فاضل السامرائي القرآن الكريم مقاربة لغوية بيانيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 11:03:15

إبراهيم مشارة

كاتب جزائري

فاضل صالح السامرائي أحد أبرز اللغويين المعاصرين الذين عنوا بمقاربة النص القرآني مقاربة لغوية بيانية تفكيكًا وفهمًا وتذوقًا وكشفًا لأسرار ودقائق التعبير القرآني، فهو يعد اللغة كما عدها اللغويون والمفسرون القدامى شرطًا لا مناص منه لدراسة وتحليل الأسلوب القرآني ومضامينه الأخرى العقائدية والسلوكية والتشريعية. والقرآن ذاته يعلن للعالمين أنه "كتاب فصلت آياته"، "كتاب أحكمت آياته"، "قرآنا عربيا غير ذي عوج". فهو ظاهرة لغوية أولاً تحدت العرب في أخص خصيصة فيهم وهي خصيصة البيان فعجزوا على مر الأجيال وكر القرون عن محاكاته والإتيان بمثله بل بعشر سور مثله مفتريات، ولو تظاهر الإنس والجن على ذلك ما استطاعوا إليه سبيلا.

يعلن السامرائي في أحد كتبه "التعبير القرآني" أنه كان متشككًا في شبابه من الأمر وأن التسليم بالإعجاز لا يعدو أن يكون محض عاطفة ومجاراة من العرب لبعضهم على مر القرون وتعاقب الأجيال فهو بهذا الشك - والشك طريق إلى اليقين كما كتب الإمام أبو حامد الغزالي- يتنكب سبيل المغالاة والحماسة العاطفية منخرطًا في منهج ديكارتي قوامه  تحري الحقيقة وعدم التسليم بما هو مسلم به والبحث المنزه عن الهوى والتعصب الأعمى لإثبات أو نفي قضية الإعجاز القرآني ولذلك يعلن (فقد كنت أسمع من يقول: إن القرآن معجز وإنه أعلى كلام وإنه لا يمكن مجاراته أو مداناته. وكنت أرى في هذا غلوا ومبالغة، دفع القائلين به حماسهم الديني وتعصبهم للعقيدة التي يحملونها).

ومن قديم أثيرت قضية إعجاز القٍرآن وحاول لفيف من المتفلسفين التشكيك في ذلك لا على خلفية عجز الإنسان ولكن لأن الله منع الإنسان من ذلك.

وتطرف لفيف آخر في إنكار قضية الإعجاز كابن الرواندي الذي أنكره وكتب كتابًا حاول أن يفند فيه ما هو مسلم به في مؤلفه الزمردة. غير أن شاعرًا بليغا متأثرًا بأسلوب القرآن وروعة بيانه وعذوبة جرسه كالمعري حاول مجاراة النسق التعبيري للقرآن في كتابه الذائع "الفصول والغايات في محاذاة  السور والآيات" لا على سبيل التحدي بل على سبيل التأثر، وتفيض كتب الأدب التراثية كالعقد الفريد والكشكول والمستطرف وغيرها بأخبار المتنبئين وأهل الظرف الذين ادعوا النبوة وحاولوا تأليف نصوص تحاكي آي القرآن وقد انتهى أمر جلهم محاكمة وقتلاً  وليست تلك المحاكاة إلا من قبيل محاولة خداع عوام الناس لتحقيق أطماع شخصية  أو  الظرف والتندر حتى إن ابن عبد ربه وبهاء الدين العاملي والأبشيهي أفردوا تلك الأخبار والمرويات  في باب نكت المتنبئين.

