كريستيان ديروش نوبلكور «إمبراطورة النيل» و«كاهنة علم المصريات»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 21:56:06

سهير عبد الحميد

نائب رئيس تحرير الأهرام المصرية

"إذا فكر مخرج أو منتج في يوم من الأيام بنسخة نسائية من قصة إنديانا جونز فلن يحتاج إلى النظر أبعد من حياة "كريستيان ديروش نوبلكور" مصدرًا للإلهام فقد كانت من الشخصيات التي تفوق مسيرتها الخيال. سلوكها لا يشبه شيئًا بقدر ما يشبه بطلة أفلام الحركة. امرأة تتأرجح.. تحدت وقاومت لكن خارج فرنسا لاتزال غير معروفة نسبيًا".

                                                                                                                                    الكاتبة الأمريكية ليان أولسن

 

هناك لحظات فارقة تشكل حيواتنا، وهو ما حدث حين أخذت كريستيان ديروش نوبلكور وهي طفلة صغيرة، تنظر إلى مسلة الملك رمسيس الثاني في ميدان الكونكورد، تلك المسلة التي نقلت من معبده بالأقصر كهدية من محمد علي باشا "1805- 1848" إلى فرنسا. كان جدها يحملها على كتفيه كي تستطيع مشاهدة المسلة كما يحلو لها وهي تتنقل بناظريها بين النقوش المحفورة عليها دون أن تفهم مغزاها لكن الذاكرة حفظت تلك النقوش التي تعلق بها قلب الصغيرة. وازداد التعلق مع كل زيارة إلى متحف اللوفر صحبها فيها والداها المحبان للفنون. سمعت منهما عن ذلك الملك الصغير "توت" حين كانت في التاسعة من عمرها وكيف أن مستكشفا إنجليزيًا يدعى "هوارد كارتر"عثر لأول مرة في التاريخ على مقبرة كاملة لملك مصري حكم مصر القديمة وهو في الثامنة عشرة من عمره.

هكذا تشكل قدر نوبلكور وصار حلمها أن تدرس علم المصريات، فالتحقت بمدرسة اللوفر لدراسة الآثار المصرية وأثبتت جدارة جعلتها مسؤولة عن قسم المصريات بمتحف اللوفر وحين اجتاحت قوات هتلر باريس في مايو 1940، عكفت كريستيان مع موظفي المتحف على نقل مقتنياته من الكنوز المصرية القديمة إلى مخازن مؤمنة حتى لا تمتد إليها يد آثمة بالتدمير. وتتابعت ترتيبات القدر حين ساقت نوبلكور إلى أرض النيل لتكون أول امرأة تكسر احتكار الرجال لمهنة التنقيب عن الآثار. ثم كانت جزءًا رئيسيًا من حملة دولية شاركت فيها 50 دولة لإنقاذ آثار النوبة من الغرق تحت مياه بحيرة السد العالي. وكانت مهمتها الثانية الأهم في حياتها علاج مومياء الملك رمسيس الثاني عظيم البناءين والمحاربين وإنقاذها من التلف والتحلل. عكفت نوبلكور على دراسة الحضارة المصرية القديمة وقدمت حولها مؤلفات عديدة وكانت أول من لفت الانتباه إلى المرأة المصرية القديمة وعظيم دورها في بناء حضارة مازالت تدهش الناظرين إلى آثارها. هذه هي كريستيان ديروش نوبلكور عالمة المصريات الفرنسية "1913- 2011"، التي تستحق لقب "إمبراطورة النيل" الذي أطلقته عليها الكاتبة الأمريكية ليان أولسن في كتابها الذي صدر حديثًا بهذا العنوان، وهو اللقب الذي يتفق مع الوصف الذي أطلقه عليها الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي حين قال: "إنها السيدة العظمى للنيل التي مزجت دقة العالم بمشاعر الحماس لدى القائمين بالتعليم".

