العالم بعـد كورونا: عِـبَـر وإعـادة نظـرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 05:12:42

أ.د. مهند الفلوجي

لندن

جميع المحللين يؤكدون أن العالم بعد فيروس كورونا لن يكون كما كان قبله: ستتغير مناحي الحياة اقتصاديًا واجتماعيًا وطبيًا وتوظيفيًا.

كورونا: من ضيف ثقيل لنارٍ في الهشيم

من مختبر وهان بالصين انتقلت العدوى لإيران وإيطاليا وكوريا الجنوبية. والمصاب الأول بالكورونا (المريض صفر Patient Zero) هو الذي نشر العدوى كنارٍ في الهشيم. أسهمت شركة طيران ماهان الإيرانية بانتشار كوفيد-19 في أنحاء الشرق الأوسط، منتهكة قرارات الحظر العالمي للطيران مئات المرات بين أواخر يناير ونهاية مارس، من خلال تسيير رحلات من وإلى إيران والعراق والإمارات العربية المتحدة وسوريا ولبنان. واتهمت إذاعة BBCعربي نيوز في مايو 2020 طيران ماهان الإيراني كمتهم "بنشر" الوباء في الشرق الأوسط. لذا منعت دول عدة الرحلات القادمة من إيران في فبراير، ومارس، بعدما صارت إيران بؤرة انتشار الكورونا بالشرق الأوسط. ويعتقد أن حجم العدوى في إيران أكبر بكثير مما تشير إليه الأرقام الرسمية. وقد عمّقت عدوى نائب وزير الصحة المخاوف من انتشار الفيروس بالفعل على نطاق واسع.  ففي فيديو المؤتمر الصحفي، ظل نائب وزير الصحة يمسح تعرق جبينه (بسبب الحمى) مما استوجب فحصه وكان موجبًا لفيروس كورونا.

وسجلت كوريا الجنوبية 1261 إصابة توفى منهم 11 شخصًا مع أكبر عدد إصابات خارج الصين وكان كنيسة يسوع شينشينجي في دايغو Shincheonji Church of Jesus in Daegu إحدى بؤر الإصابة (استوجب اختبار جميع اعضاء الكنيسة وعددهم يربو على 215 ألف عضو). وتحولت القواعد العسكرية الأمريكية في البلدان المصابة إلى كوابيس مثل كوريا الجنوبية حيث صارت بؤرة وباء عليها وعلى أمريكا. يتمركز حوالي 28,500 جندي أمريكي في كوريا الجنوبية (كرادع ضد كوريا الشمالية). وأكد الجيش الأمريكي إصابة أحد جنوده المتمركزين في كوريا الجنوبية كأول إصابة لفرد جندي أمريكي في القاعدة الأمريكية ومنه ومن أمثاله انتشر المرض من قواعد أمريكا لأمريكا.

وإيطاليا أضحت بؤرة لانتقال المرض لعموم أوروبا. انتقلت عدوى الكورونا لأول مرة بعد إيطاليا إلى النمسا، أعقبتها إصابة عدة بلدان أوروبية بأولى حالات إصابة بالفيروس التاجي. وأكدت النمسا وكرواتيا واليونان وسويسرا أن هذه الحالات تتعلق بأشخاص كانوا في ايطاليا. وصارت ايطاليا أكثر الدول تضررًا في أوروبا. وفي المملكة المتحدة، أُعيد أطفال المدارس من عطلات شمال إيطاليا إلى ديارهم. وقالت سويسرا إن رجلاً في السبعين يعيش في تيسينو، المتاخمة لإيطاليا، أصيب بالعدوى في ميلانو، مما استوجب عزله. في جزيرة تينريف الإسبانية، تم حبس مئات الضيوف في فندق بعد أن تم فحص طبيب إيطالي وزوجته إيجابيًا للفيروس وأبلغت إسبانيا عن أول حالة لها تتعلق بامرأة في برشلونة كانت في شمال إيطاليا. أكدت اليونان إصابة أول امرأة عادت من شمال إيطاليا، وأكدت فرنسا وفاة أول رجل فرنسي (60 عامًا) كثاني وفاة في البلاد بعد وفاة سائح صيني (عمره 80 عامًا) هناك في وقت سابق. أبلغت فرنسا وألمانيا عن حالات جديدة تتعلق بأشخاص كانوا مؤخرًا في شمال إيطاليا. ومن إيطاليا أيضًا استشرى المرض لأمريكا اللاتينية حيث أصيب رجل برازيلي (عمره 61 عامًا) بفحص موجب في ساو باولو وكان قادمًا من شمال إيطاليا. وصل الفرد للبرازيل في ذروة الاحتفالات الكرنفالية (الصورة)، حيث يسافر لها الملايين فاستشرت منها الكورونا لأنحاء البلاد.

