ألبير كامو وكرة القدم!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-01-30 07:45:05

أ.د. سيدي محمَّد بن مالك

المركز الجامعي مغنيَّة - الجزائر

ترجمة: أ.د. سيدي محمَّد بن مالك

توطّدت العلاقة الرّاسخة بين كامو وكرة القدم منذ طفولته في الجزائر العاصمة. تلميحات بسيطة تتقاطع مع أعماله، ولكنّه كان يعبّر، بكلّ يسرٍ، عن شغفه بالكرة المستديرة في حياته كإنسان، واصفًا إيّاها كأحد المكوِّنات الرّئيسة في مسار حياته.

اكتشاف كرة القدم:

تسعف قراءة دفاتر ألبير كامو في فهم الإنسان ورحلته في العالَم. لقد ترك للأجيال القادمة ذكريات طفولته، وكشف لنا، خاصّة، كيف أسْهمَت كرة القدم في بنائه كإنسان.

يتيم الأب، ويكاد يبلغ عامه الأوّل في الحياة، ينشأ ألبير الصّغير في حيّ بلكور الفقير في الجزائر العاصمة. هنا، في المدرسة الابتدائية، يكتشف ألبير الشّاب مباهجَ كرة القدم. لقد بلغ بؤسه درجة أنْ كانت جدّته تحرص، بدقّةٍ، على ألّا ينتعل حذاءَه أثناء لعِب كرة القدم. في سنّ الثّالثة عشرة، يصبح حارس مرمى الجمعيّة الرّياضية لـ (Montpensier)، قبل أن ينضمّ إلى فريق النّاشئين لراسينغ جامعة الجزائر العاصمة (RUA). لقد برَع في منصبه كحارسِ مرمى، وأشارت الجرائد حينها إلى إنجازاته. غير أنّ الحلم الذي كان يداعِبه بأن يصبح لاعبَ كرة قدم محترفًا سيتحطّم، حين يعلم، في سنّ السّابعة عشرة، بأنّه مصابٌ بالسّل، وهو مرض قاتل في ذلك الوقت. 

شغفٌ دائمٌ بكرة القدم:

على الرّغم من تخلّيه عن كرة القدم الذي اضطرّه إليه القدر، سيحتفظ ألبير كامو بشغفه بالكرة المستديرة طيلة حياته. في رواياته العظيمة جميعها؛ "الغريب"، و"الطّاعون"، و"السّقوط"، و"الإنسان الأوّل"، تظهر إشارات إلى هذه الرّياضة. ستصبح كرة القدم ومنصب حارس المرمى الذي كان يشغله أحد المكوِّنات المؤسِّسة لشخصية ألبير كامو. من خلال وضْعه، معًا، في الفريق ووحيدًا في المرمى، سيعثر على التّوازُن الضّروري في حياته ككاتبٍ وفنّانٍ. سيحتفظ بطَعْمِ العمل الجماعي وروح الفريق في أعماله المسرحيّة والصّحفية التي سيضطلع بها لاحقًا. بين العزلة التي لا غنى عنها في الإبداع والحاجة الملحّة لأن يكون جزءًا من العالَم، وعصره ومُعاصِريه، سيظلّ هذا موقعه طيلة حياته.

مخلصًا لناديه RUA (راسينغ جامعة الجزائر العاصمة)، ومن حديقة الأمراء، سيُعلِّق على نيْله جائزةَ نوبل للآداب: "سأذهب لمشاهَدة مبارَيات نادي راسينغ باريس، الذي أفضِّله، فقط لأنّه يحمل قميصَ RUA نفسَه، والذي يكتنفه الأزرق والأبيض". ويؤكِّد كذلك: "إذ، بعد سنوات عديدة من المشاهد الكثيرة التي منحها لي العالَم، فإنّ ما أعرفه، في الأخير، عن الأخلاق والتزامات البشر، أدين به للرّياضة، وتعلّمته في RUA ".       

درسُ الحياة في كرة القدم:

"لقد تعلّم، في المرمى، أنّ الكرة لا تذهب أبدًا إلى حيث نتوقّعها". سيعترف، لاحقًا، بأنّ هذا الإدراك سيُسعِفه، كثيرًا، في الارتقاء في الوسط الفكري الباريسي، حيث يعارض، بطريقة شرسة، مثقّفين آخرين بمن فيهم جون – بول سارتر. إنّ كرة القدم، بالنّسبة لألبير كامو، بمثابة مدرسة الحياة التي تكمِّل مدرسة الجمهورية. لاحقًا، سيشكُر هاتيْن المدرستيْن، في خطاب تسلُّم جائزة نوبل في سنة 1957، حيث يقدِّم رؤيته للفنان: "وحيدٌ في الإبداع، ومع ذلك عضوٌ كاملٌ في مجتمع البشر". لقد أسْهمَت مبادئه في بناء الإنسان الذي سَيَكُونُ عليه: حرّ وملتزم إلى جانب إخوته في الإنسانية.

"شخصيًا، لا أستطيع أن أحيا دون فنّي. لكنّني لم أضع، أبدًا، هذا الفن فوق كلّ شيء. إذا كان، في المقابل، ضروريًا بالنّسبة لي، فلأنّه لا ينفصل عن أحد ويسمح لي بأن أحيا، كما أنا، في مستوى الجميع. ليس الفن، في نظري، ابتهاجًا فرديًا. إنّه وسيلة لتحفيز أكبر عدد من النّاس، من خلال منحهم صورة مميَّزة عن العذابات والمباهج المشترَكة. لذلك، فهو يُلزِم الفنان بعدم الانفصال؛ إنّه يخضِعه للحقيقة الأكثر ابتذالًا وشموليةً. إنّ ذلك الذي غالبًا ما يختار قدرَه كفنان لأنّه يشعُر بأنّه مختلفٌ، سرعان ما يدرِك بأنّه لن يغذّي فنّه، واختلافه، إلّا بالاعتراف بشبَهِهِ بالجميع. يتشكّل الفنان من خلال هذا الذّهاب – الإيّاب الأبديّ منه للآخرين، في منتصف الطّريق بين الجمال الذي لا يستطيع أن يستغني عنه والمجتمع الذي لا يستطيع أن يقتلع نفسَه منه".  

 

المصدر:

https://www.maregionsud.fr/actualites/detail/albert-camus-et-le-football


عدد القراء: 1317

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-