****

في كتابها "إمبراطورة النيل" الذي صدر في أبريل الماضي تقول الكاتبة الأمريكية ليان أولسن: "إذا فكر مخرج أو منتج في يوم من الأيام بنسخة نسائية من قصة إنديانا جونز فلن يحتاج إلى النظر أبعد من حياة "كريستيان ديروش نوبلكور" مصدرًا للإلهام فقد كانت من الشخصيات التي تفوق مسيرتها الخيال. سلوكها لا يشبه شيئًا بقدر ما يشبه بطلة أفلام الحركة. امرأة تتأرجح.. تحدت وقاومت لكن خارج فرنسا لا تزال غير معروفة نسبيًا"

في الكتاب تتبعت "ليان" رحلة كريستيان من مدرسة اللوفر حيث كانت من تلميذات القس "إتيين دريوتون" وهو واحد من أشهر علماء المصريات الفرنسيين، والذي عينه الملك فؤاد مديرًا للمتحف المصري ثم مديرًا لمصلحة الآثار المصرية "1936 – 1952" والذي رتب أولى الرحلات الميدانية لطلابه ومن بينهم نوبلكور إلى مصر.

بدأت "نوبلكور" مسيرتها العملية فكانت أول امرأة تتولى الإشراف على أعمال الحفائر عام 1938. أتقنت اللغة العربية واختبرت شغف البحث ولذة الكشف حين عثرت لأول مرة على مقبرة كاملة لزوجة مسؤول حكومي في قنا يعود عمرها إلى 4200 سنة، فاستحقت أن تكون أول امرأة تلتحق بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية. ظلت "نوبلكور" تعمل في المواقع الأثرية ولم تترك مناطق الحفائر وخصوصًا وادي الملكات الذي استهواها حتى بلغت السبعين من عمرها.

مهمة في متحف اللوفر

كفاءة "نوبلكور" غير المحدودة أهلتها كي تكون محافظة لقسم الآثار المصرية القديمة في متحف اللوفر، وهو المنصب الذي شغله من قبل العالم شامبليون الذي فك شفرة حجر رشيد فأتاح للعالم معرفة أسرار حضارة قدماء المصريين. وعندما اجتاحت قوات النازيين باريس إبان الحرب العالمية الثانية، وبلا أدنى تردد قامت نوبلكور مع جاك جاوجارد مدير المتحف بنقل المقتنيات الموجودة بالمتحف بما فيها مجموعة الآثار المصرية ولوحة الموناليزا رائعة دافنشي إلى قصر بعيد ثم إلى المنطقة الفرنسية الحرة بالقرب من الحدود الإسبانية. وبعد أن اطمأنت نوبلكور على نجاة كنوز اللوفر خلعت قبعة المستكشف الأثري لترتدي زي المقاومة الفرنسية.

إنقاذ آثار النوبة

سنوات عديدة قضتها نوبلكور في الجنوب في الأقصر وأسوان والنوبة حيث كنوز مصر من الصروح المعمارية ومقابر الملوك والملكات. كان غرق آثار النوبة يشكل لها أرقا؛ فقد تعرضت تلك الآثار للغرق ثلاث مرات المرة الأولى عند بناء خزان أسوان عام 1902 وما تبعه من ارتفاع منسوب المياه بشكل هدد الآثار، والثانية عام 1912 والثالثة عام 1932 وعندما تقرر بناء السد العالي في الخمسينيات كان واضحًا أن معابد النوبة ستواجه ارتفاع منسوب المياه بشكل دائم ولم يكن مقدرًا لمعبدي أبو سمبل وهما أكثر معابد المنطقة ارتفاعًا أن يفلتا من هذا المصير مما يعني أن النوبة وتاريخ كامل سيدفن في أعماق النيل.

في حوار لها مع صحيفة لوموند 2007، ذكرت كريستيان أنها التقت بالرئيس المصري جمال عبدالناصر وأعربت عن قلقها تجاه مصير 32 من المعابد القديمة التي قد تتأثر في جنوب النوبة بسبب مشروع السد العالي وقالت له: "دعني أتعامل مع هذا الأمر وأنا سوف أذهب لليونسكو وأتحدث معهم نيابة عنك. وأضافت: إنه وثق فيّ وسمح لي أن أفعل ذلك.. كان ذكيًا".