كوفيد طويل الأمد "Long Covid"

لغالبية المصابين يُعدّ Covid-19 مرضًا قصيرًا، لكن البعض منهم يظلوا يعانون من تعب شديد وألم مفاصل مستمر وضيق تنفس لعدة أشهر بعد الإصابة. ولم يجد الأطباء أي صلة بين شدة العدوى وبين ما يعقبه من التعب.

يُعتقد أن جهاز المناعة لا يعود لطبيعته بعد الإصابة مما يسبب اعتلال الصحة، وقد تُغيّر العدوى أيضًا طريقة عمل الأعضاء. يكون هذا أكثر وضوحًا بعد إصابة الرئتين. وقد تتغير أيضًا عملية التمثيل الغذائي، فتصعب السيطرة على مستويات سكر الدم بعد الإصابة بمرض السكري نتيجة Covid. وهناك علامات مبكرة لحدوث تغييرات في الدماغ.

التلقيح واللقاحات

بنهاية العام 31/12/2020 بلغت إصابات كورونا: 83,538,316، والوفيات: 1,820,469، والمتعافين: 59,127,520، وبلغ عدد المصابين في أمريكا لوحدها 20 مليونًا.  ولا يبدو أن خطة الذين أرادوا تصنيع الفيروس قد نجحوا تمامًا بتخفيض سكان العالم البالغ7.8  مليار نسمة بالجائحة القاتلة (مقارنة بالأنفلونزا الإسبانية 1918 التي حصدت أرواح 50 مليونًا). ورغم الشكوك حول اللقاح الأمريكي المقترح، لكن الحمد لله أن لقاح الكورونا اُكتُشِف بجهود زوجين ألمانيين مسلمين وليس بيد شركة مشكوك فيها (الصورة).  

بدأ التلقيح ضد الكورونا في بريطانيا وكندا وأمريكا والإمارات والسعودية والبحرين وروسيا والصين. ووفقًا لكلية لندن للصحة والطب الاستوائي  London School  of Hygiene & Tropical Medicine يجري حاليًا تطوير نحو 218 لقاحًا ضد "كوفيد- 19" بجميع أنحاء العالم. أغلب اللقاحات تستخدم جرثومة (فيروس) مضعّف أو غير فعالة (كما باللقاح الصيني). كلا اللقاحين بيونتيك/فايزر وموديرنا يعملان بوساطة الحامض النووي الرايبوزي الرسول messenger RNA ليحفز أجسامنا لإنتاح الأجسام المضادة؛ بينما اللقاحان: جونسون/جونسون واكسفورد/استرازينيكا يعملان بوساطة النواقل الفيروسية Viral Vector. وتعزز هذه اللقاحات المناعة وتحفز استجابة الخلايا اللمفاوية T القاتلة للخلايا المصابة بالفيروس. وفقًا لـFDA، فإن فعالية لقاح فايزر تصل لـ95% بينما فعالية لقاح موديرنا 94.1% لمنع المرض. ويحتاج اللقاحان لجرعتين: تُعطى الثانية من لقاح فايزر بعد 21 يومًا من الأولى. بينما تُعطى الجرعة الثانية من لقاح موديرنا بعد 28 يومًا من الأولى. لقاح جونسون/جونسون يحتاج لجرعة واحدة، بينما لقاح استرازينيكا يحتاج لجرعتين تفصلهما 28 يومًا. لقاح فايزر يحتاج تخزينًا بدرجه حرارة -٧٠ مئوية ولقاح موديرنا لدرجه حرارة -٢٠ مئوية، بينما لقاح استرازينيكا يحتاج للخزن بثلاجة عاديه وبفعالية 70%.  لقاح سينوفارم الصيني فعال بنسبة 79%؛ يبرّد اللقاح لـ2-8 درجة مئوية ويحتاج اللقاح لجرعتين. وهذه كلفة لقاحات الكورونا:

BioNTech/Pfizer=         €12

Moderna =                     $18

AstraZeneca/Oxford =    €1.78

Sinopharm                  =  $145

Johnson & Johnson =     $8.50

وهناك تجمع دولي يسمى كوڤاكس Covax لتوفير اللقاح الرخيص لـ92 دولة فقيرة.

