الحداثة البعدية بين الرأسمالية والأصوليةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 22:38:33

أسامة غانم

ناقد

تحولت "ما بعد الحداثة" على مدى العقود المنصرمة الى إشكالية مستمرة مزمنة دائمة الحضور، وصراع حاد بين الافكار المختلفة والايديولوجيات المتناقضة والتيارات السياسية، التي ليس بالاستطاعة تجاهلها. وسبب ذلك يعود بحسب مجلة بريسي المعمارية، الى أن "ثقافة المجتمع الرأسمالي المتقدم قد خضعت لنقلة حاسمة من حيث المشاعر فيها "1. وخضعت كذلك إلى نقلة أخرى على الصعيد الثقافي، لكن ارهاصات ثقافة ما بعد الحداثة بدأت في موطنها الأوروبي، كانعكاس للتحولات الجديدة الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، من نقطة الوعي الفكري والثقافي بمشكلات الحداثة، عليه يجب النظر إلى تلك الثقافة على أنها نتيجة طبيعية جدًا وحتمية للظروف التاريخية التي مرت بها أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وما نشأ عنها من تناقضات وانقسامات في الأيديولوجيات الحداثية مما جعل الكثير من المثقفين والكتّاب والفنانين في أوروبا لا يثقون في الحداثة السياسية والاقتصادية، وكرد فعل على ذلك ظهرت اتجاهات مضادة تطالب بسقوط الأيديولوجيات، والسرديات الكبرى: الله – الميتافيزيقا – العلم، وهذا ما ذهب اليه جان فرانسوا ليوتار في عام 1979 في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي" الذي حاز "على مكانة عالية بوصفه الكتاب الذي أكمل المشروع النيتشوى الخاص بإقناعنا بموت السرديات الكبرى"2 وهو لا يخفي نفوره الطاغي من هذه السرديات (بالرغم من أنه لم يفصح عن قصده الحقيقي بما يعنيه بالسرديات والذي هو يعني ببساطة الماركسية). ومع عمل اليمين السياسي على الصعيد الدولي، في اللحظة التي "بدأت فيها السرديات الكبرى للعولمة الرأسمالية تظهر للعيان، جالبة معها ردَة الفعل المدمرة"3.

هنا، علينا التوقف، للتساؤل مع الناقدة باتريشيا ووه "هل اصبحت ما بعد الحداثة ضحية تحمل نفس أعراض الزوال التي شُخصت بها كل الثقافة الفكرية والفنية داخل الرأسمالية المتأخرة؟ وهل مازال ممكنًا تعريف ما بعد الحداثة؟"4.

فإذا كان تعرّيف "مفهوم" الحداثة لحد الآن مُختلف عليه ولم يتبلور ويستقر، فكيف بتعرّيف مصطلح ما بعد الحداثة، ومع ذلك لو قبلنا كما يقول فردريك جيمسون "أن قيمة التعبير ما بعد الحداثي تكمن في محاولته تسمية ما لا يُسمى وإيجاد شكل يتم من خلاله تمثيل ما يبدو أنه عصي على التمثيل من الشبكات العالمية للثقافة الرأسمالية المتأخرة – لو قبلنا بذلك، فسيكون هناك بعض التبرير التاريخي في الاستمرار في محاولة تسمية ما لا يُسمى، وهو ما بعد الحداثة"5. وليس ذلك فحسب، بل انه يكون متفقًا مع باتريشيا ووه عندما يقول بأن ما بعد الحداثة هي "المنطق الثقافي المهيمن للرأسمالية المتأخرة"6. التي هي الممارسات الثقافية المترابطة ترابطًا عضويًا مع العنصر الاقتصادي – التاريخي لما بعد الحداثة" الرأسمالية المتأخرة"، وهي الفترة التي تسمى أحيانًا الرأسمالية المالية أو الرأسمالية الاستهلاكية أو العولمة، في هذا الفهم إذن، يمكن أن ننظر إلى هيمنة ما بعد الحداثة على أنها بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت حتى الوقت الحاضر.