وفي كتابها "أسرار معابد النوبة "كتبت نوبلكور:

"ربما أن السد العالي قد أتاح بشكل ما توفير الخبز لحفظ رمق الحياة ولكنه في ذات الحين أضر بالحجر ضررًا قاسيًا فهذا هو بالفعل ما وقع للمعابد والمقاصير واللوحات الحجرية والرسوم المنقوشة فوق الصخور وكافة دلائل الحضارة العريقة القدم التي ظهرت وازدهرت بتلك المنطقة كلها فها قد صدر حكم نهائي بإغراق كل شيء إلى الأبد ولكن علينا أن نقر ولا ننسى أن "الإنسان لا يحيا بالخبز فقط".  وها هو القديس متى يذكر حكمته هذه "حالما يتم إشباع الجوع المادي فسرعان ما يظهر الجوع الذي لا يخمد ولا ينطفئ أبدا المتعلق بأشياء أخرى". لذلك حتمت الضرورة إنقاذ معابد النوبة من الغرق الأبدي خصاصة أنها كانت معرضة لخطر جسيم منذ حوالي نصف قرن هذه النصب المجهولة إلى حد ما لعدم سهولة الوصول إليها المفعمة بالتاريخ والوقائع والقصص ولم يكن أحد يعرف مضمون وحقيقة رسالتها!! إذن والحال هكذا كان عليّ كأثرية أن أوجه تحذيرًا إلى كبار شخصيات العالم أجمع بل وأهيب بهم للمشاركة في عمل جماعي من أجل الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الذي اعتبر لأول مرة في التاريخ بمثابة جزء من التراث الحضاري للإنسانية جمعاء".

ويروي د. ثروت عكاشة(1) كيف جاءته فكرة حملة الإنقاذ أثناء توليه منصب وزير الثقافة، حين زاره السفير الأميركي بالقاهرة وبصحبته مستر روريمر مدير متحف المتروبوليتان والذي عرض شراء واحد أو اثنين من معابد النوبة المحكوم عليها بالغرق بعد بناء السد العالي. ويحكي عكاشة أن العرض أثار غضبه فرد عليه معاتبًا: "إنه لجدير بمتحف المتروبوليتان أن يبادر بالعون العلمي لإنقاذ هذا التراث الإنساني بدلاً من التفكير في شرائه".

ومن هنا قرر عكاشة السفر إلى النوبة ليشاهد تلك الصروح المعمارية المهددة بالغرق وشكل لجنة من المهندسين والآثاريين لدراسة الوضع وكانت النتيجة أن كل ما يمكن للمتخصصين عمله هو تسجيل وتوثيق تلك الآثار قبل غرقها. يقول عكاشة: "هكذا كانت الصورة في أواخر عام 1958: خطوات جادة تجري لتشييد السد العالي وتسجيلات فحسب لآثار النوبة، وأيد مكتوفة أمام الخطر المحدق بآثار النوبة الغالية، وحيرة عميقة في النفس أمام هذا التساؤل: كيف لثورة يوليو 1952 أن تشتري رخاء المستقبل بالتفريط في معالم خالدة من تراث الماضي؟ وكيف يكون مستقبلنا مشرقًا إلا إذا كان امتدادًا لماضينا العريق؟ وهل يمكن أن يتحقق النمو الاقتصادي دون وعي ثقافي؟ وهل يكتمل الوجه الحقيقي لثورة 23 يوليو إذا شيدت السد العالي الذي يهدف إلى رفع مستوى معيشة الإنسان المعاصر في بلادنا، دون أن تحافظ على أسمى ما أبدعه الإنسان في تاريخه البعيد؟ وهل يتألق وجدان إنسان الحاضر إذا وجد ما يشبعه من ماديات دون أن يجد إلى جانبهما يشبع حسه من روحانيات؟".

ويتحدث عكاشة عن حالة القلق الذي تملكته حتى زارته السيدة كريستيان ديروش نوبلكور وكانت آنذاك مستشارة اليونسكو بمركز تسجيل الآثار "وعندما لمست مدى قلقها على الآثار المهددة بالغرق ومدى إدراكها لمخاوفي كاشفتها بما في نفسي وبعزمي على الاتصال بمدير اليونسكو ، فإذا هي تقترح علي أن أنتهز فرصة وجود مساعد المدير العام المسيو رينيه ماهيه في أديس أبابا فألقاه، فاتصلت به لتوي ليلقاني في طريق عودته إلى باريس، فحدد لي موعدًا في مطلع شهر يناير 1959 ليلقاني بالقاهرة بين موعد طائرتين نظرًا لارتباطه بالتزام رسمي في اليوم التالي بمقر المنظمة بباريس". واستجاب عكاشة لنصيحة نوبلكور واستقبل المسيو رينيه في مكتبه بقصر عابدين "وكنت قد اشرت بإعداد خريطة ضخمة لمجرى النيل من وادي حلفا جنوبا حتى أسوان شمالاً مبينًا فيها المعابد السبعة عشر المنتشرة على ضفتي النيل لتكون تحت بصر رينيه ماهيه" وأتى اللقاء أكله حين أطلق المدير العام لمنظمة اليونسكو في مارس 1960 نداء علنيًا عالميًا لإنقاذ الآثار المهددة بالغرق وتم نقل المعابد الكبري في السواحل المرتفعة بحيث لا تصلها مياه البحيرة مع مراعان اتجاه كل معبد منها بالنسبة لشروق الشمس ومجرى النهر.

