العنوان ثيمةٌ وجودية في روايات ميلان كونديراالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-01-30 14:11:23

د. مازن الناصر

باحث في الأدب العالمي - سورية

يحرص الروائي التشيكي ميلان كونديرا على أن تكون عنوانات رواياته ثيمات وجودية يتتبعها في متونها السردية بما تتضمنه من أحداثٍ، ومقالات روائيةٍ، وقصصٍ حلمية، ولازمات، واستطرادات وشخصيات، ففي رواية البطء يخبرنا عنوانها بأن ثيمة البطء هي الدعامة الرئيسة التي ستبنى عليها الرواية التي تبدأ بوصف رجلٍ يقودُ دراجته النارية بسرعة كبيرة تمكّنه من أن ينسى كلَّ شيء، بخلاف البطء الذي يجسد رغبة المرء في أن يتذكر، وهذا يعني أنه ثمة علاقة وثيقة بين البطء والتذكّر  من جهة، وبين السرعة والنسيان من جهةٍ أخرى، ويستدل الروائي على هذه المقولة الوجودية بمثالٍ لرجلٍ يسير في الشارع، ثم فجأة يريد أن يتذّكر أمرٍ ما، في هذه اللحظة يحاول وبطريقة آلية أن يتمهّل في خطواته، بخلاف من يسعى إلى نسيان أمرٍ مزعجٍ حدثَ له فجأة، فإنه يسرعُ في خطواته، ليخلص من ذلك إلى القول: "في الرياضيات الوجودية تأخذ هذه التجربة شكل معادلتين: تقوم الأولى على تناسب درجة البطء مع حدّة الذاكرة، والثانية على تناسب درجة السرعة مع حدّة النسيان."

ويشي عنوان رواية الخلود بأن الروائي سوف يتناول الحديث عن ثيمة الخلود، وذلك من خلال شخصياتها المُتخيَّلة ( أنييس، بول، لورا) وشخصياتها التاريخية (نابليون بونابرت، وفرانسوا ميتران) وشخصياتها الأدبية (غوته، وهمينغوي), إذ يخصص قسمًا من الرواية للحديث عن اللقاء الذي جمع بين بونابرت وغوته، ليخلص من ذلك إلى أنهما كانا يفكران في الخلود، فنابليون لم يكتفِ بانتصاراته العسكرية، وإنما طمعَ في الفوز بإعجاب غوته، وهذا ما يفسر سرَّ دعوته له، أما غوته فإنه لم يرغب في أن يفوّت فرصة لقائه بنابليون، ولذلك ذهب إليه، ليحدث في سنة 1808م "اللقاء المشهود بين شاعرٍ خالد، وقائدٍ عسكريٍّ خالد."

ويتتبع كونديرا ثيمة الخلود من خلال مواقف شخصيات الرواية وأفكارها حول الموت والحياة والانتحار على أساس أن هذه المفهومات هي تنويعاتٌ تدور حول ثيمة الخلود، وما يؤكد ذلك أن (لورا) قد فكرت بالانتحار لكي تبقى خالدة في ذاكرة من يعرفونها، تقول أنييس: "إن تفكيرها بالانتحار هو بالنسبة إليها طريقةٌ للبقاء...حتى تظل راسخةً في ذاكرتنا إلى الأبد."

ويدل عنوان روايتي الجهل والهوية على أن هوية الإنسان هي الإشكالية الوجودية التي يحاول الروائي من خلال شخصيات الروايتين أن يتتبعها بغية دراستها، وفهم الأنا الإنسانية، إذ تتبدى إشكالية الأنا لدى جوزيف في رواية الجهل في أنه بدا شخصًا غريبًا عن نفسه، وعمّا كان عليه في الماضي، فهو يقرأ ذكرياته، ولا يتذكر شيئًا منها، فيسأل نفسه: "ما الذي جاء ليقوله هذا المجهول؟ هل ليذكّره بأنه في ذلك الحين عاش هنا مع اسمه؟"

وفي رواية كتاب الضحك والنسيان يفيد العنوان في معرفة أن الروائي سوف يتتبع ثيمتي الضحك والنسيان من خلال شخصيات الرواية، والمقالة الروائية، لينتهي إلى مقولة وجودية للضحك، وهي أن الوجود الإنساني ينقسم إلى نوعين من الضحك: الضحك الشيطاني، والضحك الملائكي، ينتمي إلى النوع الأول من يرى أن الوجود الإنساني وجودٌ عبثي، أما من يرى أن للوجود الإنساني معنى فهو ينتمي إلى الضحك الملائكي. وفيما يخصُّ ثيمة النسيان فإنّ الروائي يحاول دراستها، وتفحصها، وفهمها من خلال شخصيتي (ميريك) الذي يحاول أن ينسى ماضيه، و(تامينا) التي تحاول أن تستعيد مذكراتها التي تركتها في براغ قبل أن تهاجر، بغية استعادة ماضيها، وبذلك يظهر تناقض الشخصيتين واختلافهما فميريك يحاول نسيان ماضيه، وتامينا ترغب في استعادة ماضيها من خلال سعيها إلى الحصول على مذكراتها في براغ. 

أما ثيمة التفاهة فهي حاضرةٌ في عنوان رواية حفلة التفاهة، فالتفاهة هي "جوهر الوجود الإنساني. إنها معنا على الدوام، وفي كل مكان. إنها حاضرةٌ حتى في المكان الذي لا يرغب أحدٌ برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدائمة، في أسوء المصاعب." لذلك فإن أفضل وسيلة لمواجهة تفاهة الوجود الإنساني تتمثل في ألا يُؤخذ على محمل الجد.

وظّف الروائي ميلان كونديرا العنوان ليوحي للقارئ بأنه سيتناول في رواياته الثيمات الوجودية التي سوف تتجسد في متونها السردية، مستعينًا بتقنيات مهمة أهمها: عنصر اللازمة الذي يعده "من عناصر الثيمة أو القصة يتكرر مرات عدة خلال الرواية، وذلك ضمن ظرف آخر دومًا" وعنصر الاستطراد الذي يعرّفه: "بالتخلي مؤقتًا عن القصة الروائية"


عدد القراء: 1252

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-