بينما يعرّف ليوتار ما بعد الحداثة ايجازًا بعد التبسيط الى اقصى الحدود بوصفها "تشكيكًا موجهًا نحو كافة الادعاءات الكبرى في الحياة"7، أي بمعنى أن المعتقدات أو السرديات الكبرى قد فقدت مصداقيتها، بمعنى أن الماركسية والمشاريع التنويرية وليبرالية السوق التي كانت متواجدة وقد تم اختيارها، لكن تبين إنها غير كفء وغير عملية، وهذا الوصف لليوتار يلتقي مع ما قاله جيمسون "انفًا، ببعض الشيء في تعرّيف/مفهوم ما بعد الحداثة. وعلى ضوء ذلك يذهب ليوتار للقول: "إن "ما بعد" ما بعد الحداثة لا يعطي إشارة إلى أنها وصلت إلى النهاية، بل إلى بداية الحداثة. فما الحداثة الجديدة التي ينبغي مع ذلك أن تبزغ من سياسة ما بعد الحداثة؟  

ومع كتاب شارل جينكس المعماري، الذي يعطي المثل الأعلى الحديث النزعة في الاختصاص المعماري دوليًا، حيث يقول: "أن ما بعد الحداثة تنشأ حالما تلتقي الحداثة مع التكنولوجيات الجديدة، فينتج خليط تعددي من الأساليب ومعه إحساس مختلف بالفراغ أو الفضاء"9. وما يريده جينكس أن يعبر عنه هو طريقته لإيجاز موقفه من خلال تصاميمه المعمارية التي يحاول ربطها مع مجالي الفلسفة والثقافة تحت خيمة ما بعد الحداثة.

وقد وصف إيهاب حسن ما بعد الحداثة بأنها "حركة متناقضة تأخذ على عاتقها تقويض العقل الغربي.. وترفض الموضوع الكامل وتتنكر للفلسفة الغربية.. وتلتزم التزامًا وجوديًا تجاه الأقليات في السياسة والجنس واللغة"10. وينسب استخدام المصطلح من قبله ومن قبل ليزلي فيدلر خلال عقد الستينيات باندفاع لا يتسم بالنضج ومتهور، ويبين أن مصطلح ما بعد الحداثة، تستحضر ما ترغب في تجاوزه أو قمعه، أي الحداثة نفسها. وهكذا يحوي المصطلح عدوه داخله.

أما امبرتو إيكو فعلى الرغم من أعماله ما بعد حداثية بامتياز، فهو يرفض التسمية، ويقترح بدلاً منها ما يُطلق عليه "تعدد اللغات المعمم لزمننا "، كذلك هو الحال ايضاً مع فوكو ودولوز اللذين اعتبرا أعمالهما تُشكل انقطاعًا وتواصلاً مع الحداثة"11.

لو قبلنا بذلك، فسيكون هناك بعض التبرير التاريخي في الاستمرار في محاولة تسمية ما لا يُسمى، وهو ما بعد الحداثة، كما تطلق عليه باتريشيا ووه، وليس من المصادفة أن أحد مفاتيح النقاط المرجعية لما بعد الحداثيين، هو مقولة نيتشه التي يحذر فيها بقوله: "إننا نحصل على المفهوم – ونحن نمارس الأعراف – عن طريقنا إهمالنا لما هو قائم وحقيقي، بينما الطبيعة متألفة مع الأعراف لا المفاهيم.. ولكن هناك شيء ما يبقى بعيد المنال وعصيًا على التحديد والتعريف"12.

بعد، كل هذه الآراء المطروحة المتعارضة، المختلفة، المتعددة، التي تدعونا للتساؤل مرة ثانية: هل من الممكن تعرّيف مصطلح ما بعد الحداثة؟.

