المدخـل الخلفي لـ«بيت الدمية» رؤية تحليلية موضوعيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 11:18:58

حبيبة رحال

مصر

"هيملر: اليوم لم تعد بي حاجة إلى تحمل مشقة واحدة، ولم تعد بك حاجة إلى إرهاق عينيك الجميلتين بالسهر، أو إفساد يديك الصغيرتين بالعمل المضني.

نورا: (مصفقة براحتها) صدقت يا تروفالد..."

                                                                                                                                                    إبسن 

 

عندما كتب النرويجي هنريك إبسن مسرحيته بيت الدمية عام 1879، وعرضت على المسرح ثار عليها النقاد في البداية بسبب تصرف نورا السيئ حيال زوجها تروفالد هيملر، حيث خرجت من منزله وصفقت الباب خلفها، وهو ما دعا إبسن إلى إعادة كتابة الخاتمة بشكل مختلف حيث جعل نورا تعود إلى منزلها مرة أخرى، وإن ظل يعترف بأنه يفضل النهاية الأولى.

ولكنني قلت بأن النقاد ثاروا عليها عندما عرضت على المسرح وذلك لأن المسرح لم يعرض كلمة الخاتمة السردية "يومض في ذهنه بريق أمل"، ويقول هيملر: معجزة المعجزات... وحينها يسمع الباب الخارجي يصفق.

ترجم المسرحيةَ كامل يوسف ضمن مطبوعات مكتبة مصر، وقد أبقى المترجم على النهاية التي يفضلها إبسن نفسه، كما قامت فرقة المسرح الحر بتقديم هذه المسرحية في مصر عام 1953 تحت عنوان "لعبة البيت".

قبل أن أتعرف إلى المسرحية بشكل مباشر، عرفتها عن طريق الأعمال النقدية المختلفة التي ادعت بأن إبسن هو أول من نادى بتحرير المرأة في مسرحيته، وأن نورا هي نموذج المرأة المتمردة التي ثارت على زوجها إلخ.

وتعرفت بإبسن، وكأن كل كتابات النقاد قد التبس عليها تفسير تلك الابتسامة التي تعلو شفاه الكاتب، فتح لهم هنريك الباب الأمامي على مصراعيه، إن الباب نفسه الذي خرجت منه نورا وصفقته، إنه الباب الذي دخل منه هيملر على زوجته، إنه الباب الذي كان يخفي المدخل الخلفي الذي خرجت منه مدام لند برفقة نيلز كروجشتاد.

وقد استغل دعاة النسوية تصرف نورا النهائي لصالحهم، وأخرجوها من منزلها منتصرة، وضربوا بها أسهم المثالية النسوية، لكنهم لم يدركوا بالفعل أن نورا خرجت إلى الظلام، وتركت منزلها مضاء لزوجها.

وقد كان من الممكن أن تكون نورا مثال المرأة النسوية المستقلة التي تخاف على زوجها، لو لم يرسم إبسن على وجهها مكياج الزيف، لقد أمسكها بقسوة وأوقعها في فخ التزوير، وربطها برجل لا خلاق له وهو كروجشتاد... وعندما اكتشف زوجها الأمر وغضب كرد فعل طبيعي على تصرفها، حرص الكاتب على إبرازه بصورة ملائكية منقطعة النظير...

تروفالد هيملر إنه النموذج الذكوري.. الوجه الآخر لمسرحية تسير في طريق مخالف للتوقعات، هيملر مدير البنك الناجح، الثري الوسيم زوج المرأة الجميلة، التي تتباهى به أمام صديقاتها: "ما أروع أن تكون لتروفالد مثل هذه السيطرة على جمع من الناس".. إنها تفخر بوجوده ودهائه!

