الفكـر الكـلامي عند ابن خلدونالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 21:28:38

نور الدين عزار

المغرب

تقديم:

يعرف ابن خلدون علم الكلام بأنه "علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقليّة والرّد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة" وموضوع علم الكلام هو "العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع". كما يصنف ابن خلدون علم الكلام ضمن علوم النقل، ويرى أنه كلام صرف ولا علاقة له بالعمل؛ وكأنّ هذا العلم فقد تمامًا كلّ عمليّة في زمن ابن خلدون. فما هو موقف ابن خلدون من علم الكلام؟ وما هي وظيفة علم الكلام بالنسبة لابن خلدون؟ وما هو منهج علم الكلام بالنسبة لابن خلدون؟.

1ـ تعريف ابن خلدون لعلم الكلام

يقول ابن خلدون(*) في تعريفه الشهير لعلم الكلام: "هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة"(1).

نتبين في علم الكلام، بحسب هذا التعريف، عنصرين أساسين: المضمون، وهو العقائد الإيمانية، والاستدلال العقلي على إثباتها والدفاع عنها. وهذا الاستدلال فيه جانبان: جانب موجب، وهو إثبات هذه العقائد بالحجاج عليها، وجانب سالب، وهو الردود على "المبتدعة"(2).

وهذه العناصر الثلاثة يمكن أن تضاف إليها عنصرًا رابعًا، هو موجود، وإن لم يكن مقصودًا لذاته، وهو هذه "البدع" التي يجب عرضها، وإن بإيجاز قبل إبطالها. ولكن إن أردنا حصر مضمون علم الكلام في خصوصيته، يجب أن نقصره على عنصر واحد، وهو الجهاز الاستدلالي، أي جملة الحجج النظرية المُثبتة وطرق الاستدلال على العقائد، فلا تكون هذه جزءًا منه، إذ هي من وضع الشارع، والمتكلم، يقررها بالحجج.

وأقصى ما يمكن أن نلحق به هو الجانب الاستدلالي الثاني الذي هو مجموعة الأدلة في الردود لإبطال أقوال المبتدعة، وهو سالب وليس بمُثبت.

وقد يكون هذا التعريف أوضح تعريف لعلم الكلام، إن صح أن يكون التعريف بالهدف المقصود بالعلم تعريفًا له، إذ أن كثيرًا من المتكلمين إنما قصدوا الحجاج عن الإسلام، وإنما أخطأوا السبيل حين ظنوا أن الإسلام يحتاج إلى إظهاره في قالب ظاهره عقلي وباطنه جدلّي.

ويورد ابن خلدون هذه العقائد مجملة، ثم مفصلة: الإيمان بالخالق، وردّ كلّ الأفعال إليه، وذلك هو سبيل النجاة، مع القصور عن العلم بكونه حقيقة هذا الخالق، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين وعن صفات النقص، وتوحيده بالاتّحاد، واعتقاد أنه عالم قادر ومريد ومقدّر لكل كائن، والبعث بعد الموت، واعتقاد بعثة الرسل للإخبار عن أحوال الشقاء وأحوال السعادة.

ويرفق ابن خلدون في هذا العرض المجمل لكل واحدة من أمّهات العقائد بالدليل العقلي الرئيسي الذي يثبتها، ويورده في أوجز صيّغه: مثل تنزيه الله في الذات ودليله "صحة أنه خالق"، وتنزيهه في الصفات بدليل الخلف (وإلا لأشبه المخلوقين)، وتوحيده بالاتّحاد بدليل أيضًا (وإلا لم يتمّ الخلق للتمانع)، وأنه عالم قادر ودليله "تمام الأفعال وكمال الإيجاد والخلق"، وأنه مريد "وإلا لم يُخصَّص شيء من المخلوقات"(3).

يتسلّم المتكلّم هذا المضمون العقدي من الشرع، ويوجد الحجج المؤيدة له، ويردّ على ما يراه مخالفًا له مخالفة مطلقة أو نسبيّة، ويبدو عمل المتكلّم هذا بالقياس إلى العقائد الإيمانية شبيهًا بالمناظرات التي تجري في الخلافيّات بين المذاهب الفقهية، إذ يورد كلّ واحد حججًا يريد بها تصحيح مذهب الإمام الذي يقلّده، فيتسلّمه منه ويدافع عنه. يقول ابن خلدون عن هذا العلم:

"ولا بدّ لصاحبه من معرفة القواعد التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيّات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته".

ويكون صاحب الكلام من الشارع، إذن، بمنزلة صاحب الخلافيّات من مؤسّس المذهب أو المجتهد. وقد وجدت هذه العقائد في البداية، ثم حدث خلاف في تفاصيلها دار حول فهم الآيات المتشابهة، "فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة على النقل، فحدث بذلك علم الكلام".