ونجحت الحملة في انقاذ 22 أثرًا ومعلمًا من آثار النوبة. وكان دور نوبلكور حاسمًا فقد شاركت في عمليتي التسجيل والتوثيق وأجبرت شارل ديجول على المشاركة في تلك الحملة رغم القطيعة السياسية بين الحكومتين المصرية والفرنسية عقب العدوان الثلاثي على مصر 1956، ووصف اليونسكو هذا المشروع بأنه أعظم عملية إنقاذ للآثار على الإطلاق.

وقد أثنى عكاشة في مذكراته على الجهد الذي بذلته نوبلكور في هذه الحملة "أسجل لها حماسها المتدفق وإيمانها بمشروع الإنقاذ إيمانًا بلغ مرتبة العقيدة ثم إدراكها الرهيف لأهمية آثار النوبة وغيرتها عليها وسعيها الدائب في سبيل المحافظة عليها ثم جهودها الإيجابية المثمرة في دفع حملة الإنقاذ في شتى مراحلها منذ البداية حتى النهاية، وأذكر مثالاً على ذلك ما كان لهذه السيدة من جهد مخلص وحرص في إنجاح العمل، أنها كانت ذات يوم بمعبد كلابشة على بعد سبعة وخمسين كيلومتر جنوبي أسوان واقتضى الأمر أن تعرض عليّ أمرًا هامًا فاستقلت الباخرة النيلية إلى أسوان ومنها بالطائرة إلى القاهرة حيث علمت أنني كنت في دمشق أباشر عملي وزيرًا للثقافة هناك(2)، ولم تثنها تلك المفاجأة عن عزمها فاستقلت الطائرة لساعتها إلى دمشق لتصلها في نفس اليوم ولكنها لم تكتف بذلك بل تابعت سفرها للقاء السيد رينيه ماهيه في باريس واستكملت ما أرادته منه، وفي مساء اليوم التالي كانت تواصل عملها في أرض النوبة من جديد".

فرعون المعجزات

كانت نوبلكور تكن تقديرًا خاصًا للملك رمسيس الثاني وترى أنه أعظم ملوك عصره عن جدارة وأنه استحق أن يكون ملك الملوك في تاريخ الشرق الأدنى القديم دون منازع. لذا ففي عام 1985 حين كلفها وزير الثقافة الفرنسي ميشيل جي ونظيره المصري بمهمة تنظيم معرض في باريس عن فرعون من فراعنة مصر ليتم إعداد معرض متنقل في كندا والولايات المتحدة من مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة، لم تتردد في اختيار الملك رمسيس الثاني.. ذلك الفرعون الذي قرأت عنه كثيرًا والتقت وجها لوجه مع صروحه الضخمة في المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والثاني لنهر النيل حيث شيد سبعة معابد ضخمة في مساحة لا يقل مداها عن 390 كم هي: بيت الوالي، جرف حسين، وادي السبوع، الدر، محا وإبشك "وهما معبدان كهفان في أبي سمبل واكشا" شمال السودان.

ثم حاولت مع مجموعة من الباحثين الفرنسيين والمصريين كشف أسرار معبده الرمسيوم هذا المنشأ الديني المهيب وعملت على تخيل وإعادة تكوين بناء بيت الولادة "الماميزي(3) المنفصل تمامًا عن المعبد المجاور له والذي كان رمسيس قد شيده من أجل أمه "توي" وزوجته الملكة نفرتاري.

