«لماذا فشلت الليبرالية»؟الباب: مراجعات

نشر بتاريخ: 2019-02-05 21:34:00

فكر - المحرر الثقافي

الكتاب: "لماذا فشلت الليبرالية"؟

المؤلف: باتريك دينين

الناشر: Yale University Press

سنة النشر: 2 مارس 2018

عدد الصفحات: 224  صفحة

الرقم المعياري الدولي للكتاب:

 ISBN-13: 9780300223446

 

شهد القرن العشرون ثلاثة تيارات، أو ثلاثة مذاهب عقائدية وسياسية عرفها الناس على الوجه التالي: الفاشية، الشيوعية، والليبرالية. القرن نفسه شهدت مراحله غروب شمس الفاشية مع انتصافه، وجاء هذا الأفول بعد اغتيال زعيم الفاشست الإيطالي بنيتو موسوليني (1883 - 1945).

أما «الشيوعية» التي تأسست دولتها في روسيا تحت اسم الاتحاد السوفيتي في عام 1917 فقد حان توقيت غروبها بتصدع الدولة المذكورة ثم زوال الاتحاد السوفيتي: اسمًا وكيانًا وأيديولوجية مع مطالع العقد التسعيني الختامي من القرن العشرين.

من هنا لم يبقَ من ثلاثي الأيديولوجيات المذكور أعلاه سوى «الليبرالية» التي اشتقوا اسمها من اللفظ الإغريقي «ليبور» وقد استخدمه اليونان القدماء في معنى الفرد الحر أو المواطن الحر، طبعًا، مقابل الفرد، أو بالمعنى الأدق، العبد.

على أن هذه الحالة من الاستمرار لصالح «الليبرالية» أضفت نوعًا من الرونق النسبي على المصطلح المذكور على نحو ما ينوه به الدكتور باتريك دينين أستاذ العلوم السياسية في كتابه «لماذا فشلت الليبرالية»؟. وقد اختار لهذا الكتاب عنوانًا يتلخص في سؤال يتناقض بدوره مع حكاية الرونق الذي أشرنا إليه في مستهل هذه السطور. السؤال هو: «لماذا فشلت الليبرالية»؟ والمؤلف يحاول الإجابة عن هذا السؤال عبر سطور هذا الكتاب موضحًا منذ بداية الإجابات أن الغياب والغروب الذي لحق شمسَ الدعوتين الفاشية والشيوعية دفع بدعاة الليبرالية، بالأدق أغراهم، بأن يتعاملوا مع المذهب الليبرالي، لا بوصفه أيديولوجية سياسية اختارها دعاتها ومروجوها في مرحلة معينة من التاريخ الإنساني لكي تخدم مصالح معينة لطبقات معينة وتحقق أهدافًا معينة، وإنما تصوّر هؤلاء الدعاة والمروجون أن الليبرالية هي نهاية المطاف وغاية المرام ومحطة بلوغ الهدف المقصود والمأمول من التطور السياسي للمجتمع البشري.

هنا يبادر مؤلف الكتاب إلى توضيح أن المسار الليبرالي بدأ يشق طريقه ليشكل معلمًا عمدت الدولة الأمريكية إلى تبنيه لدى قيامها في القرن الثامن عشر، حيث انتشرت الدعوة إلى اعتبار شعبها مواطنين أحرارًا ومنهم من يكرس مبدأ حرية السوق المطلقة ويطلقون على أنفسهم وصف «الجمهوريين» ومنهم من يكرس مبدأ اتباع المسار الأخلاقي الشخصي - الفردي ويصفون أنفسهم بأنهم «الديمقراطيون».