أصبح لدينا، صعوبات عديدة، تقف حاجزًا بين إمكانية التحديد الصحيح للمُصطلح أو المفهوم، ولعل إيهاب حسن يعرض بعضًا من تلك الصعوبات، حيث يقول: "إنها إشكالية مسألة مُتعددة الجوانب، ولعل هذه الاسئلة تلقي بعضًا من الضوء عليها، هل ثمة ظاهرة جديدة في الثقافة المعاصرة عمومًا، وفي الأدب المعاصر بشكلٍ خاص، تستدعي أن نُطلق عليها اسمًا جديدًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يفيدنا هنا اسم مؤقت من قبيل "ما بعد الحداثة" post modernism؟ وكيف يمكن لهذه الظاهرة، دعونا نتوافق على تسميتها الآن بما بعد الحداثة، أن تتواصل مع مفاهيم أخرى، مثل الحداثة أو الطليعة avant – garde؟ وهل ثمة إشكاليات نظرية وتاريخية تُخفيها تلك الظاهرة؟. لقد جاءت معظم الاجتهادات إلى سعت لتعريف ما بعد الحداثة مضطربة، وتبدو في أحسن الأحوال نوعًا من التكرار الذي لا يُفيد، فتُخبرنا بما نحن متأكدون من معرفته بالفعل. إذا، ما الذي سنجنيه من هذا المسار الاستفهامي الذي بدأناه؟ إذا لم يكن ثمة ما نجنيه سوى إلقاء بعض الضوء على هذا الالتباس المعقّد فربما يسهم في فهْم بعضٍ من جوانب اللحظة الثقافية التي نمرُ بها الآن"13.

وهناك من النقاد، مثل الناقد ليزلي فيدلر من طالب بوجوب ردم الفجوة بين الثقافتين، البرجوازية والشعبية، أي بمعنى محو الحدود بين ثقافة النخبة الرفيعة المتعالية بالثقافة الشعبية أو الجماهيرية، والعمل على دمجهما، لتكوين ثقافة كرنفالية ما بعد حداثية، وذلك بسبب أن الرأسمالية اصبحت في مرحلتها الاستهلاكية المتأخرة، وقد قامت بغزو اللاوعي الإنساني وبلاد العالم الثالث أيضًا، وهذا ما دفع إيهاب حسن، بأن يصف ما بعد الحداثة بأنها "حركة متناقضة تأخذ على عاتقها تقويض العقل الغربي.. وترفض الموضوع الكامل والشامل، وتتنكر للفلسفة الغربية"14، وقيامها بصناعة الأسطورة غير الواعية بذاتها، وهو "ما ارتبط بالسياسات الفاشية الحديثة"15.

ونتيجة لهذه الاختلافات، والتناقضات، في وجهات النظر والطروحات والرؤى، ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، وما في ذاتهما (يمكن فهم ما بعد الحداثة على أنها ردُ فعلٍ على الحداثة)، ونتيجة للتفاعل الديالكتيكي بينهما، انبثقت منه "الحداثة البعدية"16، المتصفة بالاستمرارية الدائمة من خلال تجديد نفسها بنفسها، وتطوير ذاتها بلا توقف، والعمل على احتواء كل المتغيرات والتحولات الحاصلة في العالم. فالحداثة البعدية، إذا هي حداثة أكثر عمقًا ورسوخًا، وهي في حالة قطعية وتواصلية مع ذاتها في ذات اللحظة، ففي هذا تكون الحداثة البعدية، حداثة الحداثة. فهي "ليست مصطلحًا زمنيًا يأتي بعد - الحداثة (التقليدية)، لكنه هو الوصف المائي (الرجراج) لحالة الحداثة وهي في طور الولادة - دائمًا"17.