إرهاصات يأجوج ومأجوج: بروز مارد التنين الصيني

 أدت أزمة فيروس كورونا لتدهور العلاقات بين الصين أمريكا. دأب الرئيس الأمريكي ترامب على وصف فيروس كورونا "بالفيروس الصيني"، بينما أطلق عليه وزير خارجيته اسم "فيروس وهان"، مما أثار غضب الصين، حيث رفضوا بشكل قاطع أي ادعاء بأنهم لم يتحلوا بالشفافية حول الإعلان عما يجري. وانتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي الصينية شائعات فحواها أن برنامجًا أمريكيا للحرب الجرثومية هو سبب انتشار الوباء، وتخطت هذه الحرب الكلامية لغلق الصين للقنصلية الأمريكية ردًا على قرار مماثل من واشنطن. وعندما أعلنت الولايات المتحدة قرارها بإغلاق حدودها بوجه القادمين من عدة دول أوروبية، بما فيها إيطاليا، أعلنت الحكومة الصينية إرسال فرق طبية ومواد ضرورية إلى إيطاليا البلد الأوروبي الأكثر تضرّرا بالوباء. كما أرسلت الصين مساعدات لإيران وصربيا برمزية دعم كبيرة، مع حرب معلوماتية ودعائية. واغرقت الصين أسواق العالم بالكمامات والأقنعة والقفازات والمعقمات. فالصين مصممة على الخروج من الأزمة كقوة عالمية عظمى في نظام عالم جديد.

العِبَر من فيروس كورونا: جندٌ صِغارٌ لربٍّ جبّار

فيروس ليس إلا حامض أميني (مادة جينية) لا حياة فيه وهو داخل غلاف (يشابه ڤايرون وﭘريون viron and prion) أرعب سكان العالم. والمهزلة أن علماءً وصّفوه بالحيوان الذكي (smart)!!! والفيروس أصلاً ليس بكائن حي، لا دماغ له ولا فكر ولا إحساس؛ مما يدل على أنه مبرمج ومخطط إلهيًا للعمل حسب خطة ربانية. فالأنبياء خير المخلوقات على وجه البسيطة كانوا يسيرون حسب مخطط إلهي مرسوم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ) (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) وحين اغترّ موسى بعقله أرسله الله للخضر وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) وقال عن الكافرين (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، وفي الدعاء النبوي (اللهم اهدني فيمن هديت) (اللهم أعِنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (لا حول ولا قوة إلا بالله) (الحمد لله الذي اطعمني من غير حول مني ولا قوة) ولذلك فإن الكِبْر والغرور والتبجّح بالنفس والتمرّد على الله وقوانينه الربانية له عواقب وخيمة (لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقالُ ذرّة من كِبْر). إذا كان هذا حال الأنبياء أعظم مخلوقات الله، فكيف إذن بمخلوقات بسيطة كالفيروسات. ولا يجوز لعن الحمى، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم السائب فقال: ما لك تزفزفين [أي ترتعدين]؟ "قالت: الحُمّى -لا بارك الله فيها- قال: "لا تسُبّي الحُمّى؛ فإنها تُذهِب خطايا بني آدم، كما يُذهِب الكير خَبثَ الحديد" ( رواه مسلم). إذن ليست الكورونا ملعونة، ولا الفيروسات المسببة ذكية، إنما هي قدر الله تعالى ساقه بجُندٍ صغار مسيّرة بأمر خالقها الجبار.

ابتلاء عام لجميع الناس: قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم:41 والفساد هو عدم الصلاحية للانتفاع به بسبب الذنوب، أي أن النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي. وإذا ارتكبت المعاصي كانت سببًا في محق البركات من السماء والأرض، وقوله: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: يبتليهم بكثرة الوباء والآفات وقلة الخيرات ومحق البركات في البر والبحر وعدم انتفاع الناس بالسمك المسموم والطيور الموبوءة وتشمل عدم نزول المطر والقحط واحتراق الغابات وعدم الانتفاع بها والفيضانات الجارفة وكثرة الجراد وتحطيم المحاصيل. كل ذلك اختبارًا منه، ومجازاة على صنيعهم، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن المعاصي.

