«فضيلة أن تكون لا أحد».. عن الحكي بين الزمن المفقود والمستعادالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-01-31 20:15:14

أ.د. بدر الدين مصطفى

أستاذ علم الجمال- آداب القاهرة

في البيت أجلس، لا سعيدًا لا حزينًا بين بين. ولا أبالي إن علمت بأنني حقًا أنا... أو لا أحد!"

                                                                                                 محمود درويش

تمامًا مثل بطل رواية مارسيل بروست "البحث عن الزمن المفقود"، المتعطش لاستعادة زمنه الضائع، يحكي لنا المخرج السعودي بدر الحمود في فيلمه "فضيلة أن تكون لا أحد"، قصته عن الزمن والحنين، الفقد والاستعادة، الأنا والآخر. هنا في في هذا الفيلم نجد أنفسنا أمام سفر إلى زمن مستعاد، رحلة في الاتجاه المعاكس، ربما إلى داخل الحمود نفسه، الذي يهدي الفيلم لوالده، إلى تخوم ذاكرته حيث عالم الطفولة، وعالم الحكي الذي لا يقدره المرء حق قدره إلا بعد فوات أوانه.

يحمل "فضيلة ألا تكون أحد" رغبة مخرجه في أن يحدق مباشرة في الماضي الشعوري لكل منا. يعود الإنسان إلى ماضيه كأنما يسعى إلى استرداد نفسه باحثًا عن شيء مفقود بين ركام الصور والذكريات، عن حقيقة أو معنى يلملم من خلاله فكره وشظايا ذاته. عودة "الحمود" أيضًا إلى الماضي مصحوبة بوعي حاد بالسياق الأعم والأكثر اتساعًا لحكايته، لكن هذا الجانب لا يفصح عنه بصورة مباشرة، بل يكتفي فقط بإشارات لا تخطئها عين المشاهد.

وعلى ما في قصته من شجن، إلا أن الحمود لا يسمح لسرده بالغرق في حنين زائف أو أن ينزلق نحو الميلودراما، رغم غواية القصة بذلك. لكنه ينجح في وضع مسافة بيننا وبين شخصياته. مسافة تسمح بالتأمل ولا تلغي التعاطف مع الحاكي، لهذا لم يستخدم اللقطات القريبة جدًا إلا في مشهد البداية، واكتفي في باقي الفيلم باللقطة القريبة العادية بكاميرا ثابتة خارج السيارة.

جاء المشهد الافتتاحي للفيلم بلاغ الدلالة؛ رجل ينظر في مرآة سيارته فيرى انعكاس وجهه عليها. يقلب صورة معلقة جوار المرآة على وجهها حتى لا يرى وجه الطفل الذي تحمله. ينطلق بسيارته فيشاهد أحدهم يقف على قارعة الطريق، وبعد أن يبتعد عنه قليلًا، يعود بسيارته للوراء ليعرض عليه الركوب إلى المكان الذي يبتغيه. لكن هذه العودة إلى الوراء بسيارته سيتبعها عودة بالوراء زمنيًا عبر فعل الحكي.

كان "بورخيس" يرى الذاكرة مثل مرآة معتمة أو كشظايا مرآة محطمة، بينما هي في الواقع، بالنسبة لي، مثل شقوق في حائط، كل شق هو ألم أصابك ومهما فعلت لتداريه فإنه سيظل موجودًا. يستحضر فيلم الحمود مجموعة من الآلام العميقة، الآم الفقد والغياب، الآم النسيان والضياع. فأبو محمد (يقوم بالدور مشعل المطيري) فقد ابنه الوحيد في الحرم المكي أثناء تأدية مناسك العمرة، ومن وقتها توالت سلسلة الفقد في حياته، زوجته، حياته وطموحه وشغفه بالعالم، وأيضًا ذاكرة والده الذي أصابه الزهايمر. وعندما تحدث  عن أعظم مخاوفه كانت "أن ينساني والدي الذي أصابه الزهايمر"!. أما أبو ناجي الذي استقل سيارته (يقوم بالدور إبراهيم الحساوي) فقد حكى قصة ابنه الذي مات منذ سنوات عديدة وآثاره التي لا زال يحتفظ بها.

