محمد مندور، وقضايا الأدب الحديث بين الناقد والمبدعالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 22:34:47

محمد عطية محمود

كاتب وناقد مصري

يذهب د. محمد مندور 1 (1907-1965) في طرحه للعلاقة بين الإبداع وأزمة النقد العربي، مذهبًا بينيًا يصيب كبد الحقيقة التي كان يسعى لها من خلال مشروعه النقدي التنويري الأبرز، فهو يخرج من بين حطام التعريفات وتراكماتها المثيرة للجدل إلى قناعات نقدية يبدو اتكاؤها على الفعل الإبداعي أكثر بكثير من اتكائها على الفعل التنظيري الأكاديمي الموشوم بالنمطية والتحجر، تلك التي تعيق إقامة علاقة جيدة مثمرة بين الناقد والمبدع، تلك العلاقة التي غالبًا ينتزع منها النقد طزاجة التجربة الإبداعية لصالح المصطلح أو الحالة الخارجة من رحم الجمود، فهو على العكس من ذلك يحدد بداءة مهمة الناقد الأساسية في: "البحث عن الأصالة الفردية المتميزة للكاتب المتميز، وأن النقد هو فن تمييز الأساليب"2.

تلك العلاقة التي تفرض تأثيرها على ذائقة الناقد المنطلقة من وحدانية وفرادة التجربة التي يقوم بها المبدع ليضعها على محك التحليل وليس التنظير، انطلاقًا من اهتمام جوهري بقيمة التأثير الإبداعي للقيمة التي تضع شروطها وضوابطها الخاصة أمام الحالة النقدية المواكبة، تلك التي تنقاد للنص/الإبداع، وليس بالضرورة أن يخضع لها النص أو ينقاد، فالعلاقة هنا في ميزان مندور النقدي ترتكز على أن: "النقد التأثري هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه كل نقد سليم، وأنه لا بد من تعريض أنفسنا للمؤلف الأدبي والبحث عن تأثيره فينا، وهذا أساس كل نقد"3.

بهذه الدقة الحاسمة التي توجه الدفة بكليتها في اتجاه مصبات الإبداع بما تحمله هذه الشحنة الوجدانية/ المعرفية التي يواجه بها الناقد النص المطروح أمامه بروح الفن، وليس بروح التنظير الكامن في خلفية الناقد الذي ربما كان دارسًا للقواعد والالتزامات التي ينبغي عليه صب النص في قالبها – لا العكس - الذي في الغالب لا يصلح لهذا النص أو ذاك، ذلك أن الفن ما هو إلا معادلة ليست قياسية بقدر ما هي إبداعية متغيرة ومتحورة، وقابلة للتحول والتغيير بحسب الثوب الذي يلبسه المبدع لإبداعه، سواء كان شعرًا أم نثرًا، والذي لا ينبغي أيضًا أن يخرج من الإطار الفني بمعادلة وجود متغير ولكنه موجود ضمن إطار ارتباط وشيجة الفن بما يقدمه من مضمون قد يعوَّل عليه كثيرًا في اكتمال تلك الصورة البلاغية التي تخرج من رحم المعاناة الإبداعية والحياتية على حد السواء، وبنفس النسق الارتباطي المهيمن من أجل إدراك تلك القيمة على مستويي الشكل والمضمون.. الشكل المبتكر في الفن، والموضوع الذي تختلف صيغ التعبير عنه بحسب الحالات الإنسانية المتباينة، ما يجعل الحديث عن علاقة الفن بالحياة هو القضية التي تربط كل تلك العوامل ببعضها لإنتاج فن مرتبط بالوجود، ومن ثم أهمية العملية النقدية المواكبة التي من المفترض أن تكرس لتلك المعادلة الإبداعية.. وهو ما أسس له في كتابيه الأولين: "النقد المنهجي عند العرب"، و"في النقد والأدب".

الفن للفن.. والفن للحياة

يقول مندور: "مذهب الفن للفن لا يعني أن يخلو الأدب من الموضوع"4 .. فترتكز – هنا - الفكرة  التي يبثها في طرحه النقدي التأسيسي إلى ربط تلك العلاقة الأزلية بين الفن والحياة، وما يستتبع ذلك الفكر من حرص على تجسيد الأسباب الرئيسة للصراع بين أنصار تلك الدعوة، والدعوة الأخرى المضادة في ظاهر العلاقات التي يثيرها النص الفني/الأدبي في الأساس، فهو لا ينحاز إلى أي من المعسكرين الذين يملك كل منهما أسبابه للدفاع عن وجهة نظره أو ربما عقيدته التي يتعامل بها مع النص الإبداعي الذي يراوغ النقد ويعمل على خلخلة المفاهيم القارة عنه دائمًا، فهو يقول في هذا الصدد: "إن بعض دعاة الفن للفن يخفون أهدافهم الحقيقية خلف الغيرة على الفن وأصوله، والجبهة الأخرى جبهة الفن للحياة تسرف في الحماسة للمضمون إلى حد إهدار الفن وأصوله مع أن الفن وأصوله ليسوا أعداءً للمضمون الذي يؤمنون به، بل هم وسيلة فعالة في تقوية هذا المضمون وتقريبه إلى النفس"5.