فيروس مجهريّ لا يتجاوز طوله الـ120 نانوميتر (نانوميتر= جزء من بليون جزء من المتر) أرعب العالم وتسبب بوفيات غير معهودة؛ (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) النحل:8 (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) المدثر:31. هادم اللذات ومفرق الجماعات: فيروس استجد حديثًا كجندي صغير من جنود الله كما استجد قبله فيروس الإيدز الذي دمّر مناعة الإنسان (بلغَتْ الإصابات بأمريكا حينئذ 15 مليون إصابة)، وكأنّ الله سبحانه وتعالى حرَّكها لِتَضَع حدًا للشذوذ وفساد الفطرة. ومن قبله السَّمَك الهلامي، الذي غزا بالملايين شواطئ الريفيرا في فرنسا وإيطاليا واليونان واستراليا، وحوَّلها إلى أرضٍ شائكةٍ كغابات من الثعابين، وكأنّ الله سبحانه وتعالى ساقها لِتَضَع حدًا للفساد. والجراد من جند الله، أذلَ الله به فرعون مصر (كما أذل الله من قبله نمرود العراق ببعوض أو ذباب دخل أنفه واستقر فيه عذابًا له حتى مات) «إنَّ كميةَ الطعامِ التي تأكلُها الجرادةُ يوميًا تعادل وزنَها»، ويوجد في الكيلومتر الواحد المربعِ من أسراب الجراد ما بين مئة مليونٍ ومئتي مليون جرادةٍ. وإن (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) الزمر:62. ولا يُسمح لهذا المخلوقات بالتحرّك إلا وفْق مشيئة الله، قال تعالى: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) هود:56. وحتى لو كان الفيروس مصنّعًا، فالله هو الخالق للعباد وأفعالهم (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) الصافات:96. وعن البخاري/كتاب "أفعال العباد" قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته). فالله هو الخالق وهو الصانع سبحانه.

للمسلمين، الوباء ابتلاء من الله للرجوع اليه وللفطرة السليمة: أرهب الفيروس العالم برعب الموت، ترهيبٌ لغرض الرجوع الى الله بالدعاء والصلوات للاسترحام من الخالق رب العالمين. وأحدث الفيروس هزة رعب في بيوت العهر ومواخير الدعارة والتي تستوجب تقارب حميمي مع الغانيات وفي صالات الميسر وبارات الخمر الجماعية، لكن التباعد الاجتماعي ولبس الكمامات وتعقيم اليدين أنهى كل ذلك: أنهى الزنا والميسر والتندر بشرب الخمر الجماعي. قال صلى الله عليه وسلم: (ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة). والمرض سُنّة الحياة المُطّردة وقانونها الدائم ليتعلم المرء ان حياته الدنيا امتحان دائم ليزداد إيمانه بقضاء الله وقدره، خيرًا كان أم شرًا (شرًا في ظاهره كما يبدو لنا)، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) البقرة:155، وفي الحديث: (إنّ عظم الجزاء من عظم البلاء، وإنّ الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا، ومن سخط فله السّخط)، رواه التّرمذي. والتذمر ينافي الرضا بالقضاء. ولا حرج في إظهار التوجع من الألم، كما لا حرج في الاستشارة الطبية من المرض. أخرج البخاريّ أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا همّ ولا حزنٍ ولا أذى، حتى الشّوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه).  والابتلاء يكفّر الخطايا، ويمحو السيئات. وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) سورة العنكبوت:2-3. فيبتلي الله عباده ليتميز الصادقون، وليُعرف الصابرون على البلاء. والحديث: "عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سرّاء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضرّاء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها).  ليس الابتلاء بالكورونا (أو بغيره) أو الموت به عقوبةً على مستوى الأفراد، لأنه جائحة عامة تأخذ الكبير والصغير، المسلم وغير المسلم، فقد أنزل الله الطاعون وحصد به أرواح كبار الصحابة وبعضهم مبشرون بالجنة، كما وحصد حفظة القرآن والمجاهدين في سبيل إعلاء كلمته في حروب الردة. لكن على مستوى المجتمعات، فهو انذار لما اقترفوه او تقاعسوا عن أدائه، قال تعالى: (ولقد ارسلنا الى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) الأنعام:42-45 وحين سُئل رسول الله: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) أي إذا كثرت المعاصي عمّ الهلاك. وما اكثَر الخبث في زماننا!