بينما يطرح الناقد عباس عبد جاسم بأن الحداثة البعدية انبثقت نتيجة مقاربة (اختلافية للبنيات التحتانية التي تشكلت منها "ما بعد الحداثة" في سياقها الانقلابي على "الحداثة" بصيغة الإزاحة والإبدال. من هذا المنطلق، تتبنى هذه المقاربة فكرة "الحداثة البعدية" بوصفها صيرورة دينامية متحركة بحيوات متجددة مستوعبة لأية حداثة من الحادثات القادمة، ومتقدمة عليها في آن من جهة، وتسعى الى ابدال مصطلح "ما بعد الحداثة" في التداول النقدي والثقافي بصيغة النفي القائم بالإثبات)18. فالناقد يريد ابدال مصطلح "ما بعد الحداثة" بمصطلح "الحداثة البعدية" باشتراطات عقلانية ترتكز على حقائق إنسانية.

بل، ويذهب مطاع صفدي إلى أبعد من ذلك، عندما يقول في مقالته "الحداثة البعدية" المنشورة في بداية كتاب ميشيل فوكو "الكلمات والأشياء" تحت مسمى "على هامش النص"، عن دور فوكو على الحداثة البعدية، حيث يعتبر فوكو قد عمل على إخراج "الفكر الحداثوي البعدي من إطار الثورة الأولى: نيتشه، ومن مشروع بتذكير نسيان الكينونة: هيدجر، إلى ممارسة موضوعانية وعيانية لما أن يمكن أن تعنيه الحداثة البعدية عندما تغدو أركيولوجيا – جينالوجيا أو بالعكس. أي أن فوكو حوّل فكر الحداثة البعدية إلى منهجية مضادة لذاتها تمامًا"19. ولا زال منهج الحداثة البعدية الذي هو الجينالوجيا – الأركيولوجيا يتلمس طريقه لتكامل أهدافه في الانعطافة الجذرية نحو الحداثة البعدية. وحتى حين يعلن فوكو "عن موت الإنسان، لا يكرر إعلان نيتشه عن موت الإله فحسب، ولكنه يتابع موت الإله القديم في الإنسان الجديد، الحداثوي، صنع عصر الأنوار"20.

رغم أن أغلب اليسار العالمي ينتقد الحداثة، باعتبارها قد قامت على اللاعقلانية وإلغاء السرديات الكبرى، والطعن في خطاب التنوير، والتشكيك في موضوعية العلم، وأمنوا بالنسبية المعرفية والثقافية فلم تعد الحقيقة والمعرفة والذات تمثل مقولات جوهرية، ورفضها لمفهوم التقدم في التاريخ، ليأتي يورجن هابرماس مدافعًا عن الحداثة والعقل، وهذا الدفاع موجه أيضًا ضد مدرسة فرانكفورت التي يعتبر هابرماس أحد روادها المتأخرين فيها، ويعلن أن النقد الموجه ضد الحداثة" هو نقد وحيد الجانب لأنه لم ينظر إلا إلى وجه واحد منها وبالتالي فنقده لا يمكن أن يسري على الحداثة من حيث هي كذلك بل فقط على وجه من وجوهها: الجانب التنظيمي أو الحداثة كعقلنة صارمة، ولكن هناك وجوهًا أخرى طافحة بالإمكانات والوعود والبشائر وعلى راسها العقل كتفاعل وتواصل وحوار وتبادل حجج"21. بمعنى مزاوجة الحداثة والعقل، أو تطعيم الحداثة بعقلانية الانوار، فهذا يعني تأسيس مرتكز للتقدم، والديمقراطية الجماهيرية، وإمكانات التواصل المكثف، والعقلنة العملية. حيث تصور الحداثة كعقلانية ونزعة إنسانية ورؤية تاريخانية.