ثم كتبت نوبلكور مؤلفًا مستقلاً ومفصلاً عن الملك رمسيس الثاني ثالث ملوك الأسرة التاسعة عشرة التي تولت حكم مصر لفترة تزيد على مائة سنة بدأت عام 1305 ق.م وانتهت عام 1196 ق.م، ورمسيس الثاني ابن الملك العظيم "سيتي الأول" والملكة "موت تويا" وقد شارك أباه الحكم منذ كان فتى يافعًا فتمرس على أساليب الحكم في الدولة والفنون العسكرية، واسم رمسيس هو تصحيف يوناني للاسم المصري حسب كتابته ونطقه باللغة المصرية القديمة وهو "رع مس سو" أو "رعمسو" ويعنى "إله رع هو الذي خلقه" ويكتب اسم رعمسيس كما درجنا عليه رمسيس، وقد عرف الفرعون العظيم في التاريخ القديم بأنه "رمسيس الفاتح" وذلك لكثرة الحملات الحربية التي قادها والفتوحات التي تحققت على يديه، وكما كان رجل حرب كان رجل سلام فقد أجرى أول معاهدة سلام عرفها التاريخ مع الحيثيين 1259ق.م، وتعرض نسخة منها حاليًا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

وهو أيضًا سيد البناءين الذي شيد المعابد العظيمة في بلاد النوبة منها: معبد السبوعة وأبو سمبل المعروف بمعجزته الفلكية، فقد وضع التصميم الهندسي لقدس الأقداس الذي يتعمق في قلب الصخر حوالي 55 مترًا بما يتيح لأشعة الشمس أن تدخل إليه مرتين فقط كل عام في 21 فبراير و21 أكتوبر، وعلى مقربة من الجانب الشمالي لمعبد أبو سمبل شيد رمسيس معبدا أقل حجمًا تكريسًا لعبادة الآلهة "حتحور" وأهداه إلى زوجته الجميلة نفرتارى.

تم العثور على مومياء الملك رمسيس الثاني بمنطقة الدير البحري بالأقصر عام 1881 في سرداب طوله ثمانية أمتار يقبع في نهاية نفق ارتفاعه 180 سم وعرضه 240 سم يعلوه بئر عميقة تصل إلى اثني عشر مترًا، وقد عثر على مومياء الملك في تابوته إلى جانب مجموعة من المومياوات الملكية الأخرى وقد تم نقلها جميعًا إلى ساحل بولاق، ولما لم يعرف رجال الجمارك وقتها كيفية تقدير الرسوم المطلوبة على نزول المومياء طلبوا عليه رسوم الأسماك المملحة ووضعت المومياء في متحف بولاق. وفى اليوم الأول من يونيو 1886 تم الاحتفال بفك الأربطة عن المومياء بناء على طلب الخديو توفيق وبحضوره، وقام عالم الآثار الفرنسي "ماسبيرو" بفك اللفائف الكتانية والأكفان وكان على القماش الذي يغطى الصدر اسم الملك رمسيس الثاني وكانت توجد تحت الأكفان السميكة لفائف من الكتان الرقيق للغاية الذي يشبه الموسين الهندي الشفاف، وقد قال ماسبيرو بعد ذلك: إنه في اللحظة التي ظهرت فيها شخصية الملك رمسيس عاريًا دون أكفان ولا لفائف، اندهش الجميع واندفعوا نحوه كالقطيع وهم مأخوذون بما يرون حتى أوقعوا الملك على الأرض.

الرحلة التاريخية

اهتمام نوبلكور الفائق بالملك رمسيس الثاني جعلها توجه العناية لإنقاذ موميائه التي أصابتها الفطريات ومن ثم كانت مهددة بالتحلل والفناء، ونجحت مساعيها في نقل مومياء الملك إلى متحف الإنسان في باريس ليخضع للعلاج. وفي عام 1976م وافق الرئيس أنور السادات على اقتراح الرئيس الفرنسي ديستان، بنقل مومياء الملك رمسيس الثاني إلى فرنسا، وتقرر سفر المومياء للعلاج في باريس على متن طائرة عسكرية فرنسية في حراسة ضباط مصريين وتم استقبال مومياء الملك رمسيس الثاني في باريس استقبال الملوك والرؤساء الرسميين من قبل الحرس الجمهوري الفرنسي ووقف في مقدمة استقبال مومياء الملك مبعوثة الرئيس الفرنسي وقائد القوات المسلحة الفرنسية وسفير مصر بفرنسا وعزف النشيد الوطني المصري وأطلقت المدفعية الفرنسية. وأصرت نوبلكور التي صاحبت المومياء على أن تدور العربة التي تحمل جثمان الملك حول مسلته العظيمة بميدان الكونكورد.