للكفار، الوباء انتقام: قال تعالى: (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ) الزخرف:55-56. آسَفُونَا: أغضبونا، هكذا فسّرها الضحاك وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له) ثم تلا (فلما آسفونا انتقمنا منهم). والعجيب أن جائحة الكورونا استهدفت الدول الغنية العظمى واستثنت دول أفريقيا وآسيا من وكس الإصابات المخيفة ومن الموجه الثانية. وحتى الصين (بؤرة الجائحة) سيطرت تمامًا على تفشي الفيروس بسبب الإجراءات الوقائية الصارمة من لبس الكمامات وتباعد اجتماعي وتطهير اليدين مع العزل الحازم في البيوت بل ولمدينة وهان بأكملها حتى أن بكين عاصمة الصين لم تسجل إصابات تذكر. ولعل انتشار الملاريا والسل الرئوي في أفريقيا مع انتشار العلاج بالكينين ولقاح السل منذ زمن طويل أدى لمناعة تحمى الأفارقة من الكورونا (عولجت ابتداءً بعقار هيدروكسيكلوروكوين). 

الفيروس صحوةٌ للغافلين

أيقظ الفيروسُ البشريةَ من غيبوبةٍ وسباتٍ عميق ليرجعها من هاوية الخطيئة والفساد لطريق الصلاح والسداد، ومن مستنقع الشذوذ الآسن لبرّ الفِطرَة السوية الآمِن، ولو لحينٍ من الزمن، يتدارك فيه الجنس البشري رشده وصوابه ويراجع حساباته ويخطط مستقبله. فيروسٌ أرعب العالم وأوقف المطارات وأغلق الحدود، وفجأة ما عادت أوروبا حلم الهجرة والمهاجرين. ولم تعد أمريكا أقوى دولة، ولا باريس رومانسية، ولم تعد لإسبانيا جاذبية أنديتها الرياضية. وفقدت مكة والمدينة مصلّيها وصارت المساجد فارغة، حتى الكنائس والمعابد أغلقت أبوابها بشتى أصقاع العالم. وفجأة، توقفت كل الحروب وفجأة أدركنا أن لا قيمة فعلية للقوة والجمال والمال والسلاح، وصار همّنا الأكبر الحصول على الأوكسجين لنضمن الحياة.  توقفت كل مرافق الحياة، وصار الجميع أغنياء وفقراء يقفون متساووين في طوابير طويلة لتأمين الخبز والقوت ومعقمات اليد والكمامات. ولا دور دعارة ولا خمارات ولا نوادي قمار (أغلقت لضرورة التباعد الاجتماعي). لقد أصبح العالم أكثر طهارة وأجمل وأنقى من دوننا. فالبيئة تحسنت والأوزون توقّف عن التهتك، وتنفست الأرض وغلافها الجوي الصعداء، وانطلقت الغزلان والماعز البري تركض في أفخم الشوارع، وابتهجت الطيور والبط والحيوانات بالحياة بعد أن انحجر البشر في بيوتهم. وصارت البايسكلات النظيفة أهم من السيارات التي تنفث السموم بالهواء.

أكثر من 60% من مؤمني أمريكا يقولون أن فيروس كورونا هو رسالة ربانية تستحث البشرية لتغير سلوكها. واسقطت الكورونا حجة الملحدين المدّعين أنهم لا يؤمنوا لأنهم لا يرون الله، والآن صاروا هلوعين مختبئين محجورين في بيوتهم خوفًا من مخلوق لا يرونه. 

بل أن القس الأمريكي للبيت الأبيض قال أن الكورونا عقوبة ربانية بسبب تقبّل المثليين:

https://www.independent.co.uk/news/world/americas/coronavirus-trump-pastor-homophobic-ralph-drollinger-a9426801.html

وأيده بذلك وزير الصحة الإسرائيلي وراباي:

https://www.theweek.in/news/india/2020/04/08/covid-19-positive-israeli-health-minister-did-not-blame-homosexuality-for-pandemic.html

أفرزت أزمة الكورنا أمورًا بغاية الخطورة غابت عن العقل البشري الناقص تحت وطأة الانشغال بالعمل المستمر. والتنفيس بعطلة نهاية الأسبوع بالانغماس بلذائذ الجنس المحموم وإدمان الخمر والميسر للهروب من عالم الواقع  Escapism from Reality   هو اعتقاد خاطئ. أفرزت الجائحة مفاهيم حديثة قديمة انبعثت فيها الحياة من جديد:

