في رهاب الثقافة Culture phobiaالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-02 03:19:10

محمد الباسط

المغرب

"ليس من يكتب بالحبر كمن

                          يكـتب بـدم الـقـلـب"

                               جبران خليل جبران

"كل المثقفين خونة" عبارة لطالما ترددت على ألسنة فئة كبيرة من المجتمع، إلا أن التسليم بهذا الحكم مخالف للصواب تمامًا لما فيه من الإجحاف والتسرع. كلنا نعلم أن أساس الحياة المتناقضات، فإذا كانت فئة من المثقفين لا يهمها في هذه الحياة سوى الجاه والوصول إلى هرم السلطة ودواليب الدولة، فهنالك بكل تأكيد فئة أخرى تحارب في سبيل تنوير الوعي الإنساني. ومن هنا صارت صفة المثقف حلية لا يرتديها إلا من كان الحبر المنساب من قلمه دمًا وكانت الكلمة الصادرة من فمه رصاصة تحطم قحف جمجمة الظالم الجائر إحقاقًا للحق ودرءًا الطاغوت.

لقد جعل الخطاب السلطوي من المثقف الأصيل أو الحقيقي The authentic intellectual ذاتًا منبوذة في المجتمع وذلك عبر تصويره كمريض مصاب بالجدري الفتاك إذ كلما دنوت منه أوشكت على الهلاك. فالخطاب الذي كان ينزل المثقف منزلة المنقذ المخلص أصبح يظهره اليوم كهامشي يهدد بنية المجتمع ويفسد العقل الجماعي، الشيء الذي استوجب معه نفيه بل عزله كليًا عن هذا العالم. وبنهجها لسياسة الإقصاء والرقابة، فتحت السلطة الباب على مصراعيه لشبيه المثقف الحقيقي أو ما يطلق عليه اسم "المثقف الهجين"  The hybrid intellectual  وهو أداة في يدها (أي في يد السلطة) تستعين بها في تخدير العقول والترويج لنظام التفاهة. إن اعتماد السلطة سياسة التهميش المقصود أجج الصراع بين المثقف الأصيل والمثقف الهجين، وهو صراع أبدي وليس وليد الصدفة أو اليوم، فكم من مثقف صُلب وكم من مثقف أحرق حيًّا على مرأى من الناس. إن التاريخ الحقيقي لم يكتب ولن يكتب بالحبر على الورق وإنما التاريخ مسار رسم معالمه دم المثقفين الملتزمين.

على غرار مثقفي العصر الوسيط -على سبيل المثال لا الحصر- الذين تم إعدامهم بشتى الوسائل الوحشية بدعوى الهرطقة، أصبح مثقف اليوم هدفًا بل فريسة تترصدها أعين الأنظمة الدكتاتورية المصابة برهاب الثقافة. فقد ضيقت هذه الأنظمة الجائرة الخناق على هذا المثقف معتبرة إياه حثالة تسعى لخلق الفتنة داخل المجتمع. وخوفًا من تحقق هذا التغيير الاجتماعي الذي يطمح المثقف لتفعيله، انكب جنود السلطة على خلق بيداغوجيا سامة تكون بمثابة حقنة قاتلة لهرمون الثقافة الذي ينمي لدى الفرد الوعي بغاية وجوده. بمقدور السلطة أن تنفي كل المثقفين الحقيقيين في جزيرة معزولة وتكتب على يافطة أحد مداخلها بخط عريض "جزيرة المنبوذين" The island of the banisheds، غير أنها لم تنهج هكذا نهجًا لأنها تتلذذ بمشاهدة هذه النخبة وهي تحتضر وسط قهقهات التافهين. وبهذا صار المثقف مجبرًا على لعب دور الثور في حلبة مصارعة الثيران معرضًا في أي لحظة لطعنات غادرة من كل حدب وصوب. ربما نستسيغ غدر السلطة المستبدة بحكم تعارض التصورات، بيد أن ما لا يمكن غفرانه وتقبله هو خيانة بعض المثقفين الذين بدلوا عباءتهم مقابل امتيازات مغرية ظاهريًا وتافهة جوهريًا.  