 ولما وصل الملك رمسيس إلى المستشفى المخصص لعلاجه، كان في انتظاره فريق بحثي مكون من 105 من الباحثين والفنيين المتخصصين. خضعت المومياء لعدد من التحاليل والفحوصات، وقد ثبت من الفحص أن طول المومياء حوالي 173 سم وأن ملامحها بيضاء شديدة الشبه بسكان البحر المتوسط بشعر أشقر حريري، وأشارت الأشعة السينية إلى سلامة الهيكل العظمى بخلاف بعض التكلس في غضاريف العمود الفقري والجمجمة وأعراض التهاب المفاصل. ووجد الباحثون أن الملك لازال محتفظًا بملمسه الحريري ولونه أحمر يميل إلى الشقرة وأن الملك كان يستخدم صبغة صفراء مخففة يحتمل أن تكون من الحناء. وذكرت التقارير أن هناك شرخًا بين الفقرتين السادسة والسابعة من فقرات العنق وقيل إن هذا حدث أثناء عملية تحنيط المومياء.

حتشبسوت درة ملكات مصر

كانت نوبلكور صاحبة أول مؤلف مستقل عن الملكة حتشبسوت، والذي كانت كتابته أمرًا صعبًا للغاية عبرت عنه "نوبلكور" في مقدمة كتابها عن درة ملكات مصر "إن محاولة إحياء مغامرة قامت بها سيدة مصرية توفيت منذ ما يزيد عن ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة قد تبدو أمرًا خياليًا خصوصًا أن الكثير من آثارها وإنجازاتها قد طمسها الزمن وتعاقب القرون.. وقد تبدو هذه المحاولة أكثر صعوبة وخطورة إذا كان الأمر يتعلق بملكة اكتنفها الغموض والإبهام: عانت نصبها ومنشآتها من عمليات تدمير وهدم مستمر ومنتظم".

وقالت نوبلكور إن حتشبسوت اغتنمت الفرصة للانطلاق على طريق مغامرتها الكبرى بمجرد بدء الاحتفالات الخاصة باعتلاء العرش وتنصيب الوريث وسعت لإقناع الآخرين أن أباها تحوتمس الأول فضلها وأشركها في شؤون البلاد وهو ما يظهر في بعض الوثائق التي يحتفظ بها في اللوفر ولإضفاء شرعية دينية على حكمها ابتكرت قصة الولادة الإلهية التي جامع فيها الإله آمون رع أمها الملكة اعح مس، وأمرت بنقش تلك القصة على جدران معبدها بالدير البحري.

لم تهتم "نوبلكور" وحسب بملكات مصر القديمة بل كانت مهتمة بالمرأة المصرية القديمة على وجه العموم ودورها في المجتمع وبعد دراسة وافية لبرديات تحوي وثائق زواج وطلاق وبعد دراسة الأدب المصري توصلت إلى أن "المرأة المصرية كانت تحيا حياة سعيدة في بلد يبدو أن المساواة بين الجنسين فيه أمر طبيعي".

ودللت نوبلكور على ما نالته المرأة من مكتسبات من خلال تسليط الضوء على دورها في دنيا الأرباب، حيث أكدت أن العنصر الأنثوي في دنيا الآلهة كان جوهريًا؛ فهى الرفيق والشريك والكفيل وكانت تبعث السرور والفرح على قلب الإله إذا أصابه الكدر. ورأت نوبلكور أن مكانة المراة في المجتمع المصري مظهرًا من مظاهر الحضارة التي عرفت كيف تجعل من الأم ومن الزوجة أو الابنة رمزًا لأكمل مظاهر المساواة في إطار أكثر الفروق منطقيًا وإقناعًا وهو حال كانت المرأة الأوروبية في أوائل القرن بعيدة عنه كل البعد من عدة نواح.

 "المرأة المصرية، الأم التي يجب احترامها قبل كل شيء، تخضع المرأة لقانون أخلاقي صارم ولكنها تتمتع بحرية تعبير كبيرة. كما أن قدرتها القانونية كاملة واستقلالها المالي المدهش وتأثير شخصيتها في الحياة المحلية والإدارية للصالح العام ومصلحتهن الخاصة".

