روايات البريطانيين السُّودالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 10:08:23

د. أشرف إبراهيم محمد زيدان

جامعة بور سعيد/كلية الآداب/مصر

أبيجيل وُوردi

ترجمة: د. أشرف زيدان

 مراجعة وهوامش: أ.د. جمال الجزيري

الرواية التي يكتبها البريطانيون السود مجال يتسع باطراد من مجالات الأدب في القرنين العشرين والحادي والعشرين. ويُستخدم مصطلح "أدب البريطانيين السود" (Black British literature) منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولكنه مصطلح مثير للجدل لأن مصطلحي "البريطاني" و"الأسود" معقَّدان بطريقة مضلِّلَة ويسبِّبان مشكلات تصنيفيَّة لدى الكتَّاب والنقَّاد على حد السواء. ولقد عرض الشاعر والروائي فريد داجويار (Fred D'Aguiar) اعتراضاته في مقالة له بعنوان "ضد أدب البريطانيين السود"، ذاهبًا إلى أن المصطلح يهمِّش إبداع السود، ويفشل في أن يعترف بأنه جزء من الهوية البريطانية، وليس شيئا منفصلًا عنها (ص: 106). ثم إن وضع جماعة من الأدباء - كالبريطانيين السود - في سلسة واحدة قد يؤدي إلى المجانسة التنميطية (homogenization)، أي إلى تجاهل الفروق الفردية بين أبناء مجموعة متنوعة من الشعوب. كما أن هناك الكثيرين من الكتّاب "البريطانيين السود" يقيمون الآن خارج المملكة المتحدة، مثل كاريل فيليبس (Caryl Phillips) وجورج لامنج (George Lamming) وآخرين، مما يجعل هذه التسمية لا تنطبق عليهم بوجه خاص. ويرى الناقد الأدبي جون ماكلويد (John McLeod) أنَّ العناصر العابرة للقوميات في جزء كبير من كتابات السود في بريطانيا قد تتعرض للإغفال عند النظر إلى هذه الكتابات على أنها بريطانية فقط (2002، ص: 59). ويستخدم بعض النقّاد مصطلح "كتابات السود في بريطانيا"(Black writing in Britain) كتعبير بديل في محاولة منهم لتجنُّب دلالات الانغلاق الماثلة في مصطلح "البريطانيين السود"، مما يوحي – بدلاً من هذا الانغلاق – بإمكانية الحركة والتغاير والهجرة، مما يستحضر تأكيد المنظِّر الثقافي ستيورات هُول على أنَّ هويّات أهل الشتات "تنتج نفسها وتعيد إنتاجها على الدوام وبشكل متجدِّد" (ص 402).

ويذكر المؤرخ بيتر فراير(Peter Fryer)  (ص: 1) أنَّ السود موجودون في بريطانيا منذ العصور الرومانية، وأنَّ أقدم كتابات أدبية (سردية أو غير سردية) كتبها السود في بريطانيا هي حكايات وقصائد العبيد في القرن الثامن عشر التي كتبها كتّاب من أمثال أولوده إيكويانو (Olaudah Equiano)، وإجناتيوس سانتشو (Ignatius Sancho)، وميري برنس (Mary Prince).  وفى القرن العشرين، بالرغم من أن كتّابا مثل س. لـ ر. جيمز (C. L. R. James) وأونا مارسون (Una Marson) كانوا يمارسون الكتابة في بريطانيا في ثلاثينات القرن العشرين، فإن وصول سفينة ويندروش في 22 يونيو 1948 وعلى متنها (492) من المهاجرين الكاريبيين كان لحظة حاسمة في وصول السود إلى بريطانيا؛ إذ شهدت "فترة ويندرش" هجرة العديد من الأدباء من أمثال لامنج وسام سيلفون وويلسون هاريس وبيريل جيلروي (Beryl Gilroy) وف. س. نايبول (V. S. Naipaul) وأندرو سُوكِي (Andrew Salkey).  ويلاحظ أنَّ الروايات والقصص القصيرة التي كتبها هؤلاء المهاجرون في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تدور أحداثها غالبًا في المراكز الحضرية البريطانية، وخاصة في لندن؛ وتتميّز بتعبيرها عن الإحساس بالاغتراب والصراع في ظل مناخ اجتماعي لا يرحم في ذلك الوقت. تناول الكتَّاب في أواخر أربعينيات القرن العشرين فصاعدًا التوترات العرقية المتصاعدة بشكل خطير التي بلغت ذروتها في 1958 بأحداث الشغب في نوتنجهام ونوتنج هيل. بالطبع لم يكن المهاجرون الكاريبيون هم غير البيض الوحيدون في بريطانيا في ذلك الوقت، فلقد تزايدت أيضًا هجرة الآسيويين الجنوبيين والأفارقة منذ عام 1948 إلى حين سنّ التشريعات التي تقيِّد الهجرةَ في 1962 و1968 وأخيرًا في 1971، عندما قيَّد "قانون الهجرة"ii شروط الهجرة الأولية بشدةiii. وروايتا بوتشي إيميتشيتا (Buchi Emecheta) اللتان تشبهان السيرة الذاتية، وهما رواية في الحفرة" (1972) ورواية "مواطنة من الدرجة الثانية" (1974) تمثّلان في نظر الكثيرين الصراع من أجل الوجود الذي كانت تخوضه مهاجرة  نيجيرية في بريطانيا في ستينيات القرن العشرين؛ فبطلة الرواية، وهي أم شابة لم تجد دعمًا من زوجها، تعاني من العنصرية العرقية ضدها كسوداء والعنصرية الجنسية ضدها كامرأة، بالإضافة إلى صعوبات الحصول على مأوي لعائلتها الصغيرة وصعوبة تربية أولادها وسط مخاوف السكان البيض من زيادة عدد السكان السود في المنطقة.