أن تعيش لتحكي

تحكي إحدى قصص ألبير كامو عن ذلك الممثل المسرحي الذي اعتزل التمثيل بعد سنوات طويلة من العمل على خشبة المسرح. كان مطلوبًا منه أن يعيش حياته الواقعية بشخصيته الحقيقية دون تمثيل، لكنه لم يستطع التعرف على ذاته وظل متنقلًا في عالم الواقع بين تلك الشخصيات التي أداها على خشبة المسرح! رجل فقد هويته ويتقمص هويات متخيلة لأشخاص آخرين. تلك الحكاية هي الأقرب لحكاية أبو ناجي إنه "لا أحد". حيث سيعلم المشاهد في نهاية أحداث الفيلم أن أبو ناجي استطاع أن يعيش كل الحكايات التي سمعها دون أن يعرف المشاهد قصته الحقيقية، ودون أن يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقي والمتخيل فيما رواه. غير أن لا أحد، من وجهة نظر الحمود، لا تعني غياب الهوية، بل هي فضيلة لو تعلمون عظيمة. أن تعيش في حياة واحدة حيوات الآف الأشخاص متنقلًا بينهم، في رحلة تخلط الواقع بالمتخيل، فتكون النتيجة مزيدًا من المتعة والمرح والقدرة على تحمل كآبة الحياة وثقلها. فالحياة كما يقول جابريل جارثيا ماركيز  "ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليحكيه".

مثل شخصيات المخرج الإيطالي "دي سيكا"، أحد رواد مدرسة الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، التي وصفها النقاد بأنها شخصيات مضاءة من الداخل، بمعنى أنه بإمكانك ملامسة روحها بمجرد رؤيتها، نجد شخصية أبو ناجي بكل عفويتها ومرحها. فرغم أنه لا يحكي قصته الحقيقية التي لن تعرفها أبدًا، إلا أننا نستطيع أن نلمس روحه الشفافة الصادقة داخل كل حكاياته. في النهاية لا يمكن للمشاهد أن يصف أبو ناجي بصفات الكذب والزيف، ولا أن ينسب إليه المرض النفسي، بل سيتفهم تمامًا حيلته الذكية في التغلب على كآبة العالم وبؤسه من حولنا.

في فيلم السيد لا أحد Mr. Nobody، رائعة دورميل، يوجه الصحفي الشاب سؤاله لنيمو المسن: من المستحيل أن تكون قد عشت كل هذه الخيارات معًا في وقت واحد، لا يمكن أن تكون في المكان ونظيره في الوقت نفسه، كل ما تقوله متناقض، فأي حياة؟ أي حياة هي الحياة الصحيحة؟! يجيب نيمو بأن كل تلك الحيوات صحيحة، كل واحد من تلك الاحتمالات هو الاحتمال الصحيح!، كل شيء يمكن أن يكون شيئًا آخر، وسيحمل الأهمية نفسها! لكنك صغير على استيعاب هذا!. ورغم أن السيد لا أحد يتحدث عن احتمالات الحياة وما فيها من مصادفات، إلا أن المعنى العام لفيلم الحمود يتقاطع مع عمل دورميل. أن تكون لا أنت بل كل هؤلاء الذين تتحدث عنهم بكل احتمالاتهم وقصصهم. سنلحظ بعد أن ننتهي من مشاهدة الفيلم أن أبو ناجي كان حريصًا على سؤال أبو محمد في كل تفاصيل قصته، سنفهم وقتها أن ذلك كان مقصودًا وليس عفويًا، لأنه سيعيد استخدام القصة مرة أخرى وستجد موقعها في ذاكرته، فلابد إذن أن تأتي مُحكمة وصادقة.

 يقول بروست في البحث عن الزمن الضائع "إن الفناء الفعلي لنفسي هو العزاء الوحيد لفقدها. بيد أن موت المرء ليس أمرًا استثنائيًا، إنه أمر يحدث رغمًا عنا كل يوم". لهذا لم يكن الموت مؤرقًا  لأبي ناجي، رغم كبر سنه، بل كانت أشد مخاوفه ضياع الحكاية أو كما يقول: أن يجد الباص، الذي سيستقله إلى وجهة لا يريدها حقيقة، بلا مسافرين، إذ كيف سيحكي قصته وكيف سيستمع إلى قصص الآخرين!