المسرح الفرعوني

في كتابها "النوبياد الكبرى" تروي نوبلكور أن ثروت عكاشة وزير الثقافة كان قد حدثها خلال إحدى زياراته الى باريس عن اكتشافات تتعلق بوجود نصوص مسرحية فرعونية وأعرب عن أمله في تقديمها في عروض مسرحية ويبدو أن ذلك جاء بعد ترجمته كتاب "اتيين دريوتون" مدير مصلحة الآثار المصرية الذي صدر عام 1942 "المسرح المصري القديم". وترجمه عكاشة عام 1966. ففي هذا الكتاب أثبت "دريوتون" أنه كانت لدينا بالهيروغليفية نصوصًا مسرحية مكتملة أقدمها "انتصار حورس" المنقوش على جدران معبد إدفو. وبالفعل اتصلت نوبلكور بـ"جان فيلار"(4) حسب رغبة ثروت عكاشة وبالفعل وافق فيلار على المشروع وبدأ في قراءة النصوص الفرعونية وتوقف طويلاً عند الجانب الأسطوري والرعوي منها وعند مشاهد الأعياد الفلاحية والكرنفالات والكفاح ضد قوى الشر وتعبيرات الأمل والانتظار. لكن المشروع تعثر بعد وفاة فيلار.

ثروت عكاشة والملك توت

حازت نوبلكور في نفس المثقف الكبير ثروت عكاشة، مكان ومكانة عبر عنهما في تقديمه مؤلفها عن توت عنخ آمون، إذ نجده يكتب عنها قائلاً "ولقد أتيح لي أن أشجع هذا العمل الممتاز في الوقت الذي كنت أشغل فيه منصب وزير الثقافة والإرشاد القومي للجمهورية العربية المتحدة وارتاحت له نفسي لأن مصير هذا الكنز لا يمكن أن يعهد به إلى شخصية أكثر تخصصًا وخبرة في عالم الفن والآثار من مدام كرستيان ديروش نوبلكور عالمة الآثار المصرية القديرة التي أثبتت بنشراتها وأعمالها العظيمة في فرنسا ومصر منذ حوالي ثلاثين عامًا في مناطق الحفر التي تتولاها بلادها في مصر العليا وفي متحف اللوفر ودراسته وكذا في بعثة اليونسكو لدي حكومة بلادي. إنها جديرة بأسلافها العظام ولقد قدمت لها يد المعونة برهانا على تقديري لكفايتها ومثابرتها على مواصلة العمل الذي قام به مريت باشا وبخاصة لكمال مشاعر الوفاء والصداقة الحق التي تكنها لمصر على الدوام".

عودة إلى مسلة الكونكورد

لم تنس نوبلكور يوما المشهد الأول الذي أطلق شرارة عشقها لحضارة المصريين حتى توجوها كاهنة لعلم المصريات، الآن أضحت تستطيع قراءة النص المكتوب على المسلة بالهيروغليفية "رمسيس قاهر كل الشعوب الأجنبية السيد على كل من لبس تاجًا. المحارب الذي هزم الملايين من الخصوم والأعداء والذي خضع العالم كله لسلطانه ومعترفًا بقوته التي لا تقهر".

وفي كتابها "تحت أعين الآلهة"، تذكر نوبلكور أنها اقترحت وضع هريم ذهبي فوق قمة مسلة الكونكورد ودار سجال حول الأمر استمر بين مؤيد ومعارض طوال السبعينيات لكنها عادت لتطرحه مجددًا في نهاية التسعينيات بمناسبة الاحتفال بمرور مئتي عام على حملة بونابرت لمصر وقالت إن الفكرة تستهدف "الحفاظ على المسلة وتعطيها شكلاً جماليًا ورمزيًا".

وظلت نوبلكور تروج للفكرة واغتنمت فرصة زيارة الرئيس مبارك لفرنسا لوضع الهريم الذهبي وكتبت بذلك إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووضعت لافتة مذهبة بجانب قاعدة السملة تحمل اسم شامبليون صاحب فكرة نقل مسلة الأقصر التي أصبحت معلمًا فرنسيا يحتفل حوله الفرنسيون كل عام بالعيد الوطني.

