الأدب المترجمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-09-30 04:52:11

أ.د. إبراهيم بن محمد الشتوي

أستاذ الأدب والنقد

عندما نعود إلى الأدب العربي القديم، نجد من الآثار الأدبية التي توارثتها الأجيال، ويوصي الأساتذة تلاميذهم بقراءتها، والكتابة على منوالها كتاب «كليلة ودمنة». وهو الكتاب الذي استقر رأي أغلب الدارسين على أنه مترجم عن الفارسية التي ترجمته بدورها عن الهندية. بل لا يتوقف الشأن في هذا الكتاب على القراءة، والتواصي، بل تجاوزه إلى الكتابة على منواله، ونظمه في أبيات يحفظها الشداة ويقرؤها المحبون.

ولو عدنا إلى النظر إلى الكتاب في التراث العربي قديمه وحديثه، لما وجدنا اعتباره إلا كتابًا أصيلاً في الأدب العربي، واحدًا من عيونه التي تنسب إلى ابن المقفع نسب المنشئ المبتدئ، إلى الحد الذي صار بعض الدارسين يشك في حكاية ترجمة الكتاب عن الفارسية أو الهندية، ويرى أن ابن المقفع سلك به هذا المسلك رغبة في إنفاقه لدى القراء، وإشهاره بينهم، خاصة إذا قارنا ذلك بحركة الرواية التي كانت رائجة السوق في زمن كتابة الكتاب وهو القرن الثاني الهجري، حيث كان الرواة والإخباريون يمتهنون الرواية والنقل عن العرب الأقحاح القدماء، ويتكسبون بها، فرأى ابن المقفع أن ينقل شيئًا عن الفرس آبائه وهو المعروف بالتعصب لهم، ويقدمه بوصفه منافسًا لما ينقل عن الأعراب الخلص.

وعلى طريقة بعض الرواة الذين يصنعون الأشعار وينحلونها العرب، يمكن أن يعد كتاب ابن المقفع هذا مما نحله هو أيضًا آباءه الفرس ومن يظاهرهم من الهنود، وإن كنا سنميل هنا إلى القول السائد القائل بأنه قد ترجمها عن أصول معروفة لدى الفرس.

والمهم لدينا، أن هذا الكتاب بالرغم من اشتهار حكاية نشأته، وأصله، فإن القدماء تلقوه بوصفه عملاً أدبيًا عربيًا أصيلاً، ولم ينظروا إلى أصله الفارسي أو الهندي أو لم يأخذوا أصله بالاعتبار، واكتفوا بالنسخة العربية التي بين أيديهم، جاعلينها أصلاً للنص يعودون إليه.

قد يدفعنا هذا إلى الحديث عن الترجمة، هل هي حرفية أو بالمعنى، أو أنها تعمد إلى المعنى العام ثم تصوغ العمل أجمع بما يتناسب مع الثقافة والبيئة الاجتماعية في اللغة المنقول إليها، كما قيل عن الترجمات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كترجمات المنفلوطي وحافظ إبراهيم والترجمات القديمة لكتب أرسطو التي قام بها إسحاق بن حنين ومتى بن يونس.

وهو الحديث الذي يوصلنا بعد ذلك إلى العلاقة بين النص الأصلي في لغته الأولى، والنص المترجم في اللغة الجديدة، هذه العلاقة التي يصفها بعض الدارسين بأنها «خيانة»، بناء على أن الكاتب لا يستطيع أن يقدم النص الأصلي كما هو، وإنما لا بد أن يكون هناك فارق بين النصين، هذا الفارق قد يكون ناتجًا عن مهارة المترجم ونمط الترجمة التي اعتمدها، وقد يكون ناتجًا عن اللغة المستعملة في الترجمة، وقد يكون ناتجًا عن طبيعة النص المترجم، وإمكانية نقله المتعددة، فيكون حمال أوجه ما يعني أن الجملة فيه تدل على أكثر من معنى، وهو ما يعني استحالة نقل الجملة كما هي لاختلاف اللغات وطرائق تعبيرها ما يعني أن نقل الجملة الواحدة ينبغي أن يتم بأكثر من جملة إما بطريقة العطف أو التخيير أو الهوامش.