كانت شخصيتا هيملر ونورا تسيران جنبًا إلى جنب طوال المسرحية، وصوتهما معًا له العلو نفسه، كل ما فعله إبسن بمسرحيته أنه وقف موقف الشاهد أمام زوجين، وأوصل صوتهما معًا إلى جمهوره دون أن يكون في وعيه أن تكون نورا هي نموذج التحرر، ودون أن يتبادر إلى ذهنه أن يقلل قيمة هيملر، بل إنه جعل المسرحية تسير لصالح بطله في النهاية عندما يقرر أن ما يحدث هو معجزة المعجزات....

ما معجزة المعجزات؟ ذهاب نورا أم معجزة بقائه وحده! كان بإمكانه أن يغير رأيها لكنه:

" نورا: .... وتأكيدًا لذلك، ها هو خاتمك، فأعطني خاتمي.

هيملر: حتى هذا أيضًا؟

نورا: حتى هذا أيضًا.

هيملر: ها هو ذا"

السرعة التي يركبها حصان الحوار قول هيملر: انتهى كل شيء انتهى كل شيء، الصورة المثالية السريعة التي انتهت بها الأحداث، عدم وجود أصابع اتهام تشير إلى هيملر، لوحة بيضاء بأصابع فنان ذكوري رسمت هيملر بوصفه المظلوم المستفيد من الحدث...

لقد حصل على النور الذي تركته نورا ورحلت، المنزل والأولاد والخدم، ومفاتيح الحياة السعيدة، كل شيء...والسبب هو محاولته الدفاع عن زوجته أمام الآخرين دون أن يعرض وجهها لتشويه نيران المجتمع الحامية، إنه نموذج الزوج الحامي الذي تركته زوجته لدفاعه عنها.

ربما لم يكن إبسن غبيًا، عندما وضع هذه المشكلة التافهة التي يجعل هيملر مدافعًا فيها عن زوجته، وربما كان من الممكن أن يلوث وجه بطله بالألوان، لكنه اكتفى بأن جعله أبيض، ورسمت فرشاته ملامح طيفية على بشرة بطلته.

ربما يبدو لك للوهلة الأولى أنه يدافع عن حقها في العيش وتحمل المسؤولية، ولكنه يقول: "ما من رجل يقبل التضحية بشرفه في سبيل المرأة التي يحب".

إن الكاتب يعلي شرف الرجل على قيمة الحب.. إنه يجعل الشرف الذي يميز الرجل أعلى من قيمة الحب الذي يتوج المرأة، إنه يعلي مبدأ الرجولة عند هيملر ليظهر كرجل شريف، لكنه بالفعل خلع ثوب الحب عن المرأة وألبسها حمية الشرف، إنه يدهس إحدى أغلى مقدسات المرأة ويمنحها ثوبًا ذكوريًا خالصًا، إنه لا يرسم بقلمه السبيل إلى النسوية بقدر ما يمهد السبيل إلى مجتمع ذكوري أكثر تنعمًا تشقى فيه المرأة بثوب الشرف الثقيل، لتنعم يدا الرجل في رداء السخرية..

إن هيملر يسخر من جنس النساء اللاتي يغادرن بيوتهن في جنح الظلام متلفعين برداء الشرف المزيف، تاركين المنزل والأولاد والخدم للرجل الذي يمكنه ببساطة أن يكمل دوره لأنه معتاد عليه، ويترك المرأة تجرب حظها في حياة الذكورة التي تريد أن تجربها.

إن إبسن يشعر بالفضول حيال تغير لعبة الأدوار هذه، أليست مسرحيته لعبة "تحليل رجعي"؟ بدأ فيها بتحليل حادث معين قبل حدوثه بالفعل، قبل أن يبدأ تسلسل الحوادث على خشبة المسرح.... ومن ثم على خشبة الواقع الكبيرة.

في الوقت الذي خرجت فيه نورا إلى الظلام عن طريق المنزل الأمامي، سبقتها مدام لند متشبثة بذراع كروجشتاد خارجة من المدخل الخلفي.

ربما تبدو مدام لند شخصية ثانوية إلى الكثير من الأشخاص، إنها هذه المرأة التي تركت قريتها من أجل البحث عن عمل، وقد حصلت على عمل.... واستقرار.