كان السامرائي في بداية تفكيره يرى أن الأمر ترسخ كعقدة نفسية لازمت العرب فأشعرت الناس بالعجز عن مجاراة أسلوب القٍرآن ومداناته ولأن القرآن هو حامل حضاري ومتن ثقافي وأمته بسطت نفوذها على العالم في العصرين الأموي والعباسي زاد هذا من حماسة الناس كون التسليم بقضية الإعجاز القرآني هو تشبث بالهوية الإسلامية في مواجهة الهويتين اليهودية والمسيحية، غير أنه تخلى عن هذه الفكرة بما تهيأ له من بحث وجهد لغوي مضن واستعانة بترسانة من كتب اللغة والبيان والتفسير والثقافة اللغوية الخاصىة به والحاسة اللغوية الأصيلة فيه وانتهى مقرًا بحقيقة الإعجاز القرآني لا عن تقليد ولكن عن شك ودراسة عميقة  ثم يقين راسخ وقد كتب بعد ذلك (وكلما أمعنت النظر والتدقيق والموازنة ازددت بذلك يقينا وبصيرة، وانتهيت إلى حقيقة مسلمة بالنسبة إلي وهي أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام البشر وأن الخلق أولهم  وآخرهم لو اجتمعوا على أن يفعلوا مثل ذلك ما قدروا عليه ولا قاربوا).

تجربة  طويلة خاضها الرجل في دراسة الأسلوب القرآني  وكشف تركيبه وتفكيك نسقه وسبر دقائق بيانه بتفكيك الجملة والوقوف على أسرار الكلمة و الحرف مستعينًا بمكتبة ضخمة من كتب اللغة الموثوقة والتفاسير المختلفة والحس اللغوي الذي تهيأ له منذ حداثة عهده باللغة حتى أغنى المكتبة القرآنية الحديثة بهذه المؤلفات الكثيرة في مقاربة الجملة القرآنية والنسق الأسلوبي للقرآن وموسيقى لغة القرآن وقوة التشخيص في قصصه ثم الوقوف على الأهداف والمرامي المعلنة والمضمرة ومقاصد القرآن من حيث هو كتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للعالمين. ومن أمثلة هذه المؤلفات "بلاغة الكلمة في التعبير القرآني"، "على طريق التفسير البياني"، "مراعاة المقام في التعبير القرني"، "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل"، و"من أسرار البيان القرآني". ولم يقارب السامرائي في دراساته أوجه الإعجاز الأخرى كالتشريع والسلوك وقضايا العلم أو ما اصطلح على تسميته بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي صارت تعقد له الندوات العالمية وصرنا نسمع بين الفينة والفينة عن عالم غربي متخصص في فرع من المعرفة أسلم بسبب آية قرآنية تطابقت في مدلولها مع كشف علمي حديث. إنما عني هو بالجانب اللغوي والبياني، فالقرآن الكريم كتاب توسل في مضامينه التشريعية والسلوكية والعقائدية بألفاظ عربية متداولة في القرن السابع الميلادي ولكنه اختط طريقًا لا عهد للعرب به في التعبير والـتأليف والمزواجة بين نقاء الكلمة وسمو المعنى وعذوبة الجرس متحاشيًا إيجازًا مخلاً أو حشوًا مملاً أو إطنابًا ممقوتًا بما لا يتهيأ لأفصح الفصحاء وأشعر الشعراء فكان حقًا معجزة الله الخالدة كما قرر.

ما يميز السامرائي في دراساته القرآنية مزاوجته بين الأصالة والعصرنة فهو جسر بين الدراسات اللغوية والقرآنية القديمة والدراسات الحديثة توخى السهولة والوضوح والسلاسة والعمق والحجة اللغوية والعقلية والتاريخية فابتعدت كتاباته عن التأثر والتأثير العاطفي الانطباعي.

وتلقى دراساته القرآنية الكثيرة رواجًا منقطع النظير بسبب الإحكام والوضوح والبساطة – وقد بذل جهودًا كبيرة لتبسيط فرائد اللغة وقواعدها وشرح شواردها- بما يلائم أذواق الناس وثقافاتهم في العصر الحديث ويراعي مستوياتهم المختلفة وتعدد مشاربهم الثقافية والعلمية، وتحدث إلى عموم الناس وخاصتهم عبر التلفزيون عن اللمسات البيانية في القرآن الكريم فكانت إضافة حقيقية للتلفزيون سمت بمضمونه ورسالته في الارتفاع بأذواق السواد الأعظم من الناس وتقريب الظاهرة القرآنية من أفهامهم.