يقول محمد سبيلا عن استخدامات مصطلح "ما بعد الحداثة" إنه استخدام مغلوط والمفروض أن يكون بديله مصطلح "الحداثة البعدية": "أنا اعتبر المقابل العربي الشائع ما بعد الحداثة مقابلاً مضللاً وغير دقيق في ترجمته، والأولى هو استعمال مصطلح الحداثة البعدية الذي يعبر بدقة أكبر عن المصطلح الغربي وعن المضمون الفكري الذي يحمله"22، فأن الاختلاف ليس في فعل الترجمة في المصطلح، بل الاختلاف في الفعل الديالكتيكي الدائم في جوهر ذاته. مع عدم الاستغناء عن الحوار بين الثقافي والتقني بكل شمولية حسب معطيات العصر، فالحداثة البعدية بهذا المعنى هي "اللحظة النقدية المرافقة للحداثة. وقد يأتي تعبير: نقد النقد قريبًا من هذا المفهوم إذا ما اعتبر الحداثوي هو في حد ذاته نقدي للسائد والمعروف، ويجيء الحداثوي البعدي ليكون لحظة نقدية أخرى للنقدية المُمارسة"23.

عليه، إذن، فإن الحداثة البعدية، استمرار للحداثة نفسها باعتبارها مشروعًا لمْ يكتمل، على حدّ تعبير هابرماس، وهو ما يذهب إليه المفكر المغربي محمد سبيلا معتبرًا أن الحداثة اليوم قد وصلت إلى مستويات القوّة والنضوج، مستندة الى فكرة النقد المستمرّ، بوصف النقد مبدأً أساسيًا في عمل ودينامية الحداثة 24. إن الحداثة البعدية اذن تعني نقد الحداثة أي "نقد النقد".

ويرى المفكر الماركسي تيري ايجلتون في مقدمة كتابه "أوهام ما بعد الحداثة": إنّ مصطلح ما بعد الحداثة (Postmodernity) يشير إلى مرحلة تاريخية معينة، أما مصطلح ما بعد الحداثيّة (Postmodernism) فيشير بصورة عامة إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة. وما بعد الحداثة أسلوب في الفكر يبدي ارتيابًا بالأفكار والتصورات الكلاسيكية، كفكرة الحقيقة والعقل والموضوعية والهوية، وفكرة التقدم الكوني أو الانعتاق، والأُطُر الأحادية، والسرديات الكبرى أو الأسس النهائية للتفسير. وهو نزع إلى التمسّك بالمصطلح المألوف أكثر "ما بعد الحداثيّة" كي يشير به إلى الشيئين كليهما، نظرًا إلى ارتباطهما الوثيق والواضح. ولهذا يرى أن ما بعد الحداثية تصر أنه طالما لديها عمق وجوهر وأسس، وليس أمامنا سوى الانفصال عن المفهوم الكلي للمعنى العميق، وعدم السعي وراء ما تؤمن ما بعد الحداثية أنه وهم البحث عن معنى الاشياء، حتى نستطيع الفكاك تمامًا من المنظومة العتيقة الكاملة للميتافيزيقا واللاهوت25.

بعد كل هذه الطروحات ووجهات النظر المتعارضة والمتوافقة، التي سوف تضعنا أمام سؤال مخيف: ما هو موقع الحداثة البعدية في الفكر العربي المعاصر؟ وماهي الاجراءات للمستقبل؟ بالرغم أن الحداثات جميعها قد ولدت بالغرب، ومع كل انعكاساتها الايجابية والسلبية، ومع تطورها وتحولاتها، اخذت بالانتشار والتغلغل في شتى أرجاء العالم، بفضل التقنية الحديثة والتكنولوجية العملاقة في وسائل الإعلام الدولية (أقمار صناعية – انترنيت – تلفزيون – صحف – كتب إذاعة الخ) وحلول وهم الواقع الافتراضي الي تعرضه شاشات الانترنيت محل الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ بل الواقع نفسه.