وقد شهدت تسعينيات القرن العشرين جيلاً ثانيًا من الكتاب البريطانيين السود يتناولون العبودية العابرة للمحيط الأطلنطي في رواياتهم. فتناولتْ روايتا كاريل فيليبس "كمبردج" (1991) و"عبور النهر" (1993)، ورواية س. أ. مارتن (S. I. Martin) "عالَم لا يُقارن" (1996)، وروايتا فريد داجويار "أطول ذاكرة" (1994) و"إطعام الأشباح" (1997)، ورواية ديفيد دابيدين (David Dabydeen) "مسيرة عاهرة" (1999) العلاقة بين المخاوف الحالية لبريطانيا في أواخر القرن العشرين (بما فيها المخاوف العرقية المتصاعدة) وماضي العبيد في بريطانيا الذي عادة ما يتعرض للتجاهل، وكل رواية تتناول ذلك بطريقتها. كما ظهرت أيضًا كتابات مهمة لكتّاب بريطانيين من أصل أسيوي، بما فيها روايتا حنيف قريشي (Hanif Kureishi) "بوذا الضواحي" (1990) و"الألبوم الأسود" (1995)، وروايتا ميرا سِيَال (MeeraSyal) "أنا وأنيتا" (1996) و"الحياة ليست كلها ضحكًا" (1999)؛ وتسرد روايتا سِيال تجارب الأسيويات الشابات في المجتمع البريطاني. ومن الروايات الأخرى التي كتبها البريطانيون السود، سواء أكانوا من الكتاب المهاجرين أم من الكتاب الذين ولدوا في بريطانيا في تلك الفترة، أعمال أندريا ليفي (Andrea Levy) وبِن أوكري (Ben Okri) وكورتيا نيولاند (Courttia Newland) وجاكي كاي (Jackie Kay) وديران أديبايو (Diran Adebayo) . وتتناول رواية أديبابو "نوع من الأسود" (1996) هويات وسياسات البريطانيين السود في المدن، في حين أن رواية "البوق" (1998) لجاكي كاي حدود الجيندر (gender) والهوية الجنسية (sexuality) في القصة الشاعرية عن عازف البوق جوس مودي الذي يرتدي ملابس نسائية.