هذه الاستحالة هي التي جعلت بعض الدارسين يعدون الترجمة ضربًا من الخيانة، لأنها لا يمكن أن تقدم النص الأصلي كما هو، وبغض النظر عن مقدار الفارق بين النصين الذي يمكن أن تحدد من خلاله مقدار ما يمكن أن يسمى «الخيانة»، فإن هذا المقدار الذي يوصف بأنه «خيانة»، هو الذي يمنح النص المترجم الجديد خصوصيته في اللغة المنقول إليها وأصالته، إذ يؤدي إلى أن يتصف النص الأصلي بجوهر اللغة المترجم إليها، وذلك أنه يجعله نسخة مستقلة عن النص الأصلي، ويمكن من إمكانية قراءته وفهمه بصورة مختلفة، أو بعبارة أخرى يمكن أن نقول: إنه إضافة فكرية إلى النص الأصلي، وهذا يجعلنا نقول: إن كل ترجمة تمثل نسخة جديدة للنص، بمعنى أن كل ترجمة تعني كتابة جديدة للنص الأصلي تظهره في اللغة الجديدة.

وهذا قد يمثل نوعًا من الانفصال عن النص الأصلي بوصفه قد أخذ بعدًا جديدًا أو ثوبًا جديدًا في اللغة الجديدة، إلا أن كونه يحمل عنوانه الأول، واسم المؤلف يجعله ترجمة، وهذا يدفعنا إلى البحث عن معنى كلمة «ترجمة»، بمعنى أنها نسخة معدلة من جهة اللغة، وما ينتج عن هذا التعديل من تحول في النص، بمعنى أن هذه الإضافات التي تنضاف إلى النص بسبب هذه الإجراءات لا تعد إنتاج نص جديد منفصل عن النص الأول، وإنما تعني تحويله من لغة وثقافة إلى لغة وثقافة بكل ما تتطلبه عملية النقل من لوازم، ويصاحبها من ظروف أكثر من أن تعني النقل الدقيق والأمين للنص إلى لغة أخرى.

وهو ما يدفع إلى النظر في العلاقة بين النص الأصلي والنص الجديد مرة أخرى، فبالإضافة إلى أنه نسخة أخرى تحمل في طياتها اختلافات عن النسخة الأولى، فإنه يمكن أن يكون نوعًا من القراءة والتأويل، أو التفسير للنص الأصلي، فهو انعكاس لفهم المترجم وما استقر في نفسه منه، هذا الفهم الذي يتأثر بثقافة المترجم.

ويتجلى هذا عندما تتعدد الترجمات للنص الواحد، ونجد بينها اختلافًا يقل أو يكثر، وذلك بسبب فهم المترجم للنص، وصلته به التي قد تكون خاصة وثيقة أو عامة عابرة، وصلة المترجم بحقل النص المترجم الذي قد يكون ضليعًا به وقد يكون ذا ثقافة عامة، مما ينعكس على تعاطيه للنص بعد ذلك، أو ربما يعود إلى ظهور عدد من الدراسات النقدية والشروحات على النص الأصلي في لغته الأولى ساهمت في تغيير النظرة إليه ما ينعكس بعد ذلك على ترجمته أيضًا. وهي كلها ظروف تعزز الفارق بين النصين، وتكسب كل ترجمة مشروعية الوجود والاعتبار بعيداً عن ثنائية الخطأ والصواب التي يعتمدها بعض الدارسين.

بل إن هذه التأثيرات للفهم، والتلقي لتظهر على الترجمة حين يكون النص الجديد (المترجم) منقولاً عن لغة وسيطة، بمعنى لو أن النص الأصلي ألماني، والترجمة منقولة عن الترجمة الفرنسية، فإن هذا يعني أن النص أو الكتاب قد مر بصياغة وفق الفهم الفرنسي، وانتقل بعدها إلى اللغة الثالثة، فالنسخة الجديدة الثالثة منقولة عن النسخة الفرنسية بكل ما تحويه هذه النسخة من ثقافة فرنسية.

ويظهر هذا الأثر لتدخل أكثر من لغة على النص حين تتم العودة إلى النسخة الأولى الأصلية للنص، ويتم ترجمة الأثر إلى اللغة الثالثة مباشرة منها، ثم نقارن بين النسختين للنص الأصلي؛ الأولى التي ترجمت عن لغة وسيطة والثانية التي ترجمت عن اللغة الأصلية، نجد الفارق كبيرًا بسبب أثر اللغة الوسيطة في تحوير المعاني الأصلية، وفهمها على القارئ الذي أيضًا قام بتحويرها مرة أخرى بناء على فهمه لها.