فالعوامل كلها تصب في مصلحة الفن الذي هو بالأساس التعبير عن تلك الطاقة الخلَّاقة التي تبثها فيه الحياة المقترنة بالوجود وإشكالياته بعيدًا عن تلك الجماليات اللغوية (المهمة أيضًا) التي يركن إليها دعاة الفن للفن، فالفن ليس زخرفة بلاغية وفكرية وكفى، ولكنه تلك الخلطة التي تعجن مكوناته من روح ولحم ودم، فليكن الموضوع هو هذا الكيان الذي تسري فيه روح الفن، وهو الذي تكمن فيه معيارية الجمال في الخلق الإبداعي المتفرد، المتعدد المدلولات والطرح، والذي يمثل كيانات مختلفة لكنها لا تخرج عن النسق الإطاري الذي يحافظ على تقاليد الفن الروحية، وليست المادية الشكلية المتمثلة في تلك النزاعات، ففي ميزان مندور القائم بين الإبداع والنقد يتضح لنا قيمة هذا الجمال الذي هو أساس تلك العلاقة، والذي تتعدد صوره وأشكاله وأنماط التعامل معه، لكي تستقيم به المعادلة بين الاتجاهين لإنتاج فن للحياة وللفن أيضًا:

"الجمال في الأدب هو الآخر شيء غير موحد المدلول، فهو في القصيدة الشعرية قد يكون القدرة على التصوير كما قد يكون في قوة الانفعال أو في عمق الصدق وهز النفس بالتعبير المبتكر أو بالصورة الفريدة غير المبتذلة، أو بالمعنى العميق الذي قد نحس به في غموض، ولكننا لا نستطيع أن نأخذ بناصيته لنودعه اللفظ المعبر، ومن كل هذه الإشارات العابرة تتضح مشاق الأدب كفن جميل"6. 

فهو الاعتراف الجميل بأن الأدب لا يخلو من المشاق، وبأهمية الجهود المبذولة على شرف الكلمة المبدعة التي تتباين صور التعبير عنها وتتلاقى في قوة الانفعال المتبادلة بين الإبداع والنقد/التلقي، والتأثر بجماليات الصورة، وبلاغة التعبير المبتكر، واختيار الصيغة القوية التي تميز هذه الحميمية والصلة بقوة التعبير والمجاز، وهو ما يجعل العملية النقدية عملية موازنة ومعادلة لهذا الطرح بعيدًا عن تلك الحرب المزعومة التي تجعل النقد مع/ ضد، من خلال ثنائية المدح/ الذم التي تقلل من شأن العملية الإبداعية التي لا تجد صداها الجيد والموفق بتلك الصيغة المهاجمة أو المحابية على حد السواء، وهو مما يواجه حالة النقد الآنية التي قد تفتقد الكثير من العوامل التأسيسية للحالة النقدية، والتي نبَّه إليها "مندور" في منتصف القرن العشرين!! فهو يقول: "النقد الخالق ليس نقد مدح أو ذم، بل نقد تفسير وإيضاح وإبراز لما تحمل الآثار الأدبية الممتازة من قيم تساعد على تحقيق السعادة للبشر"7. 

ما يجعل من العملية النقدية، حالة موازية تمثل الإضاءة الشارحة والمفسرة والميسرة أحيانًا لفك مغاليق العمل الأدبي الإبداعي وتقديمه للمتلقي الآخر/القارئ، كوظيفة من الوظائف الأساسية للنقد في صورته القويمة والصحيحة، والتي ينبغي أن تكون دائمًا على المحك، من أجل هدف نبيل من الأهداف التي تمثل إضافة قيمية لمهمة النقد التي ترتقي لديه إلى هذه المرتبة الروحية لإسعاد البشر.