كانت مدام لند أو كرستين هي الصوت الثالث في المسرحية، وهو إن كان خافتًا للغاية على خشبة المسرح إلا أنه ذو تأثير بعيد الأثر في سير أحداث القصة كاملة.

فها هي نورا التي أرادت أن تدافع عن زوجها بالتزوير وقعت في فخ المستغل كروجشتاد، إنه اللوحة السوداء المعاكسة لهيملر، الشرير المقابل للطيب، الظلام في مقابلة النور..

كروجشتاد الذي هدد بفضح تزوير نورا على رؤوس أشهاد المجتمع، الذي توعد هيملر ووقف له كعقبة كأداء... هذا الشخص المظلم يقع في حب الفتاة اللطيفة كرستين.

كصفعة على وجه المتفرج/ة، يلقي كروجشتاد أسلحته أمام المرأة الرقيقة يعلن ندمه لنورا وللعالم، يصفح عن الأخطاء التي سببها... ببساطة يأخذ وجه هيملر ويرتديه متأبطًا ذراع محبوبته إلى هيكل الحب المقدس.

" لند: نعم نعم سآتي إليك لترافقني في الطريق إلى البيت.

 كروجشتاد: هذه أسعد لحظة مرت بي في حياتي.

لند: ما أعظم الفرق بين ما كنت فيه وما أنا مقبلة عليه. إنسان أعيش له وغاية أحيا من أجلها، وبيت أنعم بالراحة في ظله..."

لست بحاجة إلى كثير من الذكاء لتدرك أن الخاسر.. عفوًا الخاسرة الوحيدة في لعبة الحياة الإبسنية هي نورا بلا استثناء، فبينما انتهت الحياة نهاية سعيدة لكل من كروجشتاد المظلم الذي تدخلت أيدي إبسن وأزالت هذا اللون العارض، ولند التي وجدت غايتها، وهيملر الذي لم يخسر بالفعل أي شيء سوى دمية..!

وما الذي يمكن أن يفقده منزل كبير بضياع دمية متمردة خرجت دون سبب بعيدًا عن منزلها اللطيف..؟!

عندما أعلى الكاتب صوت الحب لمدام لند ازدهر ثوب الشرف الذي وضعه كروجشتاد وأثمر أفعالاً نبيلة ما كان لك أن تتوقعها أبدًا تصدر عن شخص مثله.

إنه يعلن بوضوح وجلاء دور المرأة والرجل في الحياة وأنه بتكامل الحب يخرج الشرف إلى النور، فلا استغناء بين الدورين لإكمال لعبة الحياة الأبدية....

وقد صدق دكتور رانك حين قال مخاطبًا مدام لند: "ترى هل صادفت في حياتك أنت أيضًا ذلك النوع من الناس الذين يندفعون في حمية منقطعة النظير للبحث عن مواطن الفساد في الخلق، حتى إذا اهتدوا إلى شخص عفن بادروا إلى وضعه في مركز رفيع خلاب، حيث يستطيعون مراقبته والتطلع إليه؟ وهكذا لا يحظى أصحاب النفوس الكريمة بغير الإهمال."

لكن الذي لا شك فيه أن الملحمة الإبسنية التي تناولت تقلب الشخصيات وصراعهم عبر الفضاء المكاني والزماني المحدد، هي ملحمة محبوكة الصنع، فالحوار ينساب في عذوبة بين الشخصيات، حتى أن القارئ يجد نفسه متوقعًا رد فعل الشخصية وكأنها تقف أمامه بعالمها الطيفي، وهو ما يقصده إبسن الذي قال: إن المسرح أشبه بغرفة أزيل حائطها الرابع ليكشف عما بداخلها.

وقد تمثل قوله أروع تمثل في رائعته تلك التي دارت حوادثها داخل جدارن منزل عائلة هيملر، وإن كانت الواجهة زجاجية شفافة تبرز ما يدور من صراع...


عدد القراء: 2404

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-