لكن هذا التحول للنص من لغته الأصلية إلى اللغة الجديدة، لا يقتصر على إكساب النص صورة أخرى غير الصورة التي كان عليها من قبل، وإنما يتجاوزه إلى البيئة الجديدة (اللغة) التي ظهر بها، فاعتماده على مواضعات اللغة المستعارة في التعبير، واستخدام وسائل التواصل، والتوصيل فيها يكسب النص أدوات جديدة يتمكن من خلالها أن يؤسس فضاءً تأثيريًا جديدًا، هذا الفضاء التأثيري يختلف عن فضائه الأصلي سواء باللغة أو بالقراء الذين لهم ثقافتهم الخاصة التي ينطلقون منها، ويتأثرون بها، وهو ما يكسبه أصالة في اللغة التي ينتقل إليها، ويعطيه قدرًا من التأسيس فيها، إذ يمكن النص من استخدام الخلفيات الثقافية للمستعملين الجدد، ولأدواتهم المعرفية في خلق مساحة مقروءية مختلفة عن الأخرى. هذه المساحة المقروئية «تنحكم» (إن صح التعبير) باللغة الجديدة والمستقبلين الجدد، والثقافة الجديدة.

ويمكن أن نبين هذه القضية عندما يترجم نص من لغة محدودة القراء والمستعملين والثقافة إلى لغة واسعة عدد المستعملين والقراء، والثقافة، إذ يمنحها ذلك انتشارًا، وظهورًا واستقبالاً نقديًا بقدر السعة التي تملكها اللغة الجديدة؛ الثقافة التي تتمثل بذوق أمة من الأمم في تركيب النص أو موضوعه أو جنسه، فقد تكون ثقافة تعنى بنوع من الأجناس الأدبية لا تعنى به ثقافة أخرى، فيجد النص فيها رواجًا، ويعاد اكتشافه من جديد كما لم يكن في لغته الأصلية.

وسنضرب على ذلك مثلاً بـ(ألف ليلة وليلة) التي لم تكن ذات أهمية بالنسبة للأدب العربي، ولم تلق رواجًا فيه حتى ترجمها الأوروبيون، وعنوا بها، ووجد ذلك الدارسون العرب، ما دفعهم بعد ذلك إلى العناية بها وقراءتها، بل دفع العرب إلى العناية بكل ما هو على شاكلتها سواء كان من القصص القديمة وتأخذ الطابع الأسطوري والغرائبي أو الأدب الشعبي.

كما أن الموضوعات والأفكار التي يتضمنها النص تؤدي إلى تكوين هذا الفرع من المعارف في اللغة الجديدة، وكأنه نبتة نشأت عنها دوحة كثرة الفروع والأغصان والأوراق، ما يؤدي بدوره إلى تغير في البيئة العلمية أو الأدبية التي نقل إليها، وربما تطور العلم الذي انتمى إليه النص الأول بفضل نقله إلى لغة وبيئة علمية أو أدبية جديدة بنشوء أعمال تكميلية أو موازية إليه، ما أعطى النص الأول قيمة ونماء وتطورًا.

وهذا سيدفعنا إلى السؤال عن أولى اللغتين بأن ينسب إليها النص، ويكون أصيلاً فيها، اللغة التي ظهر بها أول مرة، أم اللغة التي اشتهر فيها، ونما وازدهر، وصار متناً لدراسات أو نصوص لاحقة، وتحول من حبر على ورق إلى واقعة نصية وتاريخية وعلمية حقيقية؟

إن معرفة الحال التي يكون عليها النص بعد انتقاله إلى لغة أخرى، والأثر الذي يحدثه ويحدث به، يقضي بالقول: إنه نص أصيل كامل الأصالة في ذاته، وفي الحال الجديدة التي ظهر عليها، وإنه مستقل عن النص الأصلي. وهذا ما يدفعنا إلى تأكيد أهمي ة الترجمة من جهة، والتأكيد على أهمية الجهود التي تبذل فيها لإخراج النص الجديد على أبهى صورة، ليس بوصفها نقلاً، ولا خيانة، وإنما بوصفها إنشاء نص جديد مواز للنص الأصلي يحمل في تكوينه جميع الإمكانيات الجمالية والمعرفية القادرة على صناعة تأثير يوازي أثر النص الأول أو ربما يفوقه.


عدد القراء: 519

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-