في كتابه "خيانة المثقفين" The Treason of the Intellectuals يرى المفكر والفيلسوف الفرنسي جوليان بندا (1) Julien Benda أن المثقف الهجين ليس مثقفًا بالفطرة وإنما هو فرد تم تعديله وصنعه في مختبرات الأنظمة المهيمنة. فهذا الأخير فضل طمس الحقيقة خدمة لأغراض هذه السلطة ولو على حساب دمار العقل البشري.  إن خيانة المثقف حسب بندا -والتي يسميها أيضًا بالخيانة الكبرى- لا تكمن فقط في الانصياع للأوامر العليا والانحياز للنظام الحاكم وإنما تتعداه إلى لزوم الصمت وتزييف الحقائق.  إن أسمى مبدأين يحارب في سبيلهما المثقف الأصيل-الحقيقي- هما الحرية والعدل، بحيث يكون مبرر وجود هذا الأخير (المثقف الحقيقي) هو تمثيل القضايا الإنسانية التي في الغالب ما يكون مآلها النسيان. في نظر جوليان بندا لا يجب أن ينحصر دور المثقف الحقيقي ذو الحس الوطني في تشخيص المشاكل التي تنخر الجسد المجتمعي، بل عليه الانخراط فعليًا وتلقائيًا في الإصلاح الاجتماعي. فهذا الأخير يعتبر أغلى ما يملكه المجتمع. وهكذا ينزل بندا المثقف منزلة المفكر الذي يتبنى رؤية إصلاحية شاملة لأهم وأعمق مشاكل المجتمع.  في نفس السياق، يرى المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (2) Edouard Said في مؤلفه الشهير "المثقف والسلطة (3) "  The intellectual and the power أن دور المثقف الحقيقي لا ينحصر في معارضة المخططات التقويضية للسلطة بل يتعداها إلى إثارة الإحراج بل والاستياء. إن هذا الصراع بين المثقف الأصيل والمثقف الهجين هو في حد ذاته تجسيد لصراع قوة الثقافة وثقافة القوة. إن المثقف المثالي هو الذي يحفر قبره بيديه وهو على قيد الحياة وليس الذي يسوق الناس ويصيح بهم بالولاء للدولة أو للحاكم. فهذا كاتب البؤساء فيكتور هوجو(4) Victor Hugo الذي يعد أحد أبرز مثقفي القرن التاسع عشر قد عارض جهارًا سياسة نابليون الثالث مفضلا المنفى على الرضوخ لرغبات السلطة. كان بمقدور كاتب البؤساء (5) The Miserables  أن يطاوع النظام الحاكم آنذاك ويعيش في أمن وسلام إذ كان يتوفر على معاش يغنيه عن الاحتجاج ومشاكسة السلطة.

إذا رأيت اليوم فرنسا ترفع شعار "عدالة- حرية- مساواة" فاعلم أن الفضل يرجع، دون ريب، للمثقف النزيه الذي ظل متمسكًا بالقيم العليا. كما أن استحضار دور المثقف في المجتمع يستلزم منا الحديث عن أحد أهم مثقفي القرن العشرين وأخص بالذكر هنا الفيلسوف والكاتب والمنظر السياسي الإيطالي انطونيو غرامشي (6) Antonio Gramchi  الذي خبر سجون موسوليني (7) لا لشيء سوى أنه عمل على مجابهة السلطة الحاكمة في سبيل الانعتاق من هيمنة الاستبداد. لقد كان بمقدور هذا الأخير العيش في رغد ونعيم وذلك عبر محاباة النظام الايطالي غير أنه آثر السجن على خيانة مبادئه. لم يكن السجن بالنسبة لغرامشي أو غيره من المثقفين-والأمثلة كثيرة في هذا السياق- الذين تعرضوا للاضطهاد بمختلف ألوانه عائقا أمام نضالهم وإنما كان خلوة سمحت لهم بمواصلة المقاومة من خلال تأليف مجموعة من الكتب التي أفضت في النهاية إلى وضع حد لطغيان السلطة.