تقدير مصري وفرنسي

نالت نوبلكور تقديرًا بين الآثاريين المصريين الذين لمسوا عشقها للآثار المصرية وتفانيها في الحفاظ عليها بروح فنانة عاشقة وعالمة تدرك قيمة كل حجر. وفي عام 2005 كرمها وزير الثقافة المصري فاروق حسني في معرض كبير بالمتحف المصري كان يضم 25 تمثالاً نادرًا في حفل ضم تكريم اسمي عالمي المصريات الفرنسيين شامبليون وجورج لوغران الذي عثر على هذه التماثيل عام 1904 في الكرنك. وفي العام نفسه منحها الرئيس الفرنسي السابق جك شيرك وسام الشرف الفرنسي بمرتبة "ضابط كبير".

وعلى هامش الاحتفالية الكبرى التي نظمتها السفارة المصرية بفرنسا بمناسبة مرور 200 سنة على اكتشاف معبد أبي سمبل 2017، أكد خالد العناني على أن فرنسا كانت شريكًا أساسيًا من خلال وزير الثقافة الفرنسي الأسبق اندريه مالو وعالمة المصريات كريستيان نوبلكور في توعية المجتمع الدولي بضرورة إنقاذ معابد النوبة.

توفيت كريستيان ديروش نوبلكور في 23 يونيو 2011 بعد حياة حافلة سطرت خلالها اسمها بأحرف من نور في سجل حراس التراث الحضاري المصري وتركت مجموعة من المؤلفات ماتزال مرجعا مهما للباحثين في مجال علم المصريات.

 

الهوامش:

1 - د. ثروت عكاشة "1921- 2012 " كاتب ومثقف مصري، عين وزيرًا للثقافة والإرشاد القومي 1958-1962، حصل على العديد من الجوائز والأوسمة منها الميدالية الذهبية لليونسكو لجهوده من أجل إنقاذ معابد فيلة وآثار النوبة 1968 وجائزة مبارك في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة 2002، له عدة مؤلفات مهمة منها: الفن الإغريقي، القيم الجمالية في العمارة الإسلامية، تاريخ الفن الروماني، معجم المصطلحات الثقافية.

2 - كان ذلك إبان قيام الوحدة بين جمهوريتي مصر وسوريا التي أعلنت في 22 فبراير 1958 تحت رئاسة جمال عبدالناصر وانتهت بانقلاب عسكري في دمشق 28 سبتمبر 1961.

3 - الماميزي: أو بيوت الولادة من الأماكن المقدسة في معابد مصر القديمة وهي الأماكن التي يولد بها الطفل الإلهي حسب المعتقدات المصرية القديمة ولها أمثلة عديدة في معابد دندرة وفيلة وإدفو، ومن النقوش المميزة لبيوت الولادة الإله خنوم وهو على عجلة الفخراني يشكل الطفل ثم يقدمه إلى والده كما تظهر في الرسوم الآلهة التي تعنب بحماية الطفل والأم مثل الالهة تاورت والإله بس.

4 - جان فيلار "1912- 1971" ممثل ومخرج مسرحي فرنسي، هناك مسرح بمدينة مونبيليه بجنوب فرنسا يحمل اسمه.

المراجع:

- توماس جورجسيان، مجلة صباح الخير، 1 مارس 2023

- إبراهيم العريس، اندبندنت عربية، 29 سبتمبر 2020

-كريستيان ديروش نوبلكور: أسرار معابد النوبة، تصدير زاهي حواس، ترجمة فاطمة عبدالله محمود، مراجعة وتقديم: د. محمد ماهر طه، المجلس الأعلى للآثار، القاهرة 2010.

- كريستيان ديروش نوبلكور: توت عنخ آمون حياة فرعون ومماته، ترجمة: أحمد رضا ومحمود خليل النحاس، مراجعة د. أحمد عبد الحميد يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1974.

- كريستيان ديروش نوبلكور: حتشبسوت، ترجمة فاطمة عبدالله محمود، مراجعة وتقديم: د. محمد ماهر طه، المجلس الأعلى للآثار، القاهرة 2005.

- كريستيان ديروش نوبلكور: رمسيس الثاني فرعون المعجزات، ترجمة فاطمة عبد الله محمود، مراجعة وتقديم: د. محمد ماهر طه، المجلس الأعلى للآثار، القاهرة 2005.

- ثروت عكاشة: مذكراتي في السياسة والثقافة، دار الشروق، القاهرة 2000.


عدد القراء: 2539

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-