ويوجه المؤلف انتقاداته عبر سطور الكتاب إلى التصورات التي رسخت في الأذهان، حيث يقف بالتأمل مليًا عند تناقض المذاهب والدعوات الليبرالية. ومن هذه الوجوه المتناقضة ما يتمثل في القول بأنها تدعو إلى الإجماع بناء على إعطاء الحرية، كل الحرية للفرد، ولكنها في الحقيقة، وفي مضمار الممارسة، تجنح في أحوال كثيرة إلى تكريس الأفكار التي تدعو إلى الفردية ثم إلى التركيز على حقوق الأفراد. وهذا التركيز نفسه هو الذي دفع فئة بعينها من هؤلاء الأفراد، وتحت شعارات الحرية، إلى إطلاق العنان لأطماعهم وتطلعاتهم الفردية، فإذا بهم يحتكرون الثروات ويسيطرون على الأسواق ويمارسون كافة الضغوط من أجل إنشاء نظم حكم وإدارات بيروقراطية تخدم مصالحهم وتحقق أغراضهم، وهو ما يتم منطقيًا على حساب الغالبية العظمى من الجماهير في المجتمع الذي يتغنى أفراده وشعاراته بحكاية الليبرالية.

ومن الطريف - على نحو ما يبين مؤلفنا أيضًا - أن مجتمعات الغرب المتقدمة ظلت تباهي الأمم بأن اتباعها المبدأ الليبرالي كان له الفضل فيما حققته تلك الحكومات من إنصاف للمرأة، فضلاً عن تمكينها من الحصول على حقوقها مثل الرجل سواء بسواء.

هنا يطل مؤلف الكتاب على هذا الإنجاز من زاوية مخالفة، فإذا به يستطرد موضحًا أن الأمر لم يزد في جوهره على إتاحة الفرصة من أجل إضافة النساء إلى طوابير العاملين الكادحين من الرجال في المصانع والمكاتب والمزارع وغيرها.

وهنا يعلق المؤلف على هذه التوجهات موضحًا أن الإنجاز الرئيس العملي لتطبيق الليبرالية تحت شعار تحرير المرأة جاء متمثلاً في إضافة العديد من النساء إلى قوى العمل على صعيد رأسمالية السوق، مما يشكل برأي البروفيسور دينين مظهرًا من مظاهر التناقض في تعامل الليبرالية مع المجتمع.

ثم هناك أيضًا ما يطلق عليه المؤلف الوصف التالي: «الليبرالية معدومة الضمير»، وهنا يكاد القارئ المتمعن يخلص إلى وصف بديل يلخصه في مرحلتنا الراهنة مصطلح «النيوليبرالية» وهو المنحى الذي كادت تتحول إليه منذ الثلث الأخير من القرن الماضي معظم النظم الرأسمالية في الغرب الأوروبي (وخاصة منذ مرحلة حكم مرغريت ثاتشر في إنجلترا وتوازيها حقبة الرئيس دونالد ريغان في أمريكا). وهي الليبرالية التي تنحاز إلى قوى السوق التي يسيطر عليها كبار الرأسماليين وعتاة الاحتكاريين الذين جعلوا من الربح، والربح فقط، هدفهم المحوري بصرف النظر عن مصالح ومعايش، وطبعاً آلام ومعاناة، الجموع الغفيرة من الفقراء الذين يشكلون الأغلبية الكاسحة في المجتمع البشري المعاصر.

لهذا يدعو المؤلف إلى ما يصفه بأنه الحاجة التي باتت في رأيه ضرورية، بل بالغة الإلحاح، إلى النظر بعمق، علمي وتحليلي، إلى ما آلت إليه أحوال المشروع الليبرالي في الوقت الراهن. ومن هذه الزاوية فهو يشير مثلاً إلى ما لحق كوكب الأرض وموارده ومناخه من أضرار فادحة ومروعة تبعث على القلق العميق بسبب ما خلفته حركة الاندفاع في طريق «النيوليبرالية» المعاصرة، ما أدى إلى تصدع ذلك الصرح الذي طالما تباهت به مراحل سبقت من تاريخ العصر الحديث متمثلاً في بناء عقد اجتماعي يتم إبرامه بين جماهير القوى المحكومة وبين أركان المجتمع الذي اختار تطبيق النهج الليبرالي دون أن يتوقف عند هذه المرحلة أو تلك من مراحل التطبيق؛ كيما يتمعن في ما أفضت إليه المسيرة الليبرالية من عثرات تحولت إلى أخطاء أصابت الإنسان، والبيئة والكوكب الذي نعيش فيه.


عدد القراء: 918

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-