  • الصحة قبل الثروة Health before Wealth (الرجل يموت ويترك ثروته).
  • الطعام السريع غير الصحي يمكن الاستغناء عنه بالطعام الصحي المطبوخ اللذيذ في المنزل  Home-made food is superior to fast unhealthy food
  • تصحيح التفكك الأسري بلمّة الشمل في الحجر المنزلي وأهمية الصحة العامة بالتمارين الرياضية.
  • وصدق النبي صلى الله عليه وسلم (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) والفراغ للتعلم وتطوير الذات وحفظ القرآن والعمل البنّاء في المنزل، كالطبخ والزراعة وأعمال المنزل.
  • التوظيف الذاتي والعمل من البيت سيغير نمط التوظيف الحكومي والعمل للشركات بالمستقبل. 
  • المستقبل واعد للتسويق الإليكتروني والتعليم عن بُعد بالإنترنيت ومحاضرات الزوم.
  • أهمية الإعلام لتوعية الطهارة والكمامات والتباعد الاجتماعي (Hands, Face, Space).
  • العلماء يستحقون أكثر من أبطال كرة القدم ونجوم هوليوود الترفيهيين.
  • أهمية الأجانب من الأطباء والممرضات وتجار الغذاء والمتاجر المحلية وعمال النظافة ومساهماتهم وقت الضيق وضرورة تقييمهم ورفع مكانة ذوي الأجور المنخفضة برفع رواتبهم (البريطاني الأبيض غير مستعد للقيام بذلك).
  • خسران العلم أمام الدين الذي صار محوريًا للرجوع إلى الله والصلاة والدعاء لدفع الجائحة.  فمثلاً المصارع الألماني النمساوي الأصل "فيلهلم أوت" أعلن إسلامه عبر "إنستغرام" والسبب "فيروس كورونا" خلال العزل المنزلي منتصف أبريل 2020  (https://m.youtube.com/watch?v=PO3Cclh7_HU)، ولطالما قيدت بعض الدول المسلمين ومنعت نساءهم من ارتداء الحجاب والنقاب، فجاء هذا الفيروس غير المرئي ليصحح الموازين المقلوبة عند الساخرين، فيدفعهم للبس الخوذ المغطية للشعر ويجبرهم لتغطية اليدين بالقفازات الطبية بوضع يحاكي ارتداء النقاب وتغطية اليدين!
  • فيروس صغير جعل من رئيس أعتى دولة على وجه البسيطة والتي تملك أكبر مخزون سلاح في العالم (كمًّا ونوعًا) بما يعادل ما تملكه دول العالم مجتمعة يخرج علينا كل يوم ليثبت لنا عجزة وقلة حيلته.

    وتستأثر أمريكا بأكثر من ثلاثة أرباع إنفاق العالم على الأبحاث. أمريكا التي تطلق على نفسها قوة العالم العظمى (World SuperPower) تناست أن الله هو القوة العظمى حقًا في هذا الكون. فأراد الله أن يذكّرها بذلك من خلال جندي صغير (الفيروس). لم يكن بحسباننا أن أمريكا بهذا الضعف وغير جاهزة حتى بالأقنعة الواقية، شاهدنا كيف تتسابق لأجل ورق المرحاض! أين أبطال جائزة نوبل؟ أين دول العشرين؟ الفيروس عرّى قوى عظمى تتبجّح بصرف بلايين الدولارات على الدفاع والبحوث العلمية والطبية فأمست نمورًا من ورق أعياها فيروس لا يُرى.