أزمة النقد العربي

وهي التي تجعله ينتقل إلى قيمة أخرى من قيم صور وتعامل النقد مع الحالة العامة الثقافية والاجتماعية الموجهة لصالح تلك البشرية التي يجب على الإبداع والنقد أن يقدموا لها ما يسعدها، فيشرك في هذه الرؤية الضافية عنصر النشر (البالغ الأهمية والتأثير) في هذا المضمار الحيوي الذي من المفترض أن ينقل الثقافة إلى أكبر قطاع من الجماهير، وهو مما يعد من قبيل انتصار الفن للحياة بتقديم لنماذجها مع نشر الوعي من خلال عملية النشر التي توزع الثقافة على قطاع عريض ينبغي أن نحرص على تقديم المضمون الجيد له كجزء من العملية التنويرية للنقد والإبداع:

"العبرة ليست بوسيلة النشر، إنما العبرة بالناقد وثقافته وقدرته على مزاولته مهنته، كما أن الصحافة في بلادنا تعتبر وسيلة أيسر ثمنًا وأكثر انتشارًا وأخف مقرونة بشرط أن تختار الصحف لهذه المهمة السامية النقاد الأكفاء، وأن تمهلهم في القراءة والدرس، وتوفر لهم من الاستقرار ما يعينهم على أداء مهمتهم الشاقة"8. 

تلك المهمة الشاقة أيضًا التي يلقي بها الناقد في مشروعه النقدي المتطلع لمجاراة المشروعات النقدية على مستوى العالم، على الصحافة التي فقدت الكثير من هذا التأثير في حالتنا الراهن - بالرغم من انتشارها على أوسع نطاق من خلال المجلات والدوريات وانتشار الكثير من الأسماء التي اتسعت رقع انتشارها أيضًا فيما بين أكاديميين وخارجين من رحم الإبداع، وآتين فيما بين ذلك من منطقة غائمة لا ملامح لها – فمقومات العملية الثقافية برمتها تستند إلى عدة عوامل منها الحرص على نوعية الناقد أو الباحث الذي يجب أن يكون تجليه في تلك الكتابة الموازية كإبداع يقدم طرحًا مغايرًا وموثوقًا فيه ومعتمدًا على الأطر الأساسية الخارجية السليمة التي تضمن سلامة الطرح للمضمون مع الحفاظ على قدسية الغرض الذي يأتي من أجله النقد، ولا يكون مجالاً لأشياء أرى قد تفقد قيمة النقد مع شروط وآليات النشر في تلك الصحف والمجلات التي تعمل على الاختزال والاختصار والاضطرار إلى قديم مجموعة من المقالات خارجة أو بعيدة عن المفهوم النقدي الأصيل، وهو ما نعانيه الآن وبشدة..

ليعمق الناقد من آثار تلك الأزمة القديمة/الجديدة التي يرجع وجودها بالأساس إلى أزمة النقد التي تعود جذورها إلى تراث النقد العربي القديم، وعدم استفادته من التجارب النقدية أو المفاهيمية التي يسرت الطريق أمام العديد من الاتجاهات التي أعطت مفهومًا مغايرًا للعملية النقدية، وهو ما أثر بالسلب في تلك العلاقة بين الناقد والمبدع تحديدًا: "وبمراجعة تعليقات الفارابي وابن سينا وابن رشد، على كتاب الشعر الذي ترجمه متى بن يونس على نحو ما نشره الدكتور عبدالرحمن بدوي في كتابه (الشعر- لأرسطو) يتضح إلى أي أمد عجز هؤلاء الفلاسفة أنفسهم أن يفهموا هذا الكتاب الذي كان خليقًا – لو أحسن العرب فهمه – بأن يوجه حركة النقد الأدبي والفني عند العرب وجهة أخرى، أو على الأقل وجهة لا تقتصر على تفتيت الألفاظ، بل تتناول  أيضًا المصادر والأحداث التي يجب أن لا يغفلها أي نقد صحيح للأدب والفن"9. 

 

الهوامش:

1 - ناقد أدبي وكاتب مصري متنوع، ولغوي. مارس الصحافة والتدريس الجامعي، له تاريخ حافل بمعارك سياسية وفكرية واجتماعية مؤثرة، من أعماله النقدية: النقد المنهجي عند العرب – في النقد والأدب، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا. وله في مجال الترجمة: دفاع عن الأدب، لجورج دوهاميل (لجنة التأليف والترجمة والنشر) – من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث (لأربعة من كبار أساتذة السوربون) – تاريخ إعلان حقوق الإنسان، لألبير باييه

2 - قضايا جديدة في أدبنا الحديث – د. محمد مندور – سلسلة ذاكرة الكتابة – الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر - تقديم: د. طارق محمد مندور

3 - المصدر السابق – المقدمة

4 - المصدر السابق - المقدمة

5 - المصدر السابق - المقدمة

6 - المصدر السابق ص13

7 - المصدر السابق ص19

8 - المصدر السابق ص20

9 - المصدر السابق ص24


عدد القراء: 3345

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-