2ـ موقف ابن خلدون من الكلام

وهكذا إذا كان ابن خلدون قد انتهى من تأريخه لعلم الكلام، ومن رصد وضعية عصره العقديّة، إلى حكم مفاده انتقاء الحاجة إلى هذا العلم في عصره وعدم ضرورته بعد أن استتبّت السيادة لمذهب أهل السنة واندحر الخصوم التقليديون من فلاسفة ومعتزلة وغيرهم؛ وإذا كنّا، في المقابل، قد أبرزنا أن الكلام استمرّ في الشرق كما في بلاد المغرب على عهد ابن خلدون وبعده، إذ موضوعات الدين كما موضوعات الدنيا أمور لا ينتهي فيها الكلام(4).

يلتزم ابن خلدون في كتابه "لباب المحصّل في أصول الدين" بلغة الأشاعرة كما تكرّست لدى المتأخّرين منهم، إذ يصف الله بالوحدة وتقديس صفاته وأسمائه وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، يقول إنه "أحاط بكل شيء علمًا [...] ووسعت قدرته الممكنات [...] ودلّ حدوثها وتخصيصها بوقت الإيجاد على إرادته وقضائه". وهكذا تظهر لغة الأشاعرة متعمدًا إبراز أصول مذهبهم في الصفات الإلهية الذي هو موضع اختلاف مع المذاهب الأخرى، وخاصة ما يتعلق منها بمفهومهم للعلم والقدرة والإرادة(5).

 ولقد جعل ابن خلدون لكتابه "لباب المحصّل في أصول الدين" أربعة أركان رئيسية تخترق كل أبحاث الكلام: أولها في المقدّمات، وثانيها في المعلومات، وثالثها في الإلهيات، ورابعها في السمعيّات. ويشمل ركن المقدّمات على مباحث في البديهيّات، وفي النظر وفي الدليل وأقسامه؛ بينما يتعرّض ركن المعلومات لخواصّ الواجب وخواصّ الممكن ومقوّمات الأجسام وعوارضها؛ ويتناول ركن الإلهيات موضوعات الذات والصفات والأفعال؛ في حين يضمّ ركن السمعيّات أقسام النبوّات والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة؛ ليختم مؤلّفه بنظر فلسفيّ في الوحدة والكثرة والعلّة والمعلول.

يعرف ابن خلدون علم الكلام بأنه "علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقليّة والرّد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة" وموضوع علم الكلام هو "العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع". كما يصنف ابن خلدون علم الكلام ضمن علوم النقل، ويرى أنه كلام صرف ولا علاقة له بالعمل؛ وكأنّ هذا العلم فقد تمامًا كلّ عمليّة في زمن ابن خلدون.

وفي هذا التعريف لعلم الكلام دفاع لا إثبات؛ فهو يحصر صراحة وظيفة الكلام في الدفاع عن عقائد السلف بالحجج العقلية ضدّ الخصوم "المبتدعين" بعد أخذها مسلّمة وصحيحة كما وصلتنا من السلف، ولا مجال لأيّ إثبات أو تعليل عقليّ لأصول قد تتجاوز حدود العقل البشريّ كما دأب المتأخرين على ذلك.

فالتعريف يتضمن نقدًا ضمنيًا لطريقة المتأخرين الذين لم يقفوا عند حدود الدفاع، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة البرهنة العقليّة على أصول العقائد، ويرى ابن خلدون أن هذا نوع من التفلسف في الدين وخلطًا بين منهج المتكلّمين، الذي يكتفي بالتماس حجّة تعضد العقائد التي لا يجب أن يصحّحها العقل، وبين منهج الفلاسفة الذي يقدّم الدليل بعد ما لم يكن(6).

ولهذا السبب دعا ابن خلدون إلى ضرورة الفصل بين العلمين لاختلاف أصولهما ومنهجهما وغاياتهما، وإن كان موضوع الوجود مشتركًا بين الفنين إلا أن وجهة نظر المتكلّم إليه ليست هي وجهة نظر الفيلسوف؛ فإن "نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق، وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلّم في الوجود من حيث إنّه يدلّ على الموجد". وعليه فإن ابن خلدون لا يرفض علم الكلام، بل طريقة المتأخرين(7).

يقسّم ابن خلدون العلوم بداية إلى قسمين كبيرين يتفرع عن كل قسم عدة علوم فرعية، ويصف هذه العلوم بقوله: إن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها على نصفين، صنف طبيعي للإنسان، يصل إليه بفكره، وصنف نقلي "يأخذه عمن وضعه، والأول العلوم الحكمية الفلسفية، والثاني العلوم النقلية الوضعية".

ويضع ابن خلدون علم الكلام ضمن العلوم الشرعية النقلية، ويرى أنه أحد العلوم الحادثة في الملة الإسلامية.

ويبرر ابن خلدون سبب تسمية هذا العلم بعلم الكلام، بأنه راجع إلى ما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف، وليست راجعة إلى عمل، وتشير هذه العبارة إلى مقابلة علم الكلام ـ بكل ما فيه من نظر وكلام ـ بالفقه الذي يتعلق بالعبادات والمعاملات، وكلها عمل، ومقابلة الكلام بالفقه من قبيل مقابلة الأقوال بالأفعال، حيث أن علم الكلام ليس تحته عمل، بعكس الحال في علم الفقه، وهذه المقابلة ترددت كثيرًا في عبارات مصنفي العلوم(8).