عمل غرامشي في تعريفه لمفهوم المثقف على التمييز بين نوعين: المثقف العضوي The organic intellectual   والمثقف التقليديintellectual  The traditional. فالأول بالنسبة إليه هو من يساهم بشكل فعال في تغيير الوضع الاجتماعي القائم نحو الأفضل فهو لا يكتفي بالنقد فقط وإنما يعمل على تأطير الفعل النضالي، إذ أنه ملزم في نظره بالنزول من برجه العاجي بغية العمل على حماية القيم والمبادئ الإنسانية الكونية. أما النوع الثاني، فيختزله غرامشي في رجال التعليم وذوي الشهادات الذين ينأون عن الانخراط في الدفاع عن حقوق الأساسية للإنسان. لعل هذا التقسيم الذي قام به هذا الفيلسوف هو ما يسري على مثقف اليوم.

إن عرض السلطة لأشكال التعذيب التي تعرض لها المثقف الأصيل على مرأى من المثقف الخائن أو الهجين الذي يبارك مثل هذه السلوكيات جعل أفراد المجتمع- بل حتى بعض المثقفين الخائنين- يصابون بنوع من الرهاب اتجاه هذه الفئة المثقفة. فصار بذلك المثقف يعيش نوعًا من الاغتراب في بلده بل في العالم. كما أن الإعلام الذي يعد أحد الأجهزة الإيديولوجية للدولة أصبح يسوق للمتتبع صورة مشوهة عن المثقف مختزلة في أستاذ الأدب الذي يعيش منعزلاً في خلوته ومتمتعًا بدخل مضمون ولا يكترث البتة بالعالم الآخر. فانحصر دوره-حسب المفكر الأمريكي راسل جاكوبي (8) - في كتابة نثر خفي الدلالات يبغي من خلاله الترقي في المناصب الجامعية لا التغيير الاجتماعي. فحتى في بعض الدول تم اختزال وحصر "مفهوم المثقف" في الحصول على الشهادات العليا وبالتالي ممارسة الرقابة على أفواه الغير الحاصلين على هذه الشواهد. كما قلنا سلفًا، فالكلمة الحرة هي انعكاس لجوهر وكنه المثقف الحقيقي، فهو قبل التلفظ بها أو كتابتها يوجه عينيه صوب قبره ويبكي حاله كما قال الأديب الفرنسي الفانس دو لامارتين (9) Alphonse de Lamartine  :  "أبكي على حالي وعيناي على لحدي."

« Les yeux sur mon tombeau, je pleure sur moi-même»

فالمثقف الحقيقي يعلم علم اليقين أن الحبر الذي يتدفق من محبرته سيكون وقودًا يحترق به جسده والريشة التي يكتب بها ستكون السهم الذي يوقف نبضات قلبه. فهو على أتم دراية أنه وإن لم يكن خالق حياته سيكون خالق موته. إن حالة التردي التي تعيشها المجتمعات ما هي إلا نتاج لثقافة تبليد العقول التي وضع أسسها المثقفون ذوو الأيادي القذرة بغية فرض الوصاية على العقول بمباركة من السلطة. ونتيجة لهذه السياسة الخبيثة -سياسة عالمية وليست حكرًا على بلد معين- صار إعمال العقل النقدي جريمة يعاقب عليها القانون. وقد كان من أهداف هذه الخطة التدميرية صرف انتباه أفراد المجتمع عن كل ما من شانه أن يمكنهم من بلوغ الاكتفاء الذاتي والاستقلالية. ولعل أهم سلاح تم توظيفه لتحقيق هذه الغاية هو عولمة الثقافة أو ما اصطلح عليه المفكر زيجموند باومن Zygmunt Bauman (10) بـ"الثقافة السائلة "Culture in a Liquid Modern World" بحيث أصبح الإنسان يعيش حالة من التيه في عالم أشبه ما يكون بدكان صغير زاخر بأثواب تنكرية وتتهافت عليه حشود غفيرة تبحث عن ذواتها. فالمرء أصبح قادرًا على تغيير الثياب بلا نهاية إذ أن لذة الاستمتاع تقتضي البحث المستمر عن الذات الحقيقية وتحقيق هذه الأخيرة هو نهاية للمتعة. فالإنسان صار يفضل مشاهدة عرض موسيقي تافه أو حفل يعج بالتافهين على قراءة مؤلف تنويري قد يعينه على فهم الغاية من وجوده أو قد يوقظه من غفلته.