لذا يجب علينا، القيام في بناء رؤية عقلانية تجاه هذه المتغيرات والتحولات السريعة الجارية في الواقع العربي – الإسلامي، نتيجة الانتشار الواسع الذي تمارسه الحداثة التي غدت بمثابة تفاعل إنساني لا يمكن الهروب منه لأنه أصبح شبه حتمي لكل مجتمعات العالم. مما يستدعي الحاجة إلى بلورة رؤية شمولية تاريخيًا وعمليًا تستند على استشراف المستقبل القريب في التخطيط لما يأتي.

ولكن، إن العقل العربي – الإسلامي المتشدد في البلاد العربية، لم يستطيع أن يستوعب، ويهضم، مفهوم الحداثة أو ما بعد الحداثة، ففي حوار مع محمد اركون في مجلة العالم العربي، يقول إن سبب ذلك "أن العقل الإسلامي سوف يشهد القطعية بشكل من الاشكال ولن يستطيع تحاشيها كما يتوهم. ومادامت الصحة المعرفية لهذه القطيعة الحاصلة بين العقل الحديث والعقل الديني لم يُعد التفكير فيها داخل إطار واسع يخترق كل الثقافات البشرية ويفاعلها فيما بينها، فإن الصدامات الحامية وسوء التفاهمات سوف تستمر في الضغط على العلاقات بين الدول الأوروبية والدول الاسلامية"26.

رغم اشتراط الإسلاميون والأحزاب الاسلامية أنه يجب أن تستخلص أحكامهم من الكتاب والسنة لكافة أشكال الحياة لتلزم كافة المؤسسات البشرية بأن تكون تابعة للتناول الديني الصارم، أو أن تصبح أحزابهم ومذاهبهم وحتى برامجهم فوق مستوى الحوار والنقد لمجرد أنها تتصل بالدين.

ففي مجتمع عقلاني معاصر، يجب أن يتوافر فضاء علماني مستقل لا يرتبط بالمقدس الديني، ورغم أن الإسلام يقدم رؤى معينة حول العدالة الاقتصادية، إلا أن مناقشة قانون مثل قانون الضرائب المتدرجة ليست بمقدسة في حد ذاتها. فإضفاء الطابع المقدس على كل شيء ينطوي على امتهان وتسفيه للمفهوم ويجعل من الحوار العقلاني أمرًا مستحيلًا. بل أن إضفاء طابع القداسة على كل شيء يترتب عليه عدم قداسة أي شيء. وهذه مفارقة لا زال يُعمل بها، ولا أحد يجاهر بها.

وإن السبب الذي كان يعتبر حجرة عثرة أمام تفاعل الحداثة في المجتمع العربي، كان إما بسبب أنظمة الحكم البوليسية – الكابوسية، أو بسبب الحركات الأصولية والاحزاب الاسلامية المتطرفة التي تعمل مرة بالسر ومرة أخرى بالعلنية، حسب العلاقة القائمة بين النظام القمعي والحركات الأصولية، والمفارقة المبكية – المضحكة بينهما، انهما الاثنين يحملا عقلية القرون الوسطى الظلامية القائمة على تكفير الآخر والغاءه من الوجود إذا اختلف معه، مع العلم أن الحداثة بالنسبة إليهما تمثل بعبع مميت لهما.

بينما في مجالي الأدب والفن، استطاع بعض الكتّاب والادباء والفنانين العرب التفاعل والنفاذ إلى جوهر الظاهرة، والاستفادة منها، بحيث انتجت أدبًا وفنًا راقيين. وقد قام الكثير من المثقفين العرب وبالأخص المغرب العربي من الاطلاع على أحدث النظريات النقدية وعلى أحدث الأعمال الأدبية، وعلى طروحات وافكار الفلاسفة والمفكرين الأجانب وبالذات الفرنسيين والادباء المترجمة اعمالهم الى الفرنسية.

وأخيرًا، تساؤل أخير، هل يعتبر مشروع "الحداثة البعدية"، هو جزء من الحداثة التي لم تكتمل؟!.