3ـ وظيفة علم الكلام لدى ابن خلدون

فمن خلال تعريف ابن خلدون لعلم الكلام على أنه "علم يتضمن الحجاج، أي الدفاع، عن العقائد الإيمانية باستخدام الحجج العقلية، أي أنه علم يسعى إلى تأكيد صحة هذه العقائد الإيمانية باستخدام البرهنة العقلية"، تتحدد وظيفة علم الكلام في البرهنة للمتدينين بهذا الدين نفسه، أو البرهنة للمخالفين له.

وينكر ابن خلدون أن تكون وظيفة الكلام موجهة إلى التابعين لهذا الدين، مؤكدًا أن "التوحيد الذي هو محور البحث في علم الكلام من الأمور التي يستحيل أن يصل إليها العقل بالنظر والدليل، وهي عقيدة تتلقى بالأمر الإلهي.

وقد يكون علمًا موجه إلى الخصوم هذا الدين، أو كما قال: إلتماس حجة تعضد العقائد الإيمانية ومذاهب السلف فيها، وتدفع شبه أهل البدع عنها "فترفع البدع، وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد"، فعلم الكلام هو علم للرد على الملحدين والمبتدعين، وقد استخدم فيه أئمة أهل السنة الدلة العقلية عندما "احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا"(9).

فوظيفة علم الكلام ـ عنده ـ تقديم الدليل العقلي على صحة العقائد الإيمانية ردًا على الملحدين والمبتدعين، لا تأييدًا للعقائد بإطلاق، لأن العقائد عنده أمور مفروض صدقها، فهي وظيفة موجهة ضد أهل الإلحاد والبدع، أما المؤمنون الثابتون على إيمانهم فليسوا بحاجة إليه.

4ـ منهج علم الكلام

من تعريف ابن خلدون لعلم الكلام وأنه "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الدينية بالأدلة العقلية" نتبين المنهج الذي يعتمده في هذا العلم، وهو استخدام الدلة العقلية والعقائد الإيمانية، فهو يشمل جانبين العقل والنقل.

ما يطلبه ابن خلدون من علم الكلام ليس إقامة الحجج العقلية لإثبات صحة العقائد الإيمانية، لأن صحة العقائد قد أثبتها الشرع، بل له موقف خاص من دور العقل وحدوده في مجال الإلهيات، فليس دور المتكلم  البحث عن الحق في العقائد، بل التعليل بالدليل بعد ان لم يكن معلومًا هو شأن الفلسفة، أما علم الكلام فهو يسعى إلى إلتماس حجة تعضد العقائد الإيمانية ومذهب السلف فيها وتدفع أهل البدع عنها وذلك بعد فرضها صحيحة من الشرع، أي كما تلقاها السلف واعتقدوها(10).

وهذا المزج لا يقبله ابن خلدون لوجود تفاوت بين طريق المتكلم وهدفه، وطريق الفيلسوف وهدفه، لأن "نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق، وما تقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد".

وطريقة الفيلسوف هي استخدام العقل للوصول إلى الحقائق المطلقة، أو كما قال: إن "التعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلومًا هو شأن الفلسفة"، أما طريقة المتكلم فهي تقديم أدلة عقلية لأمور ثبتت بالنص أولاً، وهذا يعني أن علم الكلام يسعى لتأكيد حقائق موثوق من صحتها، أما الفلسفة فتسعى للوصول إلى أمر وحقيقة ما بصورة حرة، وتقديم تصور حر، وتعليل حر دون إلتزام بشيء مسبق"(11).

خاتمة:

أو بتعبير آخر، إن الفيلسوف لا يقر بشيء إلا بعد تفكير وتقديم الأدلة العقلية، أما المتكلم فهو يقر أولاً، ثم يبحث عن الدلائل المؤيدة لما قرره سابقًا، فإثبات العقائد ليس من عمل المتكلم، وينحصر دوره في الدفاع عن العقائد بعد فرض صحتها، وهذا يستدعي التسلح بأسلحة خصومه، ويحاورهم بنفس أساليبهم.

 

الهوامش:

(*) ولي الدين أبو زيد عبدالرحمن محمد بن محمد، ولد بتونس سنة 732هـ / 1332م، في أسرة أندلسية نزحت من الأندلس إلى تونس في أواسط القرن السابع الهجري.

(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 780 و821.

(2) مقداد عرفة منسية، دراسات في تاريخ علم الكلام والفلسفة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، ص 55.

(3) المرجع السابق، ص.

(4) سعيد البوسكلاوي: موقف ابن خلدون من علم الكلام، بحث محكم صادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، [12 نوفمبر 2016] ص7.

(5) المصدر السابق، ص9.

(6) المصدر السابق، ص11.

(7) المصدر السابق، ص12.

(8) منى أحمد أبو زيد: الفكر الكلامي عند ابن خلدون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1997، بيروت، ص28.

(9) المرجع السابق، بتصرف، ص33.

(10) المرجع السابق، ص38.

(11) المرجع السابق، ص40.


عدد القراء: 743

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-