إن هذه الثقافة السائلة أسهمت بشكل كبير في تكريس التفاهة في المجتمعات ذات المناعة الضعيفة. في كتابه المعنون بـ"نظام التفاهة " The mediocracy " يشرع ألان دونو (11) Alain Deneault في تشريحه النقدي من نواة النظام الاجتماعي وركائزه ويقصد بها الأكاديميات وقطاع التعليم باعتبار هذه الأخيرة آلة إنتاج المعرفة العلمية والثقافة الاجتماعية، فيزيل بذلك اللثام عن تواطؤ هذه المراكز ذات الطابع الإنتاجي مع النظام الرأسمالي الشيء الذي ينعكس سلبًا على الأساتذة والطلبة على حد سواء. ومن هنا صار التركيز قائمًا على إهمال غاية العمل التدريسي الأساسية التي تكمن في تكوين المعرفة ونقلها. إن هذا الإهمال أثر بشكل سلبي على لغة الكتابة الأكاديمية التي ما فتئ دونو يصفها بالمتعفنة لكونها تخضع للنهج التجاري مقصية بذلك الهدف الأسمى من التعليم ألا وهو المعرفة. ففي نظره أفضى النظام الرأسمالي إلى سيطرة بل هيمنة التافهين على محاور الدولة الحديثة كلها فغدا بذلك لنظام التفاهة رموز تافهة ولغة تافهة وشخصيات تافهة، أما سر نجاح واستمرار هذا النظام- في رأي دونو- فيرجع بالأساس إلى قدرته على إيهام الأفراد بأنهم أحرار.

إن حرية النقد، في ظل تفشي التفاهة، كذبة نسينا أنها كذلك. وكل من يدعي أن زمن محاكم التفتيش قد ولى فهو واهم لا محالة. إن منطق السلطة اليوم يربط البقاء بالانضمام إلى القطيع.  بالرغم من الصورة المزيفة الخادعة التي ترسمها الأنظمة عن نفسها إلا أنها تعيش حالة من الرهاب الدائم الذي سيبقى حيا بوجود المثقفين الأصلاء. ولهذا فهي تعمل جاهدة على نشر ثقافة التفاهة وغسل الأدمغة عبر تقديس الخنوع وأخلاق القطيع في مقابل تدنيس العقل النقدي. 

المراجع:

1 - جوليان بندا مفكر وفيلسوف فرنسي، من ابرز مؤلفاته كتاب "خيانة المثقفين".

إ2 - دوارد سعيد مفكر أمريكي من أصول فلسطينية وهو مؤلف الكتاب الشهير "الاستشراق" وله كتب أخرى قيمة.

3 - تم الاعتماد فقط على الكتاب المترجم الى اللغة الفرنسية "Des intellectuels et du pouvoir" و الكتاب المترجم إلى اللغة العربية " المثقف والسلطة".

4 - فيكتور هوجو مفكر وكاتب وشاعر فرنسي يلقب بزعيم التيار الرومانسي في القرن التاسع عشر له عدة مؤلفات في جنس الرواية والشعر والمسرح.

5 - ترجمتها إلى الانجليزية الأمريكية Isable Florence Hapgood  1851 -1928

6 - انطونيو غرامشي مفكر ايطالي واحد ابرز معارضي الرئيس موسوليني في القرن العشرين.

7 - موسوليني رئيس ايطاليا واحد المقربين من الرئيس الألماني النازي اودولف هتلر.

8 - راسل جاكوبي مفكر وكاتب أمريكي

9 - الفانس دي لامارتين شاعر وسياسي فرنسي يعتبر احد أهرام الشعر الرومانسي في القرن التاسع عشر، من ابرز دواوينه " تأملات شعرية" الذي تم نشره سنة 1820.

10 - زيغموند باومن مفكر وفيلسوف وكاتب بريطاني من أصول  بولونية، له مجموعة من المؤلفات المعروفة بالسيولة من قيبل "الشر السائل"، "الثقافة السائلة"، "الحب السائل"

11 - الان دونو مفكر وفيلسوف كندي.


عدد القراء: 410

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-