عن هشاشة العلاقات

يحمل عمل الحمود نوعًا من الرثاء لعالم يغيب فيه الحكي والعلاقات الحية مقابل سيطرة التقنية. ويرصد الفيلم في جانب منه شكلاً من طبيعة العلاقات التي تسود عالمنا الراهن الذي تحول فيه الإنسان إلى شاشة، حيث تغيب العلاقة التفاعلية المباشرة ويتحول الإنسان نفسه إلى النموذج الأساسي لعصر الإعلام؛ الشاشة. هنا تختفي العلاقات الحية التي تتضمن التفاعل بين الأنا والآخر. في حكاية أبو محمد نجد طبيعة علاقته المتدهورة بزوجته التي انفصل عنها، كما يرفض سائق السيارة الخاصة أن يقل أبو ناجي إلى وجهته بعد رؤية وجهه ذي العين الواحدة. لكن الأهم من ذلك ما يفصح عنه العمل من نقد لوسائل التواصل الحديثة وكيف حولتنا إلى ذوات منفصلة عن بعضها، يقول أبو محمد في أسي عن زوجته السابقة: "كانت تعيش في عالم لا وجود لي فيه...تقضي ساعات على جوالها وأمام التلفاز". ينظر أبو ناجي حوله  في المقهى الذي يجلسان فيه فيلاحظ ذلك الشاب الذي لم يرفع عينيه عن جواله منذ أن جلسا. يتساءل بدهشة عن ماذا يفعل ولماذا كل هذا الحرص وما الذي يمكن أن يفعله المرء أمام تلك الشاشة! 

 الحوار والصورة

من ضمن الانتقادات التي وجهها الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو لفن السينما أنها، من خلال شاشتها، تعمل على تأطير العقل البشري وتقليص ملكة الخيال إلى الحد الأدنى لها لأنها تحصر المتلقي داخل الإطار الضيق لشاشة العرض. في المقابل يعمل الأدب على استدعاء الصور المتخيلة وحشدها فتمنح الكلمات وجودًا وتهب القصة حياةً. ربما تتحقق هذه الميزة التي للأدب في الأفلام الحوارية بقدر ما إذ أن الحوار يسمح للخيال بالتحرر من مشهدية الصورة الغائبة فيخلق صورته بنفسه عبر الكلمات المنطوقة. في حكايات أبو ناجي وأبو محمد يخلق المشاهد مشهديته الخاصة لتلك الحكايات وتتحول في ذهنه بمجرد سماعها إلى صور تتشكل عبر كلماتهما محملة بشجن الأول وعفوية الثاني.

يعتمد الفيلم بصورة رئيسة إذن على الحوار، كما يعتمد على الصورة المقربة التي لا تترك مساحة أمام تكوين كادرات واسعة، لكن طبيعة المكان الذي اختاره الحمود لتصوير حكايته فرض أن يكون التصوير هكذا. ومع ذلك فقد عوض الحوار غياب المشهدية داخل الفيلم. وربما يكون التحدي الرئيس الذي يواجه هذا النوع من الأفلام الحوارية أن يأتي السرد الحواري بطريقة لا تصيب المشاهد بالملل، والحقيقة أن المشاهد لن يشعر بالملل في أي جزء من أجزاء الفيلم. ربما لأن نقلات الحوار جاءت سلسة ومتنوعة، وربما للحظات الصمت التي تتخلل الحوار فمنحته قدر كبير من الواقعية، لكن الأهم أداء الممثلين (إبراهيم الحساوي ومشعل المطيري)  والذي تفوق كلًا منهما على الآخر. أداء حقيقي معبر يأسر المشاهد ولا يجعل عيناه تغادر الشاشة بسهولة. ورغم أن السرد الحواري عمومًا داخل الأفلام لا يكشف القدرات الأدائية للممثل خاصة إذا جاء في مكان واحد ودون أحداث متنوعة، إلا أن الممثلين استطاعا تجاوز هذا الأمر تمامًا، ليجد المشاهد نفسه مستلبًا أمام الشاشة.

ينتهي "فضيلة أن تكون لا أحد" بمشهد يستدعي بدايته حيث يقف أبو ناجي على قارعة الطريق يوميء بيده لإحدى السيارات فتتوقف ويركب جوار السائق. تٌظلم الشاشة حاملة تترات النهاية ومن ورائها يأتي صوت أبو ناجي يأتي قويًا واثقًا يحكي بكل شجن عن ابنه محمد الذي فقده في الكعبة أثناء تأدية مناسك العمرة وعن زوجته التي انفصل عنها...إلخ. تمتزج كلمات أبو ناجي بكلمات الفنان الراحل طلال مداح التي تشدو قائلة "أنا راجع أشوفك سيرني حنيني إليك أسأل عن ظروفك وتأثير الليالي عليك رجعني إللي شفته معاك يدفعني عشان ألقاك وأنا راجع أشوفك"..

 أخيرًا يبدو عمل الحمود واعدًا ثريًا محملًا بدلالات جاءت عميقة في مواضع كثيرة ومباشرة أحيانًا، لكن في كل الأحوال لديها ما تفصح عنه من لغة سينمائية شاعرية مميزة، لذا فنحن نترقب المزيد. 


عدد القراء: 490

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-