمكن تضخيم الضوضاء بسهولة.

انتقل إلى الذكاء الاصطناعي

أحد ردود الفعل على انتشار الضوضاء في الأحكام هو اللجوء إلى الآلات، وترك أجهزة الكمبيوتر تقرر.

لم يكن كانيمان متحمسًا بعد. وهو يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سينتج عنه مشكلات كبرى للبشرية في العقود القليلة القادمة، وهو ليس جاهزًا للعديد من المجالات التي تتطلب الحكم.

على المدى الطويل، فإنه يرى عالمًا قد "لا نحتاج فيه إلى أشخاص" لاتخاذ العديد من القرارات. بمجرد أن يصبح من الممكن هيكلة المشكلات بطرق منتظمة وتجميع بيانات كافية حول هذه المشكلات، يمكن أن يصبح القضاة البشريون غير ضروريين.

حتى ذلك الحين، هناك الكثير مما يجب فعله للحد من الخطأ البشري من خلال تحسين الحكم البشري، بدلاً من القضاء عليه عن طريق الاستعانة بمصادر خارجية للقرارات للآلات.

ستساعد معرفة الضوضاء (والتحيز) في تحقيق هذا الهدف.

مقترحات

ولإقصاء هذا الضجيج، يقترح الكتاب على المدرسين والأطباء والحكام وضع قائمة بالجوانب المتعلقة بأحكامهم قبل اتخاذ القرار… كما يقترح على الشركات "وضع استراتيجيات لخلق جو صحي نظيف لاتخاذ القرارات، ووضع أطر بنيوية صارمة لمقابلات التوظيف".

وبينما يشعر مؤلفو الكتاب أن هذه المقترحات تبدو ميكانيكية، وحتى غير إنسانية، فإنهم يؤكدون أنه سيكون أمرًا غير إنساني عدم استخدام قائمة بالجوانب المتعلقة باتخاذ القرار للحكام والأطباء خصوصًا، إذ إن أي قرار قضائي أو طبي خاطئ سيؤدي إلى نتائج مأساوية.


عدد القراء: 152

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-