  • وكشفت الجائحة النقاب عن التنافس غير الشريف بين دول الإتحاد الأوروبي وتصدع اتحاده وانفراط عقده. اتحاد صوري تختبأ وراءه قرصنة وسرقات دولية لا حدود لها.
  • كوكبة الشهداء الأطباء المسلمين لعلاج غير المسلمين: مع هذا التفاني انهارت عنصرية الرجل الأبيض ضد الملونين وانهارت معه الإسلاموفوبيا (الذعر من الإسلام والمسلمين)
  • إعادة التقييم لشخوص المجتمع المهمين (الأطباء والممرضات هم أبطال المجتمع الحقيقيين):
  • وحين قامت دول أوروبا وأمريكا ودول أخرى عربية كالسعودية بتعويض استرزاق مواطنيها أثناء الحجر المنزلي بدفع قرابة 80% من مدخلاتهم (لأنهم بلا مورد بإغلاقهم المطاعم والشركات)، بينما فضح الفيروس دولاً أخرى لم تلتزم بالتكافل الاجتماعي لمواطنيها.
  • ومن الغرائب إصابة حاملة الطائرات الفرنسية (شارل ديغول) بالكورونا في عرض البحر. ففي 15/4/2020، عُزِل 1700 بحار لفحصهم الموجب (مع رفاقهم) من (شارل ديغول) بحجر صحي لأسبوعين. وتفاقمت الحالات ففي 18 أبريل، وثِّقت إصابة 1.081 من أصل 2300 شخص من (شارل ديغول) ورفيقتها الفرقاطة (شوفالييه بول). وأخيرًا، اتضح مصدر الكورونا من مدينة بريست حيث رست السفن هناك سابقًا.
  • وفي مارس 2020 مُنعت العديد من سفن الرحلات البحرية المخصصة لأثرياء العالم من الدخول والرسو في موانئ العالم المختلفة خوفًا من المصابين على متنها. وهناك أكثر من 12 سفينة سياحية عملاقة تجوب مسرعةً (عندما أعلن الوقف العالمي للرحلات البحرية)، وتكافح لمكان ترسو فيه في أزمة إنسانية غير مسبوقة، وظلّ الآلاف محصورين في البحر. وأما أكبر سفينة رفاهية بالعالم (سفينة دايموند برنسيس Diamond Princess) أو أميرة الماس ولا يستطع ركوبها إلا المترفون وتحوي الجواهر والألماس والماركات العالمية الباذخة، جعل الفيروس منها أكبر سفينة موبوءة بالعالم، مما جعل الدول ترفض استقبالها وصارت غير قابلة للمس، وجعل أثريائها مستعدين لدفع الأموال الطائلة لمن يخرجهم من مأزقهم ولات حين مناص!!! ففي 16/3/2020، كان 712 من 3.711 راكبًا قد فحصوا إيجابًا بالفيروس. وفي 14/4/2020 توفي 14 منهم بالكورونا. وفي 16/5/2020 غادرت أو (أميرة الماس) ميناء يوكوهاما (اليابان) ودفعت 94% نفقات طبية تكبدها ركاب السفينة بعد تطهيرها وتعفيرها. ولم يرفع الحجر الصحي عنها إلا في نوفمبر 2020 لترسو أخيرًا بميناء سنغافورة (ماليزيا).

 


عدد القراء: 1519

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 4

  • بواسطة سيف خالد علوان من العراق
    بتاريخ 2021-04-09 20:54:50

    سلمت يداك على هذا المقال الرائع الدكتور والأستاذ الفاضل والأخ العزيز مهند عبدالرزاق

  • بواسطة زكي القدسي من المملكة المتحدة
    بتاريخ 2021-02-14 10:14:19

    كعادته جهد كبير ومقال رصين يبحث جوانب كثيرة لتأريخ واسباب انتشار هذا البلاء الذي اصاب البشرية اجمع ويترك للقاريء بعض الاستنتاجات مع تذكرة جميلة ( بما كسبت ايدي الناس لعلهم اليه يرجعون ) . نأخذ بالاسباب ونتوكل على رب الارباب ( وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتاباً مؤجلا ) .

  • بواسطة سيف عبد الله من المملكة المتحدة
    بتاريخ 2021-02-03 22:37:22

    مقال علمي ثاقب الفكر ورائع المحتوى وشيق جدا مصاغ بلغة أدبية رصينة. جائحة فيروس كورونا فيه الفوائد الكثيرة رغم ضررها (رب ضارة نافعة). أعجبني تنبؤ المؤلف ببروز يأجوج ومأجوج وتنخر الاتحاد الأوروبي وانحلاله والكثير من رؤى المستقبل. مقالة رائعة بكل المقاييس. شكرنا الجزيل للمؤلف دكتور مهند الفلوجي الذي عودنا على مقابلته الشيقة.

  • بواسطة زياد الحديثي من المملكة المتحدة
    بتاريخ 2021-02-03 10:35:59

    مقالة مشوقة تقدم تحليل دقيق و تشخيص ادق و يساهم بنشر الوعي و الارشاد كعادة الكاتب اللذي تتميز مقالاته جميعا بالدقة و الموضوعية.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-