هذا العمل الذي اعتمد فيه الرجل على ثقافته اللغوية وذوقه البياني وحسه الجمالي وترسانة الكتب اللغوية القديمة والتفاسير الكثيرة- خاصة التي اهتمت بالجانب البياني والجمالي-  التي لا يتهيأ لمثقفي اليوم الاطلاع عليها وتفكيك عباراتها والإحاطة بمضمونها لبعد عصر تأليفها عن ثقافة العصر واستفاضتها في الشرح والتفريع والتحليل والتوسل بشواهد الشعر القديم مما يجعلها صعبة على كثير من المثقفين ولكن الرجل بسط مضمونها واستخرج زبدة مدلولها فهو جسر تواصل بين الثقافة العربية اللغوية القديمة وثقافة العصر الحديث في أسلوب سلس وعرض أخاذ بلا غلو عاطفي وإحكام لا مرية فيه وقد كتب (صحيح أن كثيرًا من الناس ليس لديهم اطلاع على المسلمات اللغوية وليس لديهم معرفة بأحكام اللغة وأسرارها، ومن الصعب أن يهتدي هؤلاء إلى أمثال هذه المواطن من غير دليل يأخذ بأيديهم يدلهم على مواطن الفن والجمال ويبصرهم بأسرار التعبير ذلك ويوضح ذلك  لهم بأمثلة يعونها ويفهمونها).

وجاءت مباحثه في لغة القرآن وأسلوبه متعددة المناحي شيقة العرض يتتبع التفاصيل في غير إملال أو تعقيد ويقيم الدليل ويتوسل بشواهد اللغة ومن أمثلة هذه المباحث: الذكر والحذف، التشابه والاختلاف في السمة التعبيرية للسياق، الحشد الفني، فواصل الآي، التوكيد في القرآن الكريم، التضمين، التصوير الفني وغيرها.

ومن ناقلة القول إن قارئ القرآن الكريم يلاحظ تكرارًا في بعض قصص القرآن كقصة آدم، إبراهيم، موسى وعيسى ولكن لكل سياق مغزى ونسقه التعبيري وسياقه اللغوي. ولا يفوت الكاتب أن يؤكد على قوة التشخيص في القصة القرآنية مما يجعل القارئ يعيش الحدث بحواسه ووجدانه فكأنه يتمثله تمثلاً لا مجرد قراءة عابرة وهذا أحد وجوه الإعجاز في القصة القرآنية ناهيك عن التفنن في استخدام الروابط كحروف الجر والعطف وتضمين حرف معنى حرف آخر وفعل معنى فعل آخر مما يكسب النسق التعبيري للقرآن ثراءً وتنوعًا تستريح له النفس ويستجيب له الذوق ويستسلم له حس الإنسان وعقله فيتسق المعنى مع المبنى لهدف أسمى وهو الهدى لبني الإنسان كافة.

هي تجربة طويلة خاضها الرجل في دراساته للنص القرآني ومقاربة أسلوبه تفكيكًا وفهمًا وتذوقًا وكشفًا لبدائع تركيبه والوقوف على أسراره ودقائقه مقيمًا الحجة من اللغة ذاتها ومن المنطق وأسرار النفس الإنسانية وشواهد الحس بموضوعية لا تتعصب لمجرد الإثارة والتحمس للعقيدة والتسليم بمقولة الأجيال عبر التاريخ دفاعًا عن الهوية في مواجهة الآخر ويمكن اعتبار جهود السامرائي تتمة لجهود السلف ثم الخلف في مقاربة الإعجاز القٍرآني وأسراره البيانية كجهود مصطفى صادق الرافعي والشيخ أمين الخولي وعائشة عبدالرحمن وسيد قطب ومحمد علي الصابوني وغيرهم وقد أضاف بجهوده القيمة التي قدمت جديدًا في العرض والمحتوى بما يثري البحث فيما يتعلق بأسلوب القرآن تعبيرًا وسياقًا وجرسًا موسيقيًا وسمو معنى وشرف مقصد بحيث تشكل مؤلفاته لوحدها رفًّا في مكتبة الدراسات القرآنية لا تكرر ولا تجتر ولا تسلخ من كتب أخرى قصد المراكمة والزيادة في المتون البحثية بلا جديد يذكر ولا قديم يناقش ولا أدل على ذلك من إقبال القراء على هذه المؤلفات والإقبال المنقطع النظير على حصته في التلفزيون مما يثبت فعلاً جهوده المثمرة في حقل البحث القرآني.


عدد القراء: 2678

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-