وفي مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، فازت رواية زادي سميث (Zadie Smith) "أسنان بيضاء" (2000) بالعديد من الجوائز الأدبية - وهي من الروايات الأكثر مبيعًا وثناءً - بسبب رصدها الساخر لـ "الأرض السعيدة المتعددة ثقافيًا" (ص: 465)، كما أن تكملة هذه الرواية في روايتين لاحقتين في روايتها "رَجُل الأوتوغراف" (2002) وروايتها "عن الجمال" (2005) دعَّمتْ مكانتها باعتبارها واحدةً من أكثر الكتّاب نجاحًا في بريطانيا. ومثل حنيف قريشي، عادةً ما تقارن زادي سميث بريطانيا بالولايات المتحدة من أجل استكشاف هويات البريطانيين السود، في حين أن الرواية الشعرية التي كتبتْها بيرناردين إيفاريستو (Bernardine Evaristo) بعنوان "فاتنة الإمبراطور" (2001) تعقدُ مقارنةً تاريخية بين لندن في عصر الرومان وبريطانيا في القرن الحادي والعشرين. وتستخدم إيفاريستو قصة زُلَيْخَا، وهي شابة سوداء كانت تعيش في عام (211) بعد الميلاد، لتناقش قضايا معاصرة تتعلق بالعِرق والطبقة الاجتماعية والجيندر. وتمزج رواياتها "فاتنة الإمبراطور" و"لارا" (1997) و"سيّاح عاطفيون" (2005) بين النثر والشعر والسيناريو، وبالتالي تساهم إيفارستو إسهامًا جريئًا في رواية البريطانيين السود، وتتحدى حدود هذا النوع الأدبي المتطور باستمرار.

 

الهوامش:

i- Abigail Ward. "Black British Fiction". The Encyclopedia of Twentieth-Century Fiction". Vol. 3: Twentieth-Century World Fiction. Ed. Brian W. Shaffer. West Sussex: Blackwell Publishing Ltd, 2011. Pp. 985-986.

ii- قانون صدر في عام (1971)   في بريطانيا يُقْصِرُ حق الإقامة على الأشخاص المولودين في بريطانيا أو المقيمين فيها لمدة  لا تقل عن خمس سنوات عند صدور القانون (المراجع).

iii- الهجرة الأولية (primary immigration) مصطلح يُطلق على هجرة العائل أو الأعزب إلى بلد أخرى كي يحسن ظروفه الاقتصادية ويستطيع الإنفاق على أسرته في بلده الأصلية إذا كان متزوجا. وبعد أن يستقر في البلد الجديد قد يأتي بأفراد أسرته ليقيموا معه، مما يُعرف بالهجرة الثانوية (secondary immigration) . والكثير من الدول تضع قيودا على مثل هذا النوع من الهجرة، وإن كانت تسمح لمن استوطنوا بالفعل وأخذوا الجنسية عن طريق الهجرة الأولية بالإتيان بذوييهم للاستيطان والإقامة معهم (المراجع).

References and Suggested Readings

- Ball, J. C. (2004). Imagining London: Postcolonial Fiction and the Transnational Metropolis. Toronto: University of Toronto Press.

- D’Aguiar, F. (1989). Against Black British Literature. In M. Butcher (ed.), Tibisiri: Caribbean Writers and Critics. Sydney: Dangaroo, pp. 106–114.

- Fryer, P. (1984). Staying Power: The History of Black People in Britain. London: Pluto.

- Hall, S. (1993). Cultural Identity and Diaspora. In P. Williams & L. Chrisman (eds.), Colonial Discourse and Post-Colonial Theory: A Reader. Hemel Hempstead: Harvester Wheatsheaf, pp. 392–403.

- Low, G., & Wynne-Davies, M. (eds.) (2006). A Black British Canon?Houndsmills: Palgrave Macmillan.

- McLeod, J. (2002). "Some Problems with “British” in a “Black British Canon”. Wasafiri, 36, 56–9.

- McLeod, J. (2004). Postcolonial London: Rewriting the Metropolis. Abingdon: Routledge.

Owusu, K. (ed.) (2000). Black British Culture and Society: A Text Reader. London: Routledge.

- Procter, J. (ed.) (2000). Writing Black Britain 1948–1998: An Interdisciplinary Anthology. Manchester: Manchester University Press.

- Procter, J. (2003). Dwelling Places: Postwar Black British Writing. Manchester: Manchester University Press.

Sesay, K. (ed.) (2005). Write Black Write British: From Post-Colonial to Black British Literature. Hertford: Hansib.

- Smith, Z. (2000). White Teeth. London: Hamish Hamilton.

Stein, M. (2004). Black British Literature: Novels of Transformation. Columbus: Ohio State University 


عدد القراء: 1261

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-