 

الهوامش والاحالات

1 - ديفيد هارفي – حالة ما بعد الحداثة: بحث في اصول التغيير الثقافي، ترجمة: د محمد شييّا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت / لبنان، 2005م، ص 61.

2 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ترجمة: شعبان مكاوي، ضمن كتاب القرن العشرين/ المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية – مجموعة باحثين، موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، المشروع القومي للترجمة – المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة، 2005م، ص 415.

3 - تيري ايجلتون – ما بعد النظرية، ترجمة: باسل المسالمة، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق / سوريا، 2021م، ص 110.

4 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ص 416.

5 - م. ن. ص 416.

6 - ويكبيديا الموسوعة الحرة.

7 -  م. ن.

8 - مجموعة باحثين – دليل ما بعد الحداثة / الجزء الاول، ما بعد الحداثة: تاريخها وسياقها الثقافي، تحرير: ستيوارت سيم، ترجمة: وجيه سمعان عبد المسيح، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011م، ينظر: الفصل الثالث ما بعد الحداثة والسياسة – ايان هاملتون، ص 67.

9 - المصدر السابق – ينظر: الفصل الثاني، ما بعد الحداثة والنظرية النقدية والثقافية – أنتوني إيست هوب، ص 33.

10 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ص 421.

11 - بدر الدين مصطفى – دروب ما بعد الحداثة، مؤسسة هنداوي سي آ سي، وندسور/ المملكة المتحدة، بلا تاريخ، ص 20.

12 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ص 417.

13 - إيهاب حسن – سؤال ما بعد الحداثة، ترجمة: بدر الدين مصطفى، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والابحاث، الرباط / المغرب، 2016م، ص 12.

14 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ص 421.

15 - باتريشيا ووه – ما بعد الحداثة، ص 424.

16 - بينما يرى مطاع صفدي أن مصطلح الحداثة البعدية قد انبثق من "ذاكرة الجسد الأصلية تنبثق الحداثة البعدية، لتمزق عنها أثواب المتعية الاستهلاكية الفضفاضة ينطلق الجسد عاريًا الا من لحمه، رشيقًا ينسل بين الكتل". ينظر: مطاع صفدي – نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة، مركز الانماء القومي، بيروت / لبنان، 1990م، ص 252.

17 - مطاع صفدي – نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة، مركز الانماء القومي، بيروت / لبنان، 1990م، ص 255.

18 - عباس عبد جاسم – ما بعد الحداثة: الحداثة البعدية الإزاحة والابدال، مجلة فكر الثقافية، العدد 25 فبراير – يونيو 2019.

19 - مطاع صفدي – الحداثة البعدية، ضمن كتاب: ميشيل فوكو – الكلمات والأشياء، مركز الانماء القومي، بيروت/ لبنان، 1990م، ص 9.

20 - م. ن. ص 16.

21 - محمد سبيلا – دفاعًا عن الحداثة والعقل: هابرماس وأهميته للفكر العربي، مجلة فكر وفن، العدد92 السنة التاسعة والربعون / 2010.

22 - محمد سبيلا – الهوس بما بعد الحداثة واجب ثقافي، موقع ايلاف في 12/ اب / 2008.

23 - مطاع صفدي – نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة الإزاحة والابدال، ص 259.

24 - مصطفى النحال – محمد سبيلا: الحداثة والحداثة البعدية، جريدة الاتحاد الاشتراكي 29/ 12/ 2017.

25 - تيري ايجلتون – أوهام ما بعد الحداثة، ترجمة: د منى سلام، مراجعة: د سمير سرحان، مركز اللغات والترجمة، القاهرة، 2000م، ص 7.

26 - محمد اركون – عقل الحداثة وعقل ما بعد الحداثة، ضمن كتاب ما بعد الحداثة: تحديدات1، اعداد وترجمة: محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء/ المغرب، 2007م، ص 47.


عدد القراء: 2195

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-