هل عزلة الكتابة حالة دائمة أم فترة انتقاليَّة مؤقَّتة؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 21:18:11

حصة مطر الغامدي

كاتبة سعودية

"الكتابة والانعزال من أكثر المواضيع تداولاً، فهل الكاتب يقضي حياته وحيداً ومنعزلاً؟

في البداية لا يمكننا فصل الكتابة عن العزلة وأحيانًا كثيرة ما نجد بأن "العزلة رديفة الكتابة" هذه العزلة فيها غوص لأعمق الأفكار والمشاعر وفيها نبش للذاكرة وفيها تداعيات للرؤية الشفيفة، كأن هذه الوحدة والعزلة تقول بصوت رخيم وخفي ثمة شيء قادم يستحق كُل ذلك، يرى الناقد والروائي نور الدين صدوق أن أي حديث عن عزلة أدبية هو بالتحديد حديث عن الكتابة فاختيار العزلة القصد من ورائه تفعيل الممارسة الإبداعية بغاية إنتاج معنى يترجم واقع الذات في علاقتها بنفسها وبالتالي المحيط الذي تتفاعل معه.

أن الكتابة أحد أنواع الفنون الإنسانية التي تبقى إلى ما لا نهاية، كما أن لها أسرار وألوان إلا أنها في حياة الكاتب الحقيقي فضفضة ومحاولة للإمساك بالحياة ففي حياة كُل إنسان أشياء لا يودّ البُوح بها احياناً، إلا الكاتب يتخذ من العزلة موطنًا يخبئ فيه ذاته وما تحمله من تداعيات وقد يضعها في أكثر من قالب "رواية، قصيدة، نثر، مقال، خاطرة" يشعر بعدها بأن جفاف قلبه يخضر وينمو من جديد من خلال الكتابة تعود الشرايين تضُّخ الدم للأوردة بشكل أقوى.

هنَّا الكاتب دوره يتخطى الفضفضة عندما يحفز جمهور القراء لاكتشاف أمر ما وسيجد بأن مشاعره وأفكاره ليست ملك له وحده ككاتب بل أن البشرية تشاطره نفس الهموم والأفكار ولكنها لا تملك القدرة للتعبير عنها لذلك "أنت ككاتب لست وحيدًا".

هل عزلة الكتابة حالة دائمة أم فترة انتقاليَّة مؤقَّتة؟

الحالة التي يعيشها الكاتب بعزلة أثناء الكتابة حالة مشاعرية عالية السمو يشعر معهَا بأنه ليس وحيد فهو يستظُّل بدفء الكلمات وقد ينتهي من الكتابة فيخرج للعالم بنفس أكثر تُوهجًا، وعن رائي الشخصي أجد لأنه لابد من الخروج للعالم الإنساني كحالة صحية للكاتب يتأمل المواقف والأشخاص فيضيء قلمه من جديد، لأن الملاحظة لما يدور حول الكاتب وقود للكتابة ومِداد للأفكار يؤكد على ذلك الكاتب إرينست همنغواي حين قال "عندما يتوقف الكاتب عن الملاحظة ينتهي، فالتجارب تتواصل مع أجزاء الملاحظات الصغيرة".

أما الكاتبة والشاعرة الفرنسية مارجريت دوارس اتخذت من العزلة طريق للكتابة لا انفكاك، فكان وقتها بين القراءة والكتابة دون علاقات اجتماعية فكانت حرفيًا تعيش وحيدة تتحدث عن تجربتها فتقول: "أنا أوجدت عزلتي لأنني قررت أنه عليَّ أن أكون وحيدة؛ أن أبقى بمفردي من أجل الكتابة كنت وحدي داخل البيت، حبست نفسي فيه كان الخوف ينتابني بالتأكيد، وبعد ذلك أحببته صار هذا البيت بيت الكتابة كتبي تخرج من هنا، من هذا الضوء، من الحديقة، من الشعاع الذي تعكسه البركة، لقد كلفني كتابة ما أقوله عشرين عامًا من العزلة".

إلا أن الكتابة قد تكون وسيلة اختيارية من جهة الكاتب للانعزال والوحدة، يهرب من كوكب الأرض لتحريك المجرات الأخرى يكون الكاتب عالقًا فيها وشغوفًا بها دون تسويق أو سعي أو اكتمال، يقضي الكاتب ساعات طويلة فلا يشعر بمرور الوقت ويتبدد الملل حينها وقدّ تأخذ منه أيام طويلة وهو يراجع ويدقق ويمحص في محاولة لإخراج النص بشكل يليق بأفكاره ومشاعره ويتضاعف الجهد عندما يريد أن يخرجه للعالم من حوله فيقضي أثمن أيام عمره وهو معتزل ووحيد لذلك كما قيل الكتابة "عمر الإنسان".

وبعد نشر ما يكتبه الكاتب يُصدّم بالواقع عندما يرى كلماته أثارة القلوب وحركت الأرض وجلجلة السماء ثم يتيقنّ بأن القلّم الذي يمتلكه قدّ سطّر كنوز لا مدَاد لها وأن العزلة التي كان يعيشها هي أنفاس الحياة، بل أن كُل ما سطره كانت رسائل حب ودعم للحب واحياناً كانت تنير الفكر وتوقظ المشاعر لذلك " أنت ككاتب أنت ليست وحيد".

 

المراجع:

- د. عبد الله إبراهيم، صفاء ذياب (النظر في المرآة) 30 كاتبًا عربيًا في سؤال الكتابة.

- روجيه غرينييه، (قصر الكتب)، دار مدى، 2018، الطبعة الأولى، بيروت، ترجمة زياد خاشوف.

- كارلوس ليسكانو، كاتب أورغواني (الكاتب والآخر)، من إصدارات مشروع كلمة، عام 2012م، بترجمة متقنة وسلسة من نهى أبو عرقوب.

- مقال الكتابة فن العزلة، شارك في اعداد الملف، رشا المالح، عبير يونس، شاكر نوري، باسل أبو حمدة، 03 أبريل 2011.


